; قضية الصحراء.. المدخل إلى الشراكة.. والتبعية | مجلة المجتمع

العنوان قضية الصحراء.. المدخل إلى الشراكة.. والتبعية

الكاتب مصطفى الخلفى

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-2000

مشاهدات 79

نشر في العدد 1412

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 08-أغسطس-2000

  • التعاون العسكري بين الجزائر و الولايات المتحدة ..كيف انعكس على القضية؟ وفرنسا تغير موقفها وتدعم المغرب.

  • الصحراء تحول دون تنفيذ مشروع الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والمغرب العربي.. ومن هنا جاء الاهتمام الأمريكي بالحل.. وتعيين جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق مبعوثًا من طرف الأمم المتحدة.

  • الطريق الثالث المقترح للصحراء يعطيها نظام حكم ذاتي متميز في إطار المملكة المغربية.. ماذا عن موقف الجزائر والبوليساريو؟

  • ١٣٥ ألف طعن فيمن يصح لهم التصويت في الاستفتاء.. تستغرق عملية البت فيها سنوات.

  • تقع قضية الصحراء في قلب صراع دولي على الشمال الإفريقي.. وهي لا تكتسب أهميتها من مساحتها الجغرافية أو ثرواتها الطبيعية فحسب.. بل باعتبار دورها في تعميق تبعية دول المنطقة للغرب.

  • تقارير الأمم المتحدة تمهد الحلول أخرى في الصحراء غير الاستفتاء الذي تعترض تنفيذه عقبات إجرائية عدة، والولايات المتحدة تمهد منذ سنة لحل بديل.

تمر قضية الصحراء المغربية بمرحلة حرجة، ففي الوقت الذي تنامت فيه القناعة الدولية باستحالة تنظيم استفتاء لتقرير مصير الصحراء، خصوصًا عند كل من فرنسا والولايات المتحدة، تنامت الصعوبات والعوائق التي تقف دون بلورة خطة للبحث عن بديل.

تنطلق الخلاصة السابقة من المعطيات التي كشف عنها تقرير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الذي قدمه لمجلس الأمن يوم ١٢ يوليو الماضي، وخصوصًا ما تعلق بتعثر لقاء لندن 2 ثاني اجتماع ينظم بين الأطراف المعنية بالنزاع حول الصحراء المغربية، وذلك تحت إشراف المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، والذي انعقد يوم ۲۸ يونيو الماضي، بحيث شكل تراجعًا عن اللقاءات التي سبقته، ورغم ذلك لا يزال بيكر، مدعمًا بالأمين العام وبالقوى الدولية، مصرًا على طرح مقاربة جديدة للحل، ودفع الأطراف المعنية للتفاوض حولها وتقديم مقترحات بصددها.

لماذا البحث عن بديل؟

يتأسس المسار الجديد للتعاطي الأممي مع قضية الصحراء والبحث عن بديل لخطة الاستفتاء الحالي على عدة حيثيات أبرزها:

1. الموقف الأممي:

هناك تحول بارز في القناعة الأممية لصالح الأطروحة القائلة باستحالة المضي في تنفيذ خطة الاستفتاء بحذافيرها وبالصيغة الحالية، وهو تحول برز في تقارير الأمين العام للأمم المتحدة الصادرة في ٢٦ فبراير ۲۰۰۰م، و۲۲ مايو ۲۰۰۰م، و۱۲ يوليو ۲۰۰۰م، والمتعلقة بوضعية الاستفتاء والعقبات التي تعترض تنفيذه.

نتوقف هنا عند التقرير المقدم لمجلس الأمن في ٢٦ فبراير المنصرم والذي على أساسه تم تعيين جيمس بيكر لتأطير جولة مباحثات بين الأطراف لحل المشكلات القائمة في هذا التقرير حشد الأمين العام مجموعة الدواعي المشجعة على البحث عن بديل التي نجملها في: 

- حصيلة الطعون على قوائم الهيئة الناخبة بلغت ١٣٥ ألف طعن، وهو ما يعني سنوات أخرى تستغرق في البت في الطعون وتحديد الهوية.

 واعتبر التقرير أن «مواقف الطرفين على حد سواء لا تنبئ بالخير بالنسبة لإمكان الوصول في وقت قريب إلى حل لمسألة مقبولية الطعون للنظر فيها» وأنه «يتعذر في هذا المنعطف تحديد موعد للاستفتاء بأي قدر من اليقين بعد أن ظل الموعد يتأجل بصورة متكررة منذ عام ۱۹۹۱م»، وأن التجربة أظهرت «أنه في كل مرة نتقدم بحل تقني لسد الفجوة بين تفسيرات الطرفين المختلفة لبند معين من بنود خطة التسوية تنشأ صعوبة جديدة تتطلب جولة أخرى من المشاورات المطولة».

 - الكلفة الثقيلة لعملية الاستفتاء حيث بلغت نفقات البعثة الأممية بالمنطقة منذ إنشائها عام۱۹۹۱م، ما قيمته ۷۳۷,۹ مليون دولار والمعدل الشهري الحالي لنفقاتها هو 4.3 مليون دولار والإيجابية الوحيدة التي تحققت هي اتفاق وقف إطلاق النار.

هذه الفقرات الدالة من تقرير الأمين العام تكشف عبثية الاستمرار إلى ما لا نهاية في خطة تعتقد الأمم المتحدة، أنها مستحيلة التطبيق خصوصًا أن الأبعاد العميقة للنقاط الخلافية تكشف عن صعوبة الحسم فيها:

ملف الطعون واستكمال تحديد الهوية: المعطيات التي تم الإعلان عنها في سنة ١٩٩٩م ظهر فيها رفض لجنة تحديد الهوية لأعداد مهمة من المتقدمين بطلباتهم للمشاركة في الاستفتاء والموجودين داخل الأقاليم الجنوبية المغربية حيث تم قبول حوالي ٨٠ ألفًا، منهم ٣٣ ألفًا بمخيمات تندوف و4 آلاف بموريتانيا وحوالي ٤٣ ألفًا بالمغرب، أما عدد غير المقبولين فوصل إلى حوالي 70 ألفًا فضلًا عن أفراد المجموعات القبلية الثلاث المقدر عددهم بـ ٦٥ ألفًا رفض إحصاؤهم آنذاك. وهي معطيات أربكت حسابات المغرب مما جعله يخوض حملة توعية في صفوف المتضررين من قرارات لجنة تحديد الهوية لتقديم طعون ضدها وذلك لضمان حق كل السكان في التصويت.

 قد يعتبر البعض أن المشكلة ذات طبيعة قانونية فالإجراءات المنظمة لمسطرة الطعون محددة بنصوص قانونية تضبط كيفية تقديم الطعن والجهة التي يقدم لها والآجال المحددة لذلك، إلى غير ذلك من النقط القانونية إلا أن الواقع ليس كذلك فالمشكل سياسي ولا بد من حسم الأمر في مستواه السياسي وفي ضوء ذلك يتم بلورة الصيغ القانونية، ونعنى بالمشكل السياسي مدى درجة احترام مبدأ حق كل الصحراويين في تقرير مصير الأقاليم الصحراوية.

 أما الطعون فقد كانت غالبيتها ضد الاستبعاد من اللوائح، وقد بلغت نسبة طعون السكان الصحراويين بالمغرب 95% من مجموع الطعون وبالنظر لكون عدد الطعون كبيرًا جدًا، فإن ذلك سيؤدي إلى تأجيل الاستفتاء إلى سنتين أو ثلاث سنوات تتطلب تكلفة مالية لا تقل عن ۱۲۰ مليون دولار.

إعادة اللاجئين وتوطينهم:

ملف إعادة «اللاجئين» المحتجزين في تندوف هو الآخر مشكل معقد، حيث يرتبط بتنظيم العلاقة بين العائدين الذين تم إحصاؤهم في إطار لجنة تحديد الهوية من بين المتبقين في تندوف ثم العلاقة بين العائدين وبين سكان الأقاليم الجنوبية المسترجعة، وما يرتبط بذلك من قضايا الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية.

وتدعو جبهة البوليساريو إلى أن تكون عمليات الإعادة إلى شرق الجدران الرملية وليس إلى غربها «يقصد بالجدران الرملية مجموع التحصينات التي أقامها المغرب بالصحراء ليضمن السيطرة على المناطق الموجودة غرب هذه الجدران»، بما لا يؤدي إلى اختلاطهم بسكان الأقاليم الداخلية، وتحكمها في ذلك اعتبارات التخوف من التأثير عليهم من طرف المغرب خصوصًا أن هذا الأخير يراهن عليهم لفضح حقيقة مشاريع البوليساريو، فضلًا عن الخشية من عدم عودتهم في حالة حصول طارئ يؤدي إلى إيقاف الاستفتاء.

في أكتوبر ۱۹۹۹م أصدرت المفوضية العليا للاجئين تقريرًا مفصلًا عن مجموع أعمالها التحضيرية لإعادة اللاجئين، وأعلنت أن عملية الإحصاء حددت عدد اللاجئين بـ٦٨٥٥٦ بمخيمات تندوف و ٢٦٤١٦ بموريتانيا، كما أن الميزانية التقديرية العمليات الإعادة والتوطين هي في حدود ٤,٣٧٥ مليون دولار، وهو ما يعني أن الوضع الديمجرافي بالصحراء المغربية معرض لتحولات قد تكون عميقة. وذات انعكاسات مهمة على الاستفتاء.

إزاء هذه الوضعية فإن الذهاب نحو إجراء الاستفتاء دون إشراك الصحراويين كافة سيؤدي إلى عدم قبول المغرب بنتائج الاستفتاء، كما أن الاستجابة للطعون المقدمة ضد اللوائح الاستفتائية ستؤدي إلى عدم قبول البوليساريو بنتائج الاستفتاء، وهو ما يعني العودة إلى نقطة الصفر.

 وإلى جانب هذه النقط الخلافية هناك نقط أخرى تتمثل في كيفية تطبيق نتائج الاستفتاء وإطلاق سراح السجناء والمعتقلين السياسيين ومدونة سير الاستفتاء الخاصة بالحملة الاستفتائية.

