العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1506)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 22-يونيو-2002
مشاهدات 69
نشر في العدد 1506
نشر في الصفحة 50
السبت 22-يونيو-2002
الأديب الشاعر د. مأمون فريز جرار
لم أحس بشرف كبير أن أكون شاعرًا محترفًا
حوار محمد شلال الحناحنة
د. مأمون فريز جرار أديب وشاعر وأكاديمي وهو يرأس المكتب الإقليمي في الأردن الرابطة الأدب الإسلامي منذ ست سنوات، كتب الشعر منذ الصغر ونشر عددًا من الكتب التقته المجتمع في عمان وكان الحوار التالي:
يقال: إن مأمون جرار شاعر كبير لو أخلص للقصيدة، لكنه اهتم بالدراسة الأدبية والتاريخية على حساب الشعر، ما ردك؟
بدأت تجربتي الشعرية منذ وقت مبكر من العمر، وأذكر أن البدