; د. عبد العزيز التويجري: خطة تعليمية موحدة للعالم الإسلامي .. ضرورة | مجلة المجتمع

العنوان د. عبد العزيز التويجري: خطة تعليمية موحدة للعالم الإسلامي .. ضرورة

الكاتب محسن عبد الفتاح

تاريخ النشر السبت 01-أكتوبر-2005

مشاهدات 78

نشر في العدد 1671

نشر في الصفحة 38

السبت 01-أكتوبر-2005

أكد مدير عام المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم، «إيسيسكو» الدكتور عبد العزيز التويجري أن المسلمين قصروا في حق دينهم عندما لم يبلغوه للناس كافة، ولم يشرحوا قيمه ومبادئه، وتركوا الساحة لغيرهم فنشر سمومه ونفث أحقاده فشوه صورة ديننا وزيف حقائق حضارتنا... وقال في حديثه لـ «المجتمع»، إننا مفترى علينا وفي الوقت نفسه نحن مقصرون في حق أنفسنا، لأن هناك من أبناء المسلمين من أساء إلى الإسلام بممارسات غير قويمة قام بها باسم الدين وهو منها براء.. وأكد مدير عام الإيسيسكو، أن تغيير هذه الأوضاع لن يتم إلا بالعمل الجاد الدؤوب والمخطط من قبل المسلمين كافة.. وأوضح د. التويجري دور المنظمة في الرد على اتهامات الغرب للإسلام وموقفها من نظام العولمة، ومدى الحاجة إلى تطوير الخطاب الثقافي الإسلامي، وأسس الحوار الناضج بيننا وبين الغير كما تحدث عن العملية التعليمية بالعالم العربي والإسلامي وفلسفتها والمعوقات التي تواجهها في سبيل التطوير... وهذا نص الحوار: 

  • في البداية سألنا د. التويجري هل ترون أننا مقصرون في حق الدعوة إلى ديننا الحنيف وقضاياه؟

- أجاب دون تردد: نعم مقصرون ومتخلفون عن الساحة وبعيدون عنها، مقصرون لأننا تركنا هذا العطاء الضخم الذي يغني الحياة الإنسانية، والذي جاء هداية للبشرية جمعاء ولم تبلغ به الناس كافة، ولم نشرح قيمه ومبادئه كما يجب متخلفون لأننا تركنا الساحة لغيرنا لينشر سمومه وينفث أحقاده فشوه صورة ديننا وزيف حقائق حضارتنا ونعت حالنا اليوم بالتخلف! 

لذلك يجب علينا جميعًا أن نعمل كل شيء نستطيع عمله لمواجهة هذه الهجمة

الشرسة فتعمل على اختراق الميادين كلها بالحوار ونشر الكلمة، ومواجهة الرأي بالرأي، ومقارعة الحجة بالحجة لتصحيح الصورة.

أيضًا نحن مفترى علينا من قبل الغير بما يكيلونه لنا من تهم، ظنًا أن ما تقوم به قلة هو من تعاليم الدين وباسمه، وعندها يقال: هذا هو الإرهاب الإسلامي أو التطرف الإسلامي!

في حين أنه عندما يقوم متطرف بودي يعمل ما لا يقال إن هذا هو التطرف أو الإرهاب البوذي أيضًا عندما يقع عمل إرهابي من قبل متطرف يهودي أو مسيحي لا يقال التطرف اليهودي أو الإرهاب المسيحي! 

فالغرب يكيل بمكيالين ما يخصه خطأ فردي.. وما يخصنا تطرف وإرهاب، خاصة بعد أحداث سبتمبر التي كانت كارثة على شعوب العالم الإسلامي. 

إن الظروف المضطربة التي يمر بها العالم تجعلنا في أشد الحاجة إلى حشد الطاقات والقدرات لحماية وجودنا والمحافظة على خصوصيتنا الثقافية والحضارية والدفاع عن حقِّنا المشروع في حياة حرة كريمة والعمل على تقوية الذات الثقافية والحضارية، وتحصين الأمة ضد السلبيات الناشئة عن النظام العالمي الجديد وأضرار العولمة. 

تضافر الجهود

  • ماذا عن اهتمام المنظمة بقضايا التراث الإسلامي المادي والفكري؟

- نحن نعتني بالتراث الإسلامي وقضايا الحضارة الإسلامية عناية بالغة سواء التراث المادي أو الفكري، ففي مجال التراث المادي نحن نعنى بمعالم الحضارة الإسلامية وإبرازها وتوثيقها في إصدارات وأشرطة وثائقية تعرف بها.

وفي جانب التراث الفكري قدمنا عددًا كبيرًا من الكتب التراثية التي قمنا بتحقيقها ونشرها وقدمناها للقارئ مثل الكتب المتخصصة في الطب القديم، وكتب الفكر والفلسفة، كما تمت ترجمة بعضها إلى اللغات الأجنبية، ولا تزال هذه العملية مستمرة، لأن التراث الإسلامي ضخم، والمخطوطات التي تحويها تقدر بمئات الآلاف، وهي موجودة في شتى أنحاء العالم الإسلامي وخارجه.

