; هل آن للشعب أن يتحرك؟! | مجلة المجتمع

العنوان هل آن للشعب أن يتحرك؟!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 12-أبريل-2008

مشاهدات 64

نشر في العدد 1797

نشر في الصفحة 37

السبت 12-أبريل-2008

كان الناس يتعجبون من سكون الشعوب العربية واستسلامها لجزاريها، رغم أنها تحملت الكثير في سبيل بلادها والدفاع عنها. ورغم ظلم الظالمين وفعل الفجار الجاحدين تحمل الشعب الفساد تحمل الإهمال، وضياع المقدرات، والتجاوزات، تحمل إهمال القضاء؛ فلم يعد ينفذ حكمًا واحدًا للعدالة، أو يرعى حرمة لأشخاص أو لأموال أو لحقوق الإنسان، فقد نهب كل شيء وباع كل شيء، استغل كل مؤسسة وموقع، ورعى وربّى طبقة من الفاسدين الناهبين لمقدرات الأمة؛ فمثلا: الحديد رغم أنه خامة مصرية صار يتحكم فيه فرد واحد فقط يفعل ما يشاء يرفع ويخفض ويلعب بالأموال، و«الإسمنت» الذي ينتج في مصر محليًا يباع من حفنة مستغلة بأعلى الأسعار، و«القمح» الذي أخفقت السلطات في إنتاجه رغم الأراضي الزراعية الشاسعة يتحكم في استيراده حفنة من القساة الذين لا يتجاوز عددهم الأصابع، حتى جاع الناس، وقتل بعضهم بعضًا في سبيل الحصول على لقمة العيش، و«الأرز» تولى عصابة من المستغلين تصديره حتى لا يجد الناس حبة واحدة منه، رغم أنه إنتاج مصري.. وهكذا وهكذا وغير ذلك الكثير:كسوء الإدارة، وشيوع الرشوة، وتفاهة الأجور، وغلاء الأسعار وشيوع البطالة والاستهتار بأرواح الناس، يسوقهم بالبلطجية ورجال الأمن القساة، وشيوع التزوير في كل المرافق والاقتراعات الذي أزكم الأنوف وفضح المزورين واستعمال العصا الغليظة مع المصلحين والناصحين، وفتح السجون والمعتقلات للنابهين، وقتل الحريات في عقول المفكرين، وتكميم الأفواه، وقطع ألسن الناقدين، وبيع البلاد للأعداء المستغلين.

وأشد من ذلك وأنكى ضياع عزة البلاد وهيبتها والخضوع للهيمنة الأمريكية الصهيونية، حتى أصبحنا نقرع بالعصا ليلًا ونهارًا؛ لنسبح ونحمد الصلف اليهودي، ونعادي إخواننا في «غزة» ونعلن الحرب عليهم ونحاصرهم ونساعد عملاء اليهود لنمدهم بالسلاح والتدريب والأموال؛ لتباع فلسطين من غير ثمن، وتقتل بغير عزاء..

كل هذا والشعب العظيم يطيع سلطاته (لعل وعسى!) ويعمل ليلًا ونهارًا لخدمة أمته وشعبه، لكنه رغم ذلك كله لم يفلح في إرضاء السلطات، وضاق بهم ذرعًا، وقال كما يقول القائل:

غزلت لهم غزلاً رفيعًا فلم أجد

لغزلي نساجًا فكسرت مغزلي

 والجهل، وكذا الظلم والبغي لا تقوم عليه أمة، ولا تفلح معه شعوب ولا تنشأ به حضارات؛

تلقى الأمور بأهل الرشد ما صلحت

فإن تولوا في الأشرار تنقاد

كيف الرشاد إذا ما كنت في نفر

لهم عن الرشد أغلال وأقياد

أعطوا غواتهم جهلًا وقادتهم

فكلهم في حبال الغي منقاد

واليوم يهب الشعب هبة واحدة ليعود إلى مكانته التي تأبى الظل وتكره الطغيان والتكفف من هنا وهناك، وهذه الهبة رغم ولادتها يتيمة لم تجد من يرعاها، لكنها استطاعت أن تنقل الشعب المصري إلى مرحلة جديدة من الوعي بقضاياه والبحث عن ذاته المهدرة وكانت صرخة مدوية أصمت آذان الظالمين وأيقظت الغافلين:

وصرخت في وجه الطغاة ولم تخف

أحفاد فرعون ولا هامان

هددت ظلومًا بكل صراحة

وسواك لم ينبس ببنت لسان

لقد نطق المفكرون الذين أمرضهم الصمت وأعياهم الظلم وتحدثوا عما اعتبروه نقاطًا إيجابية حققها «إضراب 6 إبريل» الذي دعت إليه نقابات عمالية ونشطاء حقوقيون، وسياسيون، وجماعات معارضة صغيرة احتجاجا على ارتفاع الأسعار، وتدني الرواتب وتردي الأوضاع الاقتصادية والسياسية بالبلاد.