في ظل هذه الوضعية، لم يكن من حل أمام كوفي عنان إلا اقتراح تكليف جيمس بيكر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق الذي سبق له أن أدار مباحثات هيوستن بين الطرفين في سنة ١٩٩٧م، ببدء جولة مشاورات مع الطرفين لاستكشاف سبل ووسائل التوصل إلى حل سريع ودائم ومتفق عليه للنزاع القائم بينهما لتحديد حقوق والتزامات كل منهما في الصحراء الغربية، وهي خلاصة زكاها مجلس الأمن في قراره يوم ۲۸ فبراير الماضي. ومما لفت الانتباه غياب الإشارة في التقرير إلى أدنى تقييد لبيكر في الارتباط بمخطط التسوية الحالي، مما يعطي بيكر حرية التصرف ولو نسبيًا.

ب- الموقف الدولي:

اتسم الموقف الدولي بتبلور قناعة أمريكية فرنسية، بضرورة البحث عن خيار يرضي الأطراف الرئيسة في مشكلة الصحراء، وهي الجزائر والمغرب وهي قناعة أسهمت في إنضاجها زيارتا العاهل المغربي إلى فرنسا في مارس والولايات المتحدة في يونيو الماضيين. كما تجلت بوضوح في اجتماع مجلس الأمن يوم 31/5/2000م حيث سعت فرنسا والولايات المتحدة لاستصدار قرار من المجلس يساعد بيكر على فرض أطروحة الحل السياسي، إلا أن هذا التحرك لقي معارضة بعض الدول كهولندا والأرجنتين وماليزيا ومالي، التي دعت إلى تحليل إمكانات تطبيق خطة الاستفتاء قبل الانتقال إلى حل آخر. توجد قضية الصحراء في قلب صراع دولي على الشمال الإفريقي، وهي لا تكتسب أهميتها باعتبار مساحتها الجغرافية أو ثرواتها الطبيعية فحسب، بل باعتبار دورها في تعميق تبعية دول المنطقة أيضًا، وهو ما ترصده من خلال مستويات ثلاثة:[1]

1- المنطقة المغاربية منطقة حيوية للأمن الاستراتيجي لأوروبا وحوض المتوسط، الأمر الذي جعلها تمثل بؤرة من بؤر الصراع الدولي منذ بداية هذا القرن، وعليه تم تقسيم المغرب إلى عدة أجزاء بين الدول الاستعمارية، من خلال عدة معاهدات توجت بعقد مؤتمر الجزيرة الخضراء (15/1/1906-7/4/1906) الذي استمر طيلة ثلاثة أشهر وعرف صراعات دولية حادة على المغرب حضرت فيها كل من ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا والبرتغال وإيطاليا، ولا يعدو التدخل الدولي الراهن على اختلاف أشكاله الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية أن يكون استمرارًا للمعالجة الدولية التنافسية.

2. ساهم الصراع الدولي في مرحلة الحرب الباردة في توظيف الصراع حول الصحراء لتحقيق عدة أهداف، منها التحكم في الممرات المائية وتشكيل الأحلاف العسكرية، إلا أن أهم هدف خدمته القضية هو أنها أصبحت أداة إشغال وإبعاد لغرب العالم الإسلامي والعربي عن شرقه وخصوصًا المغرب والجزائر اللتين سبق أن عبرتا عن انشغال معتبر بالقضايا العربية والإسلامية.

3. أفضت تطورات الصراع إلى ارتفاع الحاجة إلى الدعم الأجنبي عسكريًا واقتصاديًا، لهذا النظام أو ذاك، وهو ما جعل القضية عنصر استنزاف للمقدرات الذاتية من جهة وعنصر تعميق للارتهان والتبعية من جهة أخرى، وهو ما أصبح يعطي مبررًا للتدخل الأجنبي، وحسب د. الشامي فسيكون «التعاطي مع موضوع الصحراء إحدى الوسائل الهادفة إلى إطالة عمر المصالح الأجنبية في شمال إفريقيا خصوصًا، وعموم القارة عمومًا».[2]

 وقد خضع التعاطي الدولي في عهد الحرب الباردة لسياسة اللاحسم لفوائدها الأمنية والاستراتيجية، ولخدمتها لخيار التجزئة والاستنزاف والتبعية وذلك على أساس توازن دقيق بين الجزائر والبوليساريو من جهة أولى والمغرب من جهة ثانية، هذه السياسة مارستها في مرحلة أولى فرنسا وبدرجة أقل الولايات المتحدة، وفي مرحلة ثانية أخذت الولايات المتحدة الزمام واستمرت به إلى التسعينيات، إلا أن معطيات الوضع الحالي تغيرت، فهناك سعي أمريكي لإدماج المنطقة في مشروع شراكة استراتيجية بينها وبين الدول المغاربية الثلاث والتي تقف في وجه تنفيذها مشكلة الصحراء.

كما أن جزائر السبعينيات ليست جزائر ۲۰۰۰م، فآنذاك كانت مرتبطة بالاتحاد السوفييتي مما حدا بكيسنجر- وزير الخارجية الأمريكي آنذاك- أن يقول «لن تسمح الولايات المتحدة بأنجولا ثانية على ضفاف المحيط الأطلسي»، وفي الظرف الحالي نجد أن الجزائر انخرطت في مشروع تعاون عسكري متقدم مع الولايات المتحدة، سنفصل الحديث فيه بعد التطرق للموقف الفرنسي.

فرنسا: أثمرت زيارة الملك محمد السادس إلى فرنسا، اصطفافًا غير معلن من طرفها لصالح الطرح المغربي مما حدا بزعيم البوليساريو إلى اتهام فرنسا بالخروج عن الحياد، ويقوم الموقف الفرنسي الداعم للمغرب على مرتكزين: الأول المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لفرنسا بالمغرب، والتي قويت في عهد الملك محمد، والمضي في تنفيذ خطة الاستفتاء بصيغتها الحالية سيهدد هذه المصالح، كما سيؤدي إلى زعزعة استقرار النظام المغربي، أما المرتكز الثاني فهو استمرار التوتر الخفي في العلاقات الجزائرية الفرنسية، مما يجعل المغرب نقطة ارتكاز لرعاية المصالح الفرنسية بالمنطقة المغاربية، خصوصًا في ظل تحسن علاقات المغرب بكل من تونس وموريتانيا، هذا فضلًا عن أن ذلك يمثل ضغطًا خفيًا على الجزائر للقبول بتقديم تنازلات عسكرية وأمنية واقتصادية لصالح فرنسا وهو ما برز في حصيلة زيارة الرئيس الجزائري بوتفليقة لفرنسا في يونيو الماضي.

 أما بخصوص الولايات المتحدة فإن قضية الصحراء تشكل أحد محاور التحرك الدبلوماسي في الشمال الإفريقي، وذلك باعتبار تداعياتها على الاستقرار السياسي والأمني بالمنطقة، وإلى جانبها هناك القضايا المرتبطة بمسلسل التسوية والتطبيع كقضايا أساسية أيضًا في السياسة الخارجية الأمريكية، وهو ما تجسد بوضوح في الزيارة التي قام بها إدوارد ووكر نائب وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط إلى تونس والجزائر والمغرب في فبراير الماضي.

ولتجلية الموقف الأمريكي نستعرض فقرات من خطاب ألقاه نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط رونالد نيومان أمام لجنة العلاقات الدولية الفرعية الخاصة بإفريقيا بالكونجرس في ٢٤ من سبتمبر عام ١٩٩٨م، عند ظهور بوادر تكليف بيكر بحل المشكلات التي برزت آنذاك حيث قال: «انعدام الحل أو احتمال انهيار المساعي الهادفة إلى إيجاد حل سلمي يمكن أن يفاقم بصورة ملموسة كل هذه المشكلات القائمة ويهدد بتجدد أعمال العنف وكل هذا من شأنه تعريض مصالحنا في المنطقة للخطر وتشكيل أخطار لجنوب أوروبا»، وأضاف: «إذا ما أخفق بيكر في التوصل إلى تسوية فلن يكون هناك بديل آخر. ولذلك يصبح من المنطقي في نظرنا منح جهود بيكر تأييدنا الكامل، وهذا ما نقوم به، لقد أحطنا الأطراف علمًا بأن مهمة بيكر هي آخر وأفضل فرصة تتاح لتسوية هذه القضية تحت رعاية الأمم المتحدة، وإذا لم يحالف التوفيق هذه المهمة. فقد قال بيكر إنه سيكون واضحًا جدًا في تحديد الطرف أو الأطراف التي يوجه إليها اللوم بسبب هذا الإخفاق ونحن نؤيد ذلك المنهج».

ويعزز ذلك حضور المعطى العسكري بقوة في التوجهات الأمريكية المتعلقة بالنزاع، ففي زيارة وزير الدفاع الأمريكي وليام كوهين للمغرب في أواسط فبراير الماضي، تكرر طرح مشروع إدماج المنطقة في مناورات مشتركة متعددة الأطراف في إطار المبادرة المتوسطية للناتو، وهي مبادرة تندرج ضمن المفهوم الاستراتيجي الجديد للناتو وتصوره للعمل مع حلفائه وشركائه وفكرة المناورات المشتركة المتعددة الأطراف هي أحد محاور برنامج الشراكة من أجل السلام الذي يضم ست دول متوسطية هي : مصر والأردن وموريتانيا والمغرب تونس والكيان الصهيوني، وقد شكلت هذه الفكرة عنصرًا أساسيًا في الزيارة تفوق أهميته مسألة الدعم في مجال التسلح، حيث كشف كوهين، وهو  في طريقه إلى الرباط، أنه لا يرى أن الغاية من الزيارة تعزيز العلاقات في التوسع الهائل في المبيعات العسكرية، والمساعدة في ذلك الإطار وإنما «نرغب في تعزيز المزيد من المناورات الثنائية (..) والمزيد من المناورات المشتركة (..) إننا نود أن نشهد توسعًا في اشتراك المغرب في المنطقة على أساس متعدد الأطراف».

 مع الأخذ بعين الاعتبار التقارب العسكري الأمريكي الجزائري الذي كان من ثماره الموافقة على صفقة عسكرية بقيمة مليار دولار للجزائر هذا التقارب له تأثيره على العلاقات المغربية الجزائرية ونشير هنا إلى أن ووكر نائب وزير الخارجية الأمريكي بحث في الجزائر موضوع العلاقات العسكرية، ونتج عن الزيارة برنامج مهم للتعاون العسكري على اختلاف مستوياته، وهو ما خلق ردود فعل سلبية بالرباط، كما أن وليام كوهين خبير بملف العلاقات المغربية- الجزائرية، وسبق له في أكتوبر ۱۹۹۸م أن زار الرباط للتباحث في هذا الموضوع.

ضغوط أمريكية على المغرب:

في السنة الماضية ساند الأمريكيون الأمين العام كوفي عنان وضغطوا على المغرب للتوقيع على البروتوكولات الخاصة بتحديد الهوية ومسطرة الطعون وإجراءات إعادة اللاجئين والقضايا العسكرية لبعثة «المينورسو»، حيث قامت مندوبة واشنطن في الأم المتحدة بزيارة الرباط في فبراير ۱۹۹۹م، والتباحث مباشرة مع وزير الداخلية حول قضية التوقيع على البروتوكولات الخاصة بترتيبات استئناف تحديد الهوية والقيام بباقي إجراءات خطة الاستفتاء، وهي زيارة سبقها تصريح لمارتن إنديك- نائب وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط- أعلن فيه «أن التأخير المتواصل في عملية الاستفتاء أدى إلى تقويض مصداقية هذه العملية داخل الكونجرس»، وأنه «على الأمم المتحدة والأطراف الأخرى أن ينتهوا من عملية الاستفتاء بسرعة» وهي تصريحات اعتبرت موجهة للمغرب، ما دام هو الذي لم يوقع بعد على البروتوكولات الأممية، وقد نجم عن الضغوط الأمريكية آنذاك موافقة المغرب على البروتوكولات في مايو ١٩٩٩م.

إلا أنه منذ أواخر السنة الماضية وحتى الآن، نجد أن التعامل الأمريكي لا يتحرك بالحماس نفسه لخطة الاستفتاء، بل إنه يتجه نحو التأسيس لحل بديل.

 إن مجمل الحيثيات السابقة، تؤكد أن خيار البحث عن بديل لخطة الاستفتاء أصبح خيارًا لا مفر منه، فما البدائل المطروحة؟ وما احتمالات تحققها؟

البدائل المطروحة:

تقوم البدائل المتداولة في الساحة على إيجاد مخرج معقول ومقبول لمشكلة الصحراء، لا غالب فيه ولا مغلوب، وقد قام السفير الأمريكي بالرباط منذ بداية السنة الجارية بسلسلة زيارات لعدد من سفراء الدول المعتمدين بالمغرب للتباحث بخصوص هذه الأفكار والطلب من هؤلاء إبلاغ بلادهم بمدى وجود إمكانات لتقديم مساهمات مادية ومعنوية لهذه التسوية.

 في تقرير الأمين العام الأخير «الفقرة ٢٩ من التقرير S/2000م /683/12/7/200م» اعتبر أن هناك أربعة خيارات مستقبلية:

اندماج كلي للصحراء في المغرب، استقلال كلي للصحراء، حل سياسي وسط ومتفاوض عليه، ثم خيار الاستمرار في خطة التسوية الجارية مع إشارته للخيار العسكري كخيار مستبعد. وأبرز بعد ذلك أن الخيار الراجح هو خيار التسوية السياسية، الذي يمكن أن يأخذ صيغًا متعددة الأشكال.

في إطار هذا الحل السياسي يطرح بديلان: الأول يدعى بالطريق الثالث ويرتكز على فكرة الحكم الذاتي، أما الثاني، فيدعى بالحل الرابع ويقوم على تسوية ثنائية بين المغرب والجزائر.

 تتمثل أطروحة الطريق الثالث في الوصول إلى تسوية بين المغرب والبوليساريو، ينتج عنها إقامة نظام حكم ذاتي يؤدي إلى وضع متميز لسكان الصحراء في إطار المملكة المغربية، قد يصل إلى مستوى الفيدرالية والنموذج هنا هو كل من إقليم الباسك بإسبانيا، وبورتوريكو مع الولايات المتحدة، وهذه الأطروحة تقدم نفسها بديلًا يحفظ ماء وجه الطرفين، وفق مقولة لا غالب ولا مغلوب في مقابل صيغة الاستفتاء الحالية، التي ينتج عنها الهزيمة الكلية لأحد الطرفين ولو كانت نتيجة التصويت 50,1%.

 هذه الفكرة ليست جديدة، وقد سبق أن طرحت في صيف ١٩٩٦م في لقاءات سرية ضمت ممثلي المغرب والبوليساريو حضر في إحداها الملك محمد السادس وكان وليًا للعهد ولم يقع الاتفاق حولها. كما أن السفير الأمريكي الأسبق بالرباط مارك جينسبرج طرحها هو الآخر، في إطار مبادرة تدمج فيها الجزائر، كما أن ما يشجع الدفع فيه، أن العاهل المغربي الراحل سبق أن صرح في الثمانينيات بأنه ما عدا الطابع والعلم المغربيين، فكل شيء يمكن التفاوض عليه، إلا أن العائق الأكبر أمام هذا المشروع هو غياب الدعم الجزائري له، إذ ترى الجزائر أنها لن تجني شيئًا بعد كل ما قدمت من دعم عسكري ومادي ودبلوماسي للبوليساريو طيلة ما يقرب من ثلاثة عقود، وإزاء ذلك جرى العمل على بلورة بديل يعرف بالحل الرابع.