  • وماذا عن دورها في الرد على المغالطات وتزييف الحقائق حول الإسلام؟

- الإيسيسكو، هي الضمير الثقافي للعالم الإسلامي، ونحن في ظل هذه المتغيرات لا تدخر جهدًا للقيام بدورنا الإيجابي المطلوب في المرحلة الراهنة، خصوصًا أن ما تعمل من أجله يقع ضمن أهداف المنظمة ومن أهم واجباتها التي تضمنها ميثاقها، وبناء على ذلك فإن الوضع الحالي يقتضي وقفة حازمة لرفض المحاولات التي يبذلها أعداء الإسلام لاستغلال تلك الظروف الاستثائية للإساءة إلى الدين الإسلامي ونعته بالإرهاب، ولا شك أن هذه الحملات الظالمة هي نتيجة من نتائج الوضع الدولي الحالي الذي نشأ من سياسة القطب الواحد.

خصوصية ثقافية

  • وماذا عن نظام العولمة وفرض ثقافة نظام واحد؟ 

- إن القانون الدولي يكفل التعددية الثقافية والحضارية ويؤكد حق الشعوب في خصوصيتها، وعدم فرض هيمنة ثقافية واحدة على الإنسانية جمعاء، فهذا عمل ضد منطق التاريخ، واستهتار بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ومنظماتها المتخصصة، إن انفراد قوة واحدة بالعالم وفرض هيمنتها على المجتمع الدولي يترتب عليه أوضاع خطيرة يعاني العالم كله من مظاهرها السلبية وسوف تؤدي إلى أزمات دولية يصعب تدارك نتائجها. 

النقد الذاتي

  • البعض يتهم الخطاب الإسلامي بأنه يحض على العنف ضد الغير ويشجع على الإرهاب.. ومن ثم يجب إعادة النظر في محتواه والعمل على تطويره، ما رأيكم؟

- أولًا: الخطاب الإسلامي يستند إلى قول الله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ 

(النحل:١٢٥)، كذلك لا يكون الخطاب الإسلامي إسلاميًّا إلا إذا كان صادرًا عن مرجعية دينية معبرة عن الهوية الثقافية والحضارية للأمة الإسلامية، من هنا فهو ينأى عن العنف والتطرف ويرفض الإرهاب بكل صوره ويدعو إلى احترام حقوق الإنسان لكل البشر ويمنع الظلم والعدوان والإفساد في الأرض، ويدعو إلى الحوار والتفاهم والتعايش مع الآخر في الأسرة الإنسانية، وإشاعة قيم العدل والسلم والخير للبشرية جمعاء.

ومع ذلك فالأمة الإسلامية مطالبة بممارسة النقد الذاتي والمصارحة الإيجابية ومساءلة النفس المعالجة السلبيات وإصلاح الخلل وتقويم الاعوجاج لمواجهة التحديات والضغوط التي تواجهنا، ولإيجاد السبل الصحيحة للخروج من هذه الأزمة، ولتبيان الحقيقة وإظهار زيف التهم التي توجه من قبل الأعداء لتشويه صورة الإسلام والمسلمين.

  • وماذا عن الأسس والقواعد التي تقوم عليها عملية التعايش الثقافي والحضاري بين الشعوب؟

- لا شك أن القواعد الحكيمة التي ارتضاها المجتمع الدولي وقبل التقيد بها والاحتكام إليها في عملية التعايش الثقافي والحضاري تعتبر بداية على قاعدة التعاون الإنساني واحترام خصوصية الغير.. الثقافية والحضارية في إطار من القيم والمبادئ الإنسانية، انطلاقًا من الحوار البناء الذي يسعى لصياغة مستقبل إنساني مشرق وهذا ما حثنا عليه الإسلام، فالحوار قيمة من قيم ديننا الحنيف، وأصل ثابت من أصول الحضارة الإسلامية وضرورة دينية وعصرية الحماية مصالح الأمة. 

أسباب الخلل

  • وعن أسباب الخلل في نظم التعليم على المستوى العربي والإسلامي والذي أدى إلى تخلفنا عن ركب الحضارة الإنسانية وتطورها الحالي.. قال التويجري: لو رجعنا للوراء قليلًا وبالتحديد في أواخر القرن التاسع عشر لوجدنا عددًا من الدول الإسلامية قد اسم هيئات تشرف على العملية التعليمية .... بدأت بنظارة المعارف في مصر وتطورت إلى أن أصبحت وزارة المعارف، ثم من بعد تشكلت وزارات عديدة أنيطت بها العملية التعليمية في مختلف بلدان العالم العربي والإسلامي... والغريب في الأمر أننا -حتى اليوم -لم نتفق على اسم واحد لهذه الوزارات فتارة وزارة المعارف وتارة أخرى وزارة التربية، وتارة ثالثة وزارة التربية والتعليم، وهكذا فالأسماء لم نتفق عليها حتى الآن، ومن ثم ليس هناك إطار أو خطة منهجية ترسم مسار العملية التعليمية على المستوى الإسلامي أو العربي أو حتى الإقليمي أو الثنائي، وهذا وضع خطير في المسألة التعليمية التي يتوقف عليها بناء الإنسان العربي المسلم عقلًا ووجدانًا. 