المفكر المصري المستشار طارق البشري رأى من جهته أن الإضراب ساهم في عملية مستمرة لخلق الوعي داخل المجتمع المصري حول المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والتي تحتاج إلى اتباع سياسات تؤدي إلى إزالة أسباب الاحتجاج.

وأشار إلى أنه نجح في تجميع حركات احتجاجية متناثرة تحت مظلة مطالب تهم كافة أطياف الشعب المصري.

وقال: إن «الأسباب التي أنشئت من أجلها هذه الحركات لا تزال قائمة وتتصاعد وكان لا بد من وجود طريقة لتجميعها».

واعتبر البشري خطوة الإضراب الشامل تعبر عن تطور طبيعي للفعاليات الاحتجاجية، قائلًا: «إنه على مر التاريخ بدأت التحركات الوطنية الكبيرة بفعاليات احتجاجية متناثرة ما لبثت أن تجمعت بعد ذلك في تحركات أوسع».

من جانبه، وصف الدكتور محمد المهدي الخبير الاجتماعي والنفسي الإضراب بـ «الطفل اليتيم» الذي لم يجد من يتبناه من القوى السياسية الفاعلة، غير أن احتضان الشارع المصري له بتلقائية مثّل النقطة الإيجابية الأكثر تأثيرًا فيه، حيث أظهر الإضراب القدرة على تحريك وعي الناس والتواصل بينهم دون الحاجة إلى بوق سياسي محدد.

 وأضاف: «لأول مرة، يعلن عن يوم محدد لفعالية احتجاجية على مستوى مصر، ويتم التواصل بشأنها بين مختلف الفئات، وهذا ما أدى إلى ما نشهده من استنفار أمني كبير».

ومن ناحية أخرى أشار محمد المهدي إلى أن دعوات الإضراب أجبرت السلطة على اتخاذ خطوات استرضائية للشعب لإجهاض هذه الفعالية الاحتجاجية، مشيرًا إلى ما أعلنته الصحف الرسمية من قرارات رئاسية وحكومية بخفض أسعار السلع ورفع المرتبات والعلاوات لموظفي الدولة.

وجاء العنوان الرئيس لصحيفة الأهرام أبرز الصحف الرسمية كالتالي: «العلاوة الاجتماعية المتوقعة 20% من الراتب للعاملين بالدولة والقطاعين العام والخاص.. ضم العلاوات الاجتماعية منذ عام 92.. رفع الرواتب بنسبة 210%».

ونقلت تصريحات لوزير المالية عن استمرار تحسن الأداء الاقتصادي وانخفاض الدين المحلي، ووصول إجمالي الإيرادات في ثمانية أشهر إلى 121 مليار جنيه؛ الأمر الذي قال: إنه يفتح الباب أمام تحسين الرواتب.

ولم تختلف العناوين الرئيسة في صحيفة الأخبار كثيرًا عن سابقتها، حيث تحدثت عن الزيادات المتوقعة للدخول والأجور، وانخفاض الأسعار.. أما الجمهورية، الضلع الثالث في أكبر الصحف الرسمية، فحملت صفحتها الأولى خبرًا عن تراجع أسعار عدد من السلع الضرورية مثل: الحديد، والأسمنت، والأرز.

والإضراب قد نجح نجاحًا كبيرًا في تحقيق أهدافه، وتجمع الصحف ووكالات الأنباء أن الإضراب المصري أصاب الحياة في القاهرة والمحافظات بالشلل عد استجابة قطاع كبير من المواطنين لدعوى العصيان المدني الذي التزم فيه الناس منازلهم، هذا ومن اللافت للنظر أن صحوة الأمة كانت راشدة، حذرة، عفوية؛

 ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى *** الأعادي فهو يقظان نائم

 وبعد: هل يفيق المغرور ويقلع الظالم وتسود العدالة، وينقشع الغش، وتسود العدالة، ويفك قيد الأسير والعاني، وتسلم الأمة، أم أنها بوادر الطوفان؟!!

نسأل الله السلامة والتوفيق.. آمين .

الرابط المختصر :