; معالم على الطريق: خطاب إلى العقل: الردع الثالث وأزمة العجز العربي | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق: خطاب إلى العقل: الردع الثالث وأزمة العجز العربي

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 10-فبراير-1998

مشاهدات 93

نشر في العدد 1287

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 10-فبراير-1998

هل الأزمة التي تعيشها الأمة اليوم في العداوات والاحتراب والخوف والتشتت والتشرذم هي شيء عابر؟، أم أن ذلك وتلك أوجاع الأمراض فكرية وسياسية ونفسية عاشتها الأمة ومازالت وعاصرتها وما برحت تلفها بهول كثيف من الدواهي والفتن والزلازل؟ إن أمة ليس عندها رؤيا للتجمع والوحدة ولا للفهم والفكر، ولا للتعايش والتحاب ولا للتقدم والنهضة، ولا للريادة والمستقبل، ولا للاستقلال والانطلاق والتخلص من التبعية لجدير بها أن تتفتت وتتقاتل وتعيش في عواصف من الخوف وأمواج من الرعب وعدم الاستقرار وتصبح نهباً للاستعمار والاستغلال لعدو بعيد يتجهمها أو قريب يملك أمرها ويسيرها أین أجهزة الأمة المختلفة؟ هل هي موجودة فعلًا؟، وإن كانت موجودة فما عملها وأين نتائجها؟ وأين مؤسسات الأمة من جامعة عربية، ومجالس مختلفة بين دولها ؟ هل تقوم بدورها حقيقة؟ أم انها ظلال لشخوص باهتة لا عمل لها ولا جدوى من ورائها ؟

أين الساسة والمؤسساتالسياسية، لماذا لم تحل مشاكلنا سياسيًا، لماذا لا يعتبر الساسة أن مشاكل الأمة -مهما كانت عويصة- تحد يجب الانتصار عليه لأنه استقرار الأمة واقتصادها ومستقبلها وحريتها وانطلاقاتها، لماذا لم تحل أي مشكلة سياسيًا في الأمة إلى الآن؟ هل لفت هذا أنظار المحللين والمراقبين، وحتى المشاكل الصغيرة في وسط كل شعب والتي يمكن أن تحل سياسيًا، لم تنعم بذلك أو تتوصل إليه، لأن السياسة عندنا هي نوع من العنتريات والساسة قد انقلبوا إلى جنرالات ومدفعيات مضادة للأجواء السلمية، وقد لا أكون مبالغًا إذا قلت إن السياسة العربية قد جذرت كثيرًا من المشاكل وجعلتها غير قابلة للحل وزرعت عديدًا من العداوات، واستبدلت الأعداء بالأصدقاء، ولم تجد من يقول لها الطريق ليس من هنا.

أين الجامعة العربية؟ أيعجز الساسة حتى أن ينفخوا الروح في جامعتهم العربية، ويفعلوها سياسيًا، أبذل مجهود فعلي في ذلك؟ وأين دور أمينها العام في جمع الشمل وحل المشاكل، لماذا لم يسمع عنه شيئاً من ذلك ولم لا ينتقل بين العواصم المختلفة ويستعين بمن يشاء لحل المشاكل بين أفراد جامعته، لماذا لا يكون للجامعة محكمة لفض المنازعات، ولماذا لا يكون لها تجمع عسكري رادع ولماذا يظل ميثاقها أعرج يسير على رجل من الشجر، ولماذا ولماذا... إلخ، أفلا يدل هذا على عجز فاضح حتى في ألف باء السياسة، وإذا عجز الساسة أو تاهوا عن الطريق، فأين أصحاب الفكر في الأمة؟ أين الكتاب والمفكرون وأصحاب الرأي والمكانة في المجتمعات، لم لم يحركوا النقابات والاتحادات والإعلام، والرأي العام ليقوم بدوره، لم لم يؤلفوا الوفود ويذهبوا هنا وهناك لتقريب وجهات النظر وتهيئة الأجواء المبادرات وجولات تفاهميه بين الأنظمة لحل المشاكل؟

أين علماء الأمة؟ أين الأزهر؟ والزيتونة ومنظمة العالم الإسلامي وغيرهم؟ هل قاموا بالدور المطلوب منهم؟ هل تحركوا وتفاعلوا مع مشاكل الأمة، ووقفوا صفاً واحداً ليس ضد أحد، بل مع الأمة ومشروعها الحضاري؟