  • هذا عن الخلفية التاريخية المسيرة التعليم... فماذا عن أهم المعوقات المعاصرة المواكبة تطورات العصر؟ 

- رغم هذه القيود التي كبلت حرية التعليم وانطلاقه إلى آفاق التطوير الرحبة، فقد تحققت خطوات لا بأس بها في مسار العملية التعليمية في بعض بلدان عالمنا العربي والإسلامي، وإذا ما استعرضنا أهم المعوقات التي تحول دون التطوير المرجو، وجدنا أن أول هذه المعوقات: استئثار كل دولة بسياسة تعليمية معينة، وبالتالي منهج تعليمي خاص ولذلك تباينت الرؤى واختلفت الأهداف.

ثاني هذه المعوقات: عدم مواكبة المناهج التعليمية العربية والإسلامية لتطورات العصر وتقنياته المتسارعة والمتنامية، فمع استخدام الكمبيوتر والدخول إلى عالم الإنترنت كوسائل عصرية تعين القائمين على العملية التعليمية في إيصال المعلومة الحديثة المكتشفة في حينها، فقد تخلفت معظم الدول العربية والإسلامية عن مسايرة استخدام هذه الوسائل المتطورة والتي لا غنى عنها الإنسان اليوم ويرجع ذلك لعدم توافر الجانب المادي لتوفير هذه الأجهزة، ومن ثم التدريب عليها وامتلاك المهارة في التعامل معها كما يجب، بهدف الوقوف على المعلومة الأحدث، والوصول إليها أسرع، وبالتالي التواصل مع الآخر في حينه .... 

المشكلة الثالثة تنحصر في ضعف مستوى عدد كبير من المعلمين القائمين على تعليم النشء وعدم تأهيلهم التأهيل المناسب وبشكل يواكب متطلبات العصر، ولا يخفى عليكم أن من يتوجه إلى كليات التربية ومعاهد إعداد المعلمين اليوم هم ممن لم يحالفهم الحظ للحصول على درجات مناسبة تؤهلهم لدخول ما يطلق عليه كليات القمة مثل الطب والهندسة، وهذا يرجع لتدني نظرة المجتمع للمعلم بشكل عام، بعد أن كان في رسالته التعليمية يشبه بالرسل أو كادا ... فأصبحت العملية التعليمية تعتمد على التلقين، وفاقد الشيء لا يعطيه كما نعلم... من هنا حادث العملية التعليمية عن مسارها الأساسي وهو تحرير العقل ليفكر ويبدع ويضيف ويطور.

المشكلة الرابعة تتمثل في البيئة المدرسية فنحن نعلم أن هناك بيشات مدرسية مثالية ومتكاملة، وهي قليلة إذا قيست بالآلاف من البيئات المدرسية التي تعاني من تكدس طلابي وسوء ميان، ونقص في الأدوات والوسائل التعليمية الحديثة، إنها بيئة طاردة غير جاذبة للطالب فاقدة لعناصر التحفيز والجذب وترغيب الطالب في العملية التعليمية.

المشكلة الخامسة -التي تعترض مسار العملية التعليمية والتي تؤخر ولا شك من نهضة الأمة العربية وعالمنا الإسلامي -تفشي الأمية التي تصل في بعض البلدان إلى نسب مخيفة لا تستقيم معها أي جهود للتنمية البشرية. 

  • كيف يتم الخروج من هذا المأزق والتغلب على تلك المعوقات؟

- يجب علينا أن نعمل على تطوير التعليم سياسة وأهدافًا ومناهج ومعلمين وبيئة مدرسية.. لا بد أن نعيد النظر في سياستنا التربوية برمتها أن تطورها لكي تصبح ملائمة وموائمة المتطلبات العصر الذي نعيشه، وأن تراعي البعدين الثقافي والحضاري العربي والإسلامي، وهذه عملية صعبة ولا شك ولا يمكن أن تتم إلا بإرادة سياسية قوية، وجهود متضافرة في إطار من التضامن العربي. الإسلامي، لأنه لا يمكن للدول ذات الإمكانات المتواضعة أن تقدم على تطوير وتحديث العملية التعليمية وتنجح بنفس درجة نجاح شقيقاتها من الدول ذات الإمكانات الوفيرة. 

إن البناء الحضاري للأمم إنما يقوم على قاعدة التعليم وتربية النشء والتطوير الذي تنشده يتم في حلقات مترابطة والإصلاح الذي تهدفه يتم بالفكر الحي المتجدد لعلماء الأمة المجتهدين القادرين على مسايرة التحديث ومواكبة التقدم.

واليوم، ونحن نواجه كل هذه التحديات تزداد الحاجة إلى حرية التعليم والعمل على تطوره أكثر من أي وقت مضى، وذلك لتحقيق انطلاقة علمية جديدة بروح من التضامن العربي الإسلامي الحقيقي الفاعل والمؤثر الذي يبني وينمي، ويقوي الذات ويحمي الوجود، ويعزز قدرات الأمة، ويعلي مبادئ الحق والعدل والسلام.

الرابط المختصر :