; الأطباء والعلماء والمعلمون أكثر المستهدفين- نزيف العقول المتواصل يقوض مستقبل العراق | مجلة المجتمع

العنوان الأطباء والعلماء والمعلمون أكثر المستهدفين- نزيف العقول المتواصل يقوض مستقبل العراق

الكاتب محمد صادق أمين

تاريخ النشر السبت 30-سبتمبر-2006

مشاهدات 86

نشر في العدد 1721

نشر في الصفحة 34

السبت 30-سبتمبر-2006

لم يتوقف مسلسل نزيف العقول العراقية منذ ثمانينيات القرن الماضي، وفي ظل الاحتلال الأمريكي تزايدت عمليات القتل والخطف والتهجير بحق العلماء والأطباء العراقيين والمعلمين بهدف تقويض مستقبل هذا البلد الذي لن يصلحه غير أبنائه المخلصين. ومن أهم هؤلاء العلماء الذين طالتهم يد الغدر د. هادي محمد العبيدي، أستاذ الجراحة العامة في مدينة الطب ببغداد. هذا الاغتيال استنكره الجميع لما للرجل من وطنية وإخلاص لعمله، حيث استغرب د. عبد أمير المختار، مدير عام مدينة الطب، استهداف هذا العالم الذي لم يحمل أي خلفية سياسية، كما هو الحال مع ٩٠% ممن قتلوا من العلماء.

ولم يكن صاحب توجه طائفي معين، بل كان جراحًا يعالج كل إنسان يحتاج للمساعدة دون أن يسأل عن دينه وخلفيته السياسية والطائفية، حتى إنه كان يجري ١٠ عمليات في اليوم الواحد في ظل ظروف القتل والتفجيرات التي تستهدف العراقيين. ويقول مدير مدينة الطب إن الخاسر من وراء هذه الجريمة هم المرضى العراقيون والطلاب الذين يتدربون على يد الكفاءات العلمية مثل الدكتور هادي العبيدي.

ولعل د. العبيدي يقدم الكثير من الحقائق عن نزيف العقول الجاري في العراق الجديد الذي أراده المحتل وسارت في ركبه بعض القوى العراقية، بما يهدد مستقبل العراق لقرون مستقبلية بعدما سرقت ذاكرة وماضي العراقيين المدونة في المتحف العراقي الذي نهبت آثاره ونوافذه ولم يبق منه سوى الجدران الفارغة إبان غزو بغداد في عام ٢٠٠٣م.

وفي هذا السياق يشهد العراق عمليات قتل واغتيال وخطف فردية وجماعية على خلفيات مختلفة، بعضها مفهوم وأسبابه معروفة وواضحة للعيان مثل عمليات قتل الطيارين العراقيين الذين شاركوا في الحرب العراقية الإيرانية، حيث تمت تصفية ۷۰ منهم فيما فر الباقون إلى خارج العراق، وكذلك تصفية علماء الدين السنة والشيعة وما إلى ذلك من وقائع قتل وتصفيات. إلا أن ظاهرة اغتيال العلماء والأكاديميين العراقيين غامضة غموض حماية القوات الأمريكية لوزارة النفط دون بقية المنشآت والبنى التحتية العراقية الأخرى.

استهداف الأطباء: وقد يتصور البعض أنني أتحدث عن قتل عالم هنا وأكاديمي هناك وطبيب متخصص في مكان ثالث، الأمر الذي أتحدث عنه له مدى أوسع من ذلك بكثير. ولنأخذ على سبيل الاستدلال ظاهرة استهداف الأطباء العراقيين بالقتل والخطف، فمنذ أبريل ٢٠٠٣م حتى فبراير ٢٠٠٦م قتل ۲۲۰ طبيبًا اختصاصيًّا في اختصاصات طبية عالية في مختلف أنحاء العراق وتعرض حوالي ١٠٠٠ طبيب للخطف. تم إطلاق سراحهم فيما بعد مقابل فدية تتراوح بين ١٠٠ ألف دولار ومليون دولار. فر معظمهم بعد ذلك إلى خارج العراق، فيما نزح ۱۰۰۰ طبيب آخر نحو إقليم كردستان العراق الآمن بحسب مصادر صحفية كردية.

هذه الأرقام المذهلة حولت المدن العراقية إلى مدن لا يجد أبناؤها سبيلًا للاستشفاء والعلاج إلا في دول الجوار «إيران، الأردن، سوريا» حيث تقف طوابير المرضى بالآلاف على المعابر الحدودية أسبوعيًا، سعيًا وراء الطبيب والدواء. أما الفقراء المعدمون فيموتون إما بسبب خطأ في التشخيص ووصف الدواء الخطأ، وهي ظاهرة باتت منتشرة في المدن العراقية، وإما بسبب الفقر الذي لا يتيح لهم ثمن الدواء أو كلفة مراجعة الطبيب الذي بات بحاجة إلى حماية خاصة تكلف الشيء الكثير.

" بحث علمي عراقي: منذ أبريل ٢٠٠٣م حتى أبريل ٢٠٠٦م تم اغتيال ٣٠٧ علماء وأكاديميين. موزعين حسب اعتبارات جغرافيةوسكانية"

اغتيال العلماء

وحول ظاهرة اغتيال العلماء والأكاديميين، عُقد في مدريد مؤخرًا مؤتمر حول هذه القضية. بالتفصيل، قدم إسماعيل جليلي بحثًا عن الظاهرة قال فيه:

 هذه الأرقام تجعلنا نقف طويلًا أمام الظاهرة متسائلين: ما الذي يجري للعقول العراقية؟

اعتمد الجليلي في بحثه على معلومات من جمعية المحاضرين العراقيين، ورابطة تدريسيي العراق، وجامعات الموصل، بغداد، صلاح الدين، والنجف، إلى جانب تقارير منظمة هيومن رايتس الأمريكية.

أرقام مفزعة

أهم تلك الإحصاءات والأرقام منذ إبريل ۲۰۰۳م حتى أبريل ٢٠٠٦م، سجلت ۳۰۷ محاولات اغتيال العلماء، أكاديميين وباحثين عراقيين في مختلف أنحاء العراق، أدت إلى قتل ٧٤% منهم، ونجا منها ٢٦%، فر معظمهم إلى خارج العراق.

- منهم 9% ذكور، ٥% إناث، ۹۸% مسلمون، ۲% مسيحيون وديانات أخرى.

- ٦٢% منهم يحملون درجة أستاذ دكتور، ١٦% يحملون درجات علمية مختلفة، 1% فقط يحملون شهادة بكالوريوس.

- ۳۱% متخصصون في مجال العلوم المختلفة، ٢٣% أطباء اختصاصيون، %۲۱ أكاديميون في العلوم الإنسانية، ٢١% في العلوم الاجتماعية، ٩% اختصاصات مختلفة.

- مثل قتل هؤلاء الأكاديميين رسالة تحذير وتهديد عاجلة إلى من يلونهم في الدرجة العلمية أنه ليس أمامكم مفر من الموت سوى الهجرة. توزع أولئك الذين يشكلون الصف الثاني في المنظومة العلمية العراقية: ٥٢% يحملون درجة أستاذ مساعد. منهم ١٣% عمداء كليات وجامعات يحملون درجات علمية مختلفة.

تخطيط عمليات القتل حسب المناطق

التوزيع الجغرافي لعمليات الاغتيال أخذ في الاعتبار الكثافة السكانية والحجم الجغرافي والمعنوي للمدن العراقية بحيث تتناسب عمليات الاغتيال مع هذه النسب. حيث وقع نحو ٥٧% من عمليات الاغتيال في بغداد، ١٤% في البصرة، ١١% في الموصل، ٤% في الأنبار، و٤% في تكريت.

وحظيت التخصصات العلمية الدقيقة بحصة الأسد من عمليات الاغتيال: ٣٩% في أوساط الهندسة والإلكترونيات، ٢٥% في الفيزياء والكيمياء، ٢٣% في الزراعة وعلوم الحياة، و٢٣% أطباء، ٩٠% منهم متخصصون في مجال الأمراض الباطنية.

وتطرح تلك الإحصائيات المفزعة الكثير من التساؤلات حول من يقف وراء هذه الجرائم ومن له مصلحة في تدمير العراق وتهجير علمائه؟ وأين يقف المحتل من ذلك كله؟ تلك الأسئلة تحتاج إلى إجابات كي نصل للحقيقة، والتي تتبدى كل يوم في العراق، وهي أن استهداف العقول العراقية عمل منظم ومخطط له بشكل جيد من قبل دوائر مخابرات وليس من قبل عصابات.

أجهزة استخبارات دولية

ومن أغرب الآراء والقصص التي سمعتها من أحد الأساتذة المتخصصين في أحد الاختصاصات العلمية الحساسة جداً، رفض الكشف عن اسمه - قال: إن استهداف العقول العراقية سبق عام ٢٠٠٣م بزمن، مستشهدًا بقصة حدثت له، وقال: سافرت للعمل بالأردن في بداية التسعينيات، ونزلت في أحد الفنادق المتواضعة في العاصمة الأردنية. وفي اليوم التالي جاءني موظف استعلامات الفندق، وقال: هناك ضيف ينتظرك. استغربت أشد الاستغراب، فأنا لا أعرف أحدًا في عمان، ولا أحد يعرف في العراق أنني مسافر للأردن، فمن سيكون هذا الزائر؟! فظننت أن الأمر فيه خطأ أو لبس. وفي ردهة الفندق وجدت شابة تنتظرني بأعلى درجات الجمال والأناقة، قدمت لي نفسها على أنها تمثل سفارة دولة «...». ثم سردت لي قصة حياتي بالكامل، حتى شهاداتي ومن أشرف على رسالتي للماجستير والدكتوراه. وكان واضحًا أنها تريد أن تذهلني بما لديها من معلومات دقيقة عني، وهو ما نجحت فيه فعلاً، ثم قدمت لي عرضًا مغريًا للإقامة في عاصمة بلدها والعمل في مختبرات شركة «...» مقابل أي مبلغ أحدده. أخبرتني أنها لا تريد الرد على الفور بل أمهلتني ٢٤ ساعة. على الرغم من أن العرض مغرٍ إلى حد كبير، خصوصاً أننا كنا في فترة الحصار الاقتصادي وكان بعض أساتذة الجامعات يضطرون للعمل كسائقي سيارات أجرة في أوقات الفراغ لسد متطلبات المعيشة، إلا أنني لم أجد في نفسي حاجة إلى العرض وأنا مشرف على الدخول إلى عقد الستينيات من عمري. لم يستبعد محدثي أن يكون هدفًا محتملًا للعصابات الإجرامية التي تستهدف العلماء العراقيين، معللًا ذلك بالقول إنهم يعرفون كل شيء عنا.

 التخصصات العلمية الدقيقة تحظى بحصة الأسد من عمليات الاغتيال :٣٩% في أوساط الهندسة والإلكترونيات و٢٥٪ الفيزياء والكيمياء و٢٣ % الزراعة وعلوم الحياة و٢٣% أطباء و٩٠% منهم متخصصون في الأمراض الباطنية

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1124

106

الثلاثاء 08-نوفمبر-1994

أرقام مُفزعة

نشر في العدد 2161

117

الاثنين 01-نوفمبر-2021

ملف العدد (2): المجتمع (2161)