 أين الجمعيات الإسلامية والوطنية، والأحزاب السياسية في الأمة لماذا لم يتحرك زعماؤها وقادتها ؟ لماذا لم يقوموا بالدور المطلوب، ويحذروا من الأخطار المترتبة على التشرذم والتقاطع والتحارب والعداوات والمؤامرات التي تحاك هنا وهناك وبذر القلاقل في الأمة التي يستفيد منها أعداؤها ويسخرونها في مصلحتهم، وتكون نارًا وهلاكًا على الأمة أفرادًا وشعوبًا، ومقدرات وأموالًا، لم يقم المفكرون والعلماء بأي دور في هذا الشأن، بل لم يحاولوا مجرد محاولة، وأغلب الظن أنهم لم يفكروا حتى في هذا الأمر، وهذا شيء يجب رصده في الأمة وإلقاء الضوء على أسبابه وإزاحة الستائر عن عوائقه ومعرفة تداعياته خاصة إذا تحول كثير من المفكرين إلى موظفين صفًا في بلاط سلطات منحرفة ومعينين كعسكر في حرس تلك السلطات، ثم تتخندق وتنصهر في قوالب بوليسية تحرص على الآخرين وتهيج الناس ضدهم فرحة وسعيدة، وهي بهذا مخطئة حقًا، وضالة عن الطريق ولاشك، بل قد تدفع دفعًا للانشغال بقضايا وهمية لمحاربة تطرف مزعوم أو إرهاب مصطنع لتزيد من معاناة الأمة وحيرتها وإشعال فتائل الفتن في جنباتها صرفًا لها عن مشاكلها الحقيقية التي توشك أن تعصف بالأمة حاضرها ومستقبلها.

ما أظن أن أحدًا من الساسة أو المفكرين أو العلماء بعيدًا عن اللوم أو المؤاخذة في بلوغ ما وصلت إليه أحوال هذه الأمة من مشاكل قد تجذرت وتفاقمت وهددت الأمة وشرذمتها، وأدخلتها في أنفاق مظلمة من التبعيات والمحالفات التي أخرجتها ولا يعلم إلا الله ماذا سيكون من أمرنا وأمرها.

قد تكون الحلول صعبة وأليمة على النفس، ولكنها هي المخرج، وقد لا تحقق كل المطالب ولكنها هي الحل الأمثل، وقد تواجه باعتراضات كثير من المتحمسين أو الغيورين ولكنها هي الحنكة والكياسة، وقد يقول باحث أو مفكر وماذا سيفعل المثقفون والمفكرون والساسة أمام هذه الدكتاتوريات المتسلطة والعقول الدموية والأنظمة البوليسية؟ أقول: لولا هؤلاء لما كانت هناك مشكلة وما كان هناك ضياع أو تشتت ولكنهم أصبحوا قدرنا، ووجدوا أمام امتنا، وصاروا هم التحدي الحقيقي لنا ولمستقبلنا وأمننا وراحتنا فيجب أن تقوم الأمة بمواجهة هذا التحدي، ومجابهة هذه الظروف والأقدار.

إن الوحوش قد تروض في أمم كثيرة وتدرب وتطوع في ميادين مختلفة، هذا شيء صعب ومهمة شاقة ولاشك، ولكن فقدان المحاولة تدل على العجز وعلى التضعضع أمام التحدي، وأمام مواجهة الصعاب، وهذا خلل في حد ذاته، إن الأمة إذا تركت على هذا الحال تطورت الأمور تطورًا خطيرًا ويخشى أن تؤدي الأمور إلى أن نصبح نحن بؤر القلاقل في العالم أجمع وأن تضيع قضايانا ونصير نحن قضية، إن الحوادث الأخيرة التي تمر بها المنطقة الآن تدل على واحد من أمرين، إما أننا لانفهم شيئًا في أمور السياسة أو فهم ما يدور حولنا، أو أننا قد أصبحنا ألعوبة فاقدة العقل والإرادة في أيدي خبيثة، تحيك لنا المصائب تلو المصائب، وتحركنا كدمى على مسرح الأحداث لتنال أغراضها وتحقق أهدافها بدمائنا ومعاناة شعوبنا المسكينة التي ابتليت بالكثير بغير ذنب ولا جريرة إلا بسيرها وراء بعض القيادات المغامرة الجاهلة، وهل آن لنا أن نكون أمة مفكرة عاملة بعقل وروية وإخلاص؟ نسأل الله ذلك.

الرابط المختصر :