 - الخيار الرابع هو خيار التسوية المتعددة الأطراف المرتكزة أساسًا على تفاهم جزائري- مغربي، يعمل على الحفاظ على السيادة المغربية مقابل تلبية بعض المصالح الجزائرية المرتبطة بالحصول على منفذ بري على المحيط الأطلسي يمكنها من تسويق الثروات المعدنية الموجودة بالصحراء الجزائرية وترضية المطالب الجزائرية الخاصة بالحدود الجنوبية الشرقية بين المغرب والجزائر، وهذا المطلب كان يلقى معارضة غربية أيام الحرب الباردة، أما الآن فهناك نوع من التفهم له. 

الخيار الرابع هو أيضًا خيار قديم يجرى إحياؤه ويضاف لعناصر هذه التسوية، إدماج مقبول لعناصر البوليساريو في النظام المناطقي المغربي خصوصًا أن الملك محمد أكد عزمه على المضي قدمًا في تعزيز نظام اللامركزية، ومنح الجهات الجنوبية «أي الصحراء» مزيدًا من الاستقلالية في التسيير الإداري والتدبير المالي. وهذا الأخير يقوم على تسوية ثنائية مباشرة بين المغرب والجزائر، على اعتبار أنها صانعة البوليساريو والمتحكمة في قرارها الاستراتيجي. وهذا الحل كان من المفترض أن يشكل محور مباحثات العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني والرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين في سنة ۱۹۷۸م، إلا أن وفاة هذا الأخير نتج عنها فشل المشروع، ورغم تبلور هاتين الصيغتين، فإنه إلى الآن لم يتقدم أي طرف بمقترح مفصل ودقيق في الموضوع لا إلى اجتماع لندن الأول في مايو الماضي ولا في اجتماع لندن الثاني في يونيو الماضي مع الإشارة إلى أن فريق الخبراء المساعد لبيكر أعد مسودة للحكم الذاتي، فما حظوظ كل بديل في النجاح والتحقق؟

الاحتمالات الممكنة:

الدراسة الاحتمالات الممكنة ننطلق من تحليل فاعلية جيمس بيكر وتجربته في مفاوضات هيوستن ۱۹۹۷م أولًا، ودراسة تأثير العلاقات المغربية الجزائرية على هذه التوجهات ثانيًا.

احتمال تكرار سيناريو هيوستن:

 نقصد بسيناريو هيوستن ۱۹۹۷م. المسار الذي اتبعته المباحثات التي أدارها بيكر منذ يونيو ١٩٩٧م حتى سبتمبر من تلك السنة، وهو السيناريو الذي نعتمده مرجعًا في تحليل جهود بيكر الحالية. قام بيكر في البداية بجولة يومي 9-10/4/2000م. زار فيها كلًا من الجزائر وتندوف والرباط، وفي بداية جولته صرح بأنه يريد أن يرى «ما إذا كان هناك سبيل لفك العقدة سواء عن طريق حل الخلافات القائمة بين الأطراف الآن بشأن خطة التسوية أو ربما نبحث كذلك بعض الأساليب الأخرى التي قد تؤدي في نهاية الأمر إلى حل عادل وشامل للنزاع». وبعد الجولة تم عقد اجتماعين بلندن لمدارسة سبل حل الخلافات، إلا أن اللقاءين لم يقدما خطوة واحدة إلى الأمام، بل الأمين العام يعتبر أن اللقاء الأخير شكل تراجعًا عن اللقاءات السابقة، ورغم ذلك فعلى الأطراف أن تقدم مقترحات ملموسة ودقيقة في اللقاءات المقبلة والتي طالب بيكر أن تكون مخصصة لبحث حل سياسي للنزاع.

أصبح مستقبل خطة التسوية تحت رحمة المفاوضات المباشرة التي يمكن اعتبار لقاءي لندن بمثابة لقاءات تمهيدية لها، ومن ثم لا ينبغي اعتبار لقاءات لندن لقاءات فاشلة، وذلك لاعتبارين:

أن اللقاء الأول على وجه الخصوص تعرضت فيه أطراف القضية لضغط إعلامي   سياسي كبير يفوق الضغط الذي وقع عند أول لقاء غير مباشر بلندن (12-13/6/1997م) حصل فيه تهيئة الرأي العام في المنطقة عمومًا، والمغرب خصوصًا، لتقبل فكرة التفاوض المباشر والذي تمخض عن أول لقاء مباشر في 23-24/6/1997 بلشبونة ولهذا لم يصدر عن تلك اللقاءات الأولية أي جديد يفهم منه معالجة الأزمة، بل سميت في الإعلام المغربي لقاءات تقنية، لا سياسية حتى حصل تطبيع الرأي العام عليها. وبقي الانطباع السائد أن المفاوضات تراوح مكانها.

أن المنهجية التي أدار بها بيكر، المفاوضات آنذاك، اعتمدت على فكرة عدم إلزامية ما يتفق عليه الطرفان في القضايا الجزئية حتى يتم حسم كل القضايا، أي كل طرف كان يفاوض وهو يتوافر على إمكان التراجع عما طرح من آراء بل وما اتفق عليه، وهو ما شكل عنصر دعم نفسي للمفاوضات أتاحت لكل طرف ألا يستشعر المغامرة في التفاوض، بل ساعد على تعميق المدارسة لمختلف الإشكالات المطروحة دون إحساس بوجود قيد زمني، بحيث استمرت المفاوضات إلى غاية شهر سبتمبر وتمت صياغتها نهائيًا لتقدم إلى مجلس الأمن في أواخر أكتوبر ۱۹۹۷م، وهو ما يعني أن مباحثات هيوستن استغرقت من الناحية الفعلية ستة أشهر. وهذه المنهجية هي نفسها التي يدير بها بيكر المباحثات الجارية.

هذه النظرة «المتفائلة» نسبيًا لمسار القضية، لا تعني انتظار نجاح اللقاءات التفاوضية المقبلة، فهي أصعب من مسار هيوستن ۱۹۹۷م وقد تطول أكثر. لا سيما أن مسار هيوستن جاء في ظرفية سياسية محلية وإقليمية ودولية مساعدة حيث اتسمت تلك الظرفية بأربعة معطيات:

أولًا: تفاقم حالة انشغال النظام الجزائري بترتيب البيت الداخلي.

ثانيًا: كان المغرب يستعد لإجراء الانتخابات البلدية والبرلمانية والشروع في عملية التناوب.

ثالثًا: اليأس من إمكان فتح قنوات مباشرة بين المغرب والبوليساريو بمعزل عن الأمم المتحدة وذلك بعد فشل اتصالات صيف ١٩٩٦م.

رابعًا: هناك التحسن الذي عرفته علاقات المغرب مع محيطه الأوروبي بعد التوقيع على اتفاقية الصيد البحري ووجود اليمين في الحكم بفرنسا.

أما الظرفية الحالية، فهي نسبيًا غير مساعدة. خصوصًا أن بيكر يسعى لتجاوز هدف إيجاد حلول للمشكلات القائمة للتمهيد لبلورة حل بديل ووجود هدف من هذا النوع سيجعل من الصعب تصور إمكان تحديد أفق واضح لتنفيذ خطة التسوية بعد لقاء أو لقائين. وقد تعود القضية إلى نقطة الصفر، التي عاشتها في سنوات ١٩٩٤م-1995-١٩٩٦م، وهو افتراض وارد في الأفق البعيد، رغم صعوبة الجزم به في الظرف الراهن ويرجح هذا الاقتراض في ظل التصلب الجزائري الرافض لأي تسوية خارج خطة الاستفتاء خصوصًا أن الرهان الغربي يقوم على الاستفادة من تسوية قضية الصحراء هذه لإدماج المنطقة المغربية ضمن مشروع شراكة استراتيجية اقتصادية عسكرية ثقافية، تضم الولايات المتحدة والدول المغاربية.

تأثير العلاقات المغربية الجزائرية:

في الزيارة الأخيرة للعاهل المغربي إلى الولايات المتحدة قال لمجلة التايم (٦/١٩ ٢٠٠٠م). إن مشكلة الصحراء هي مع الجزائر، وليست مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية فهذه صنيعة الجزائر، ومن ناحية أخرى اعتبر أن اتخاذ قرار يخص اعتماد بديل عن خطة الاستفتاء لا يعود إليه وحده، فهناك أحزاب سياسية وكذلك الشعب المغربي، ليؤكد في النهاية أن على المجتمع الدولي أن يفهم أن هذه القضية حيوية بالنسبة للمغرب. كما عقدت جلسة خاصة للتباحث حول القضية، تسرب منها أن الولايات المتحدة ترفض أي عمل ينتج عنه إسقاط السيادة المغربية على الصحراء.

 وقد كان رد الرئيس الجزائري بوتفليقة على هذه المواقف ردًا حادًا، إذ صرح بأن الجزائر في تعاملها مع قضية الصحراء ترتكز على مبدأ تقرير المصير، وتلتزم بالدفاع عنه، وأضاف أنه قال هذا الموقف صراحة للملك محمد السادس.

تبعًا لذلك فإن أي تحليل لمستقبل النزاع عليه لن يتوقف على الخلفيات الموجهة للعلاقات المغربية- الجزائرية، هذه الخلفيات التي ترصدها في ثلاثة مستويات:[3]

1 - المستوى التاريخي، ويعود إلى اختلاف التطور التاريخي للبلدين، فالمغرب ذو رصيد تاريخي كبير في الاستقلال السياسي والهوية الواحدة وكان نقطة تجمع للتاريخ العربي الإسلامي في شمال إفريقيا على خلاف الجزائر التي ربما تكون معرضة للذوبان في وحدة المغرب العربي.

٢ - المستوى السياسي، ويقوم على التمايز الحاصل في النظامين السياسيين، نظام ملكي في المغرب ونظام جمهوري بأوليجاركية عسكرية في الجزائر وما استتبع ذلك من تنامي خوف مغربي من تعدد جزائري للهيمنة على المغرب.

3- الخلاف الحدودي والذي تدافع فيه الجزائر عن حدودها كما تركها الاستعمار الفرنسي في مقابل المغرب الذي يطالب بحدوده كما كانت قبل مجيء هذا الاستعمار والتي تمثل معاهدة «لالة مغنية» (18/3/1845) إطارًا مرجعيًا لها. وقد نجم عن هذا الخلاف الحدودي مواجهات عسكرية بين البلدين «حرب الرمال في أكتوبر ١٩٦٣م».

