; نحو إمبراطورية عثمانية جديدة | مجلة المجتمع

العنوان نحو إمبراطورية عثمانية جديدة

الكاتب ابتهال قدور

تاريخ النشر الأحد 05-أبريل-1992

مشاهدات 88

نشر في العدد 996

نشر في الصفحة 32

الأحد 05-أبريل-1992

·       مواجهةً لإيران.. أصبحت تركيا أداة دعم للجمهوريات فيما كان يسمى بـ«الاتحاد السوفيتي»

تعتبر تركيا أول دولة اعترفت باستقلال الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى. وكانت زيارة الرئيس التركي تورغوت أوزال قد صنفت مع أوائل الزيارات التي تم القيام بها إلى تلك المنطقة في بدايات شهر مارس 1991؛ حيث زار أذربيجان وكازاخستان، ومنذ ذلك الوقت أصبحت تركيا تمثل «المحاور الموهوب» للجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى.

تدل هذه المؤشرات على أن تركيا قد بدأت تصحو بعد استيائها الشديد من عدم إشراك الدول الأوروبية لها في السوق الأوروبية المشتركة، ومع تجاهل الولايات المتحدة الأمريكية لها باستمرار.

وتركيا وهي تتجه بخططها إلى الجمهوريات الإسلامية تعلم بأنها تحمل الكثير من مؤهلات النجاح، إلا أن أهمها يتمثل في كون جميع جمهوريات الجنوب ما عدا طاجيكستان تعتبر ناطقة باللغة التركية؛ إذ إن نسبة الناطقين بالتركية ليس أقل من ربع سكان ما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي أو 95٪ من المسلمين، على الرغم من أن اللغة الروسية كانت اللغة الرسمية لتلك البلاد.

وقد كان لهذه الخاصية اللغوية المشتركة بين شعوب المنطقة الأثر الأكبر في جذب حكام القوقاز إلى أنقرة، فمنذ عام تتوالى عليها زيارات حكام كل من أذربيجان وتركمانستان وجيورجيا، وقد سجل شهر نوفمبر الماضي ثالث زيارة لرئيس كازاخستان نور سلطان نازارباييف. نفس الشيء بالنسبة لرئيس أوزبكستان إسلام كاريموف ورئيس أذربيجان أياز مطاليبوف الذي لم يمض أكثر من 15 يومًا على استقالته.

ومع أن الشهر الماضي «فبراير 92» قد شهد مفاوضات شاملة، فسيعاود حكام هذه الجمهوريات الـ6 الالتقاء حول نفس طاولة المفاوضات خلال أسبوعين، ولكن الجديد هذه المرة هو انضمام ممثلي الأقليات الأخرى من الشيشان والأنجوش، وكالموك والتاتار، وكوميس وأيضًا الأرمن.

أما بخصوص برنامج هذه القمة الناطقة بالتركية فستشمل بحث عدة مواضيع أهمها:

  • توحيد العملة والقدرات وأحرف الهجاء؛ فقد تخلت أذربيجان عن الأحرف الإغريقية مقابل الأحرف اللاتينية المستخدمة حاليًا في تركيا، وتقوم «أنقرة» بترتيب جدول الأولويات في التنفيذ حيث كانت أول خطوة:

  •  1- تأمين المواصلات:

  • فقد تم فعلًا افتتاح خط جوي يصل بين إسطنبول - باكو، وتأمل الشركة الوطنية التركية في تمديدها خلال هذا الصيف لتصل إلى إسكابات ثم بعد ذلك ألما- أتا.

  •  2- الاتصالات الهاتفية:

  • وتصنف هذه الخطوة الثانية على جدول الأولويات التنفيذي، وتهدف إلى تسهيل عملية الاحتكاك، وحلّت الحكومة التركية النظام الهاتفي في أذربيجان بالنظام التركي، ومنذ بداية شهر مارس تم تشغيل 60 محطة هاتفية في باكو سيليها محطتان في تركمانستان.

  •  3- خطة التكوين العلمي:

  • ستبدأ هذه الخطة بالتنفيذ مع مطلع العام الدراسي الجديد، حيث سيتمكن 6000 طالب من طلاب الجمهوريات الـ6 من الحصول على منح للدراسات التركية، كما سيستقبل كل معهد وثانوية مدرسًا تركيًا. هذا وسيتم عرض مئات الدورات التدريبية في الشركات التركية، بل حتى في «بورصة إسطنبول» وضمن نشاطات الخطة نفسها تمكن الأذربيجانيون من مطالعة الجريدة التركية اليومية حريات، والتي توزع هناك منذ عدة شهور.

يضاف إلى كل ما سبق القمر الصناعي «تركسات» الذي سيطلق في 28 ديسمبر من العام 1993 والذي سيغطي بالصور أوروبا وتركيا وآسيا الوسطى.