هذه المستويات الثلاثة أنتجت خوفًا جزائريًا من محاصرة مغربية من جهة وخوفًا مغربيًا من طموح جزائري من جهة أخرى وبين هذين التخوفين تأتي مشكلة الصحراء.

بعد حرب الرمال مباشرة اندلعت الحرب الإعلامية الأيديولوجية بين البلدين، واستمرت طيلة العقود التالية، فقد اعتبر العاهل المغربي أن طبيعة النظام الذي اختاره المغرب هي التي تقلق الجزائر واعتبرت الجزائر أن الاشتراكية هي التي تقلق المغرب،[4] وقال الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين يوم ٢٤/٢/١٩٧٦م «إن الجزائر لم ترَ في استرجاع المغرب لصحرائه إلا تهديدًا لوحدة الجزائر ووسيلة لتطويقها ومقدمة لإجهاض ثورتها» من هنا قررت الجزائر رفض اتفاقية مدريد وخوض حرب استنزاف سياسية وعسكرية طويلة الأمد.

وفعلًا حصلت أول مواجهة عسكرية في امغالا يوم ٢٦/١/١٩٧٦م استمرت ثلاثة أيام، وأعلن خلالها المغاربة أنهم أسروا حوالي ۱۰۰ جندي جزائري وقد انتهى التوتر العسكري على إثر وساطة مصرية، وتحرك عدد من الدول العربية لتطويق الأزمة.

وفي ٧ مارس ١٩٧٦ تم قطع العلاقات الدبلوماسية التي لم تعد إلا سنة ١٩٨٨م. وقد تعمق الخلاف بعد تحرك الجزائر لتأمين اعتراف عدد معتبر من الدول بالجمهورية الصحراوية وصل عددها إلى ما يزيد على سبعين، مما كلف الدبلوماسية المغربية جهدًا هائلًا أثمر في العقدين السابقين عن تراجع عشرين دولة كان آخرها الهند في ٢٢ يونيو الماضي. في السياق نفسه قامت الجزائر برفع قوة الضغط على موريتانيا وهو ما ما أفضى إلى حصول انقلاب عسكري في يوليو ۱۹۷۸م أدى إلى تكون نظام موريتاني جديد موال للجزائر أعلن انسحابه من الصحراء وتسليم منطقة وادي الذهب- التي كانت من نصيب موريتانيا حسب اتفاقية مدريد - إلى البوليساريو عبر اتفاق 5/8/1979م، لقد أدى انهيار موريتانيا وانسحابها من اتفاقية مدريد إلى فقدان المغرب لحليف كانت له أهميته المركزية رغم ضعفه، وهو ما ساعد الجزائر على رفع ضغطها الدبلوماسي، فغير عدد من الدول الإفريقية موقفه مباشرة بعد انسحاب موريتانيا من النزاع.[5] كما أن الجزائر أصبحت متصلبة إزاء أي حل سياسي، وقد ووجه ذلك بتحرك عسكري للمغرب نجح في استرجاع إقليم وادي الذهب ميدانيًا وتنظيم حملة لممثلي السكان لمبايعة العاهل المغربي في 14/8/1987م.

 انطلاقًا من هذه الجذور التاريخية نفهم ما صرح به أويحيى وزير العدل الجزائري ورئيس وفدها إلى لقاء لندن حيث قال: إن الجزائر ليست لديها أي أطماع حدودية، إلا أن الموقف الصريح للجزائر هو ما برز في تصريحات بوتفليقة بكل من باريس (16/6/2000م)، وفي تونس أمام مجلس النواب (30/6/2000)، حيث أعلن أن الجزائر ملتزمة بالنضال من أجل تقرير المصير للصحراء الغربية كما قارنها بتيمور الشرقية وفلسطين.

وانعكس هذا التصلب الجزائري على المذكرة التي رفعتها البوليساريو إلى بيكر يوم 28/6/2000م، حيث اعتبرت أن الجبهة ترفض أي حل آخر غير مخطط التسوية الحالي، رغم أنه منذ حوالي شهرين عبرت جهات عليا في البوليساريو عن إمكان التباحث بشأن حل آخر يؤدي إلى حل دائم وعادل. 

والخلاصة أن الوضعية المتوترة في العلاقات المغربية - الجزائرية تؤثر سلبًا وبشكل قوي على جهود البحث عن بديل لخطة الاستفتاء الحالية بحيث إن استمرارية التوتر المغربي الجزائري ستؤدي إلى إطالة أمد التفاوض على الحل السياسي، اللهم إلا إذا حصل تدخل دولي قوي شبيه بما قام به كيسنجر في مارس ١٩٧٤م عندما قام بتحرك سريع أثمر توقيع اتفاق مدريد الثلاثي وساعد المغرب على استرجاع الصحراء.

الهوامش:

[1] الشامي على الصحراء المغربية، عقدة التجزئية في المغرب العربي، ص ٣٣٤ - ٣٣٥ دار الكلمة ١٩٨٠م.

[2] الشامي مرجع سابق.

[3] الشامي، مرجع سابق.

[4] الأعرج عبد القادر السياسة المغاربية في المحيط المغاربي (٥٦ - ١٩٩٤) رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا، ص ٦٧ كلية الحقوق– الرباط.

[5]  عبد القادر الأعرج، مرجع سابق ص ٨٥.

الرابط المختصر :