أما عن نتائج هذا التوسع الثقافي التركي في المنطقة يلاحظ تزايد قلق إيران، فبينما يحاول النظام الإيراني تصدير نموذج جمهوريته الإسلامية إلى مناطق السنة، ترفض هذه المناطق - المتمثلة في الجمهوريات الإسلامية- تقبل الأحرف العربية التي ستفرضها إيران.

ويأتي هذا الرفض على الرغم من إرسال العديد من الأئمة، وتقديم الكثير من الهبات بوجه خاص للمناطق الدينية في أذربيجان.. هذا الوضع من الأسباب التي تجعل إيران غير راغبة في وقف التسلح.

تستعد تركيا حاليًا لاستقبال قمة «منظمة التعاون الاقتصادي» التي ستبادر من خلالها بطرح فكرة «سوق إسلامية مشتركة»، ولأول مرة ستستضيف القمة «الجمهوريات الإسلامية».

حيال كل هذا يرى السفير التركي في باريس ثانسوج بليدا أن «إيران تتحمل عبئًا إضافيًا»، ويضيف شيئًا واحدًا أكيدًا: «ما تنتظره هذه الجمهوريات هو الخبز، وليس معجزة السماء».

بينما تسير تركيا في خطة بدون أية مخاوف نستطيع تلخيص الفكرة الرئيسية لسياستها في المنطقة «فقط خلق نوع من الترابط الاقتصادي بين المناطق الـ3 المحيطة بتركيا» وهي: «البلقان» «القوقاز» «الشرق الأوسط» فقط بخلق نوع من الترابط الاقتصادي ستتمكن دول هذه المنطقة من أن تنعم بحياة سياسية مستقرة، حسب ما جاء في تصريحات الدبلوماسي التركي الذي يواصل: «هناك 3 بيوت تحترق، وتركيا هي سيارة الإطفاء».

أما الرئيس التركي تورغوت أوزال فيذهب لأبعد من هذا ويقول: «القرن الـ21 سيكون تركيًا».

وكتأكيد لما ذكره الرئيس أوزال يفيد بعض رجال السياسة الذين زاروا أنقرة مؤخرًا بأن «تركيا تستطيع فعلًا القيام بدور أكبر في السنوات القادمة».

وأمام كل هذا تهتم الولايات المتحدة جديًا بالدور الاستراتيجي الذي تلعبه تركيا، وقد بدأت بتهيئة 90 دبلوماسيًا لتزويدهم بمقدرات لغوية وحضارية تركية.

ويأتي طلب الرئيس جورج بوش بمقابلة وزير الخارجية التركي سليمان ديميرال مباشرة بعد زيارة جيمس بيكر للجمهوريات الإسلامية في الأسبوع الماضي.

أما في وزارة الخارجية الفرنسية فالجميع يراقب عن كثب المبادرات التركية، توماس أدوكييه السكرتير المساعد للشؤون الخارجية يؤكد: «نحن نعتقد فعلًا أن تركيا تمثل قوة جديدة في المنطقة وقدرة على الاستقرار والثبات».

وحين أعاد الرئيس غورباتشوف العلاقات مع تركيا عام 1990 كان قد لاحظ كل هذه الأهمية التي تحتلها تركيا، وكان قد رجح كفة تركيا على كفة إيران، وقال: «يجب ألا ننسى أن ثلث الجنود في الجيش الأحمر من المسلمين»، وأضاف: «إذا كانت تركيا الدولة العلمانية ستتحرك فإن هذا يعني أنه من اليوم فصاعدًا سيكون هناك تناوب فعلي بين الدول الإسلامية لتحقيق هدفهم في إقامة دولة إسلامية».

في سبيل ذلك ومنذ 15 يومًا تم تجاوز أول خطوة تمثلت بتوقيع تعاون اقتصادي لبلدان البحر الأسود بمبادرة من النظام التركي؛ حيث أمن إنشاء هذا التعاون إجراءات دخول ميسرة لرجال الأعمال الأتراك، كما تسبب مباشرة في خفض الضرائب الجمركية بنسبة مرتفعة.. أيضًا هناك فكرة تأسيس بنك للتجارة الخارجية والاستثمارات في البحر الأسود تحت الدراسة.

وسيكون اليابانيون والعربية السعودية أول المنتفعين من ذلك؛ فمعظم الشركات الأجنبية المهتمة بالسوق «الجنوبي- السوفيتي» تمر عبر تركيا.

ومن ناحية أخرى فقد خصص مؤتمر رجال الأعمال التركي- الفرنسي 4 صفحات من ملفه لاتفاق البحر الأسود.. فليس غريبًا أن يأتي ترتيب رجال الصناعة الفرنسيين لهذا العام في الدرجة الأولى مقارنة بالمستثمرين الأجانب في تركيا؛ حيث بلغت استثماراتهم 680 مليون دولار. وها هي تركيا اليوم تنتظر الرئيس الفرنسي ميتران في زيارته التي طالما تأجلت.. والتي من المنتظر أن تتم في شهر أبريل القادم.



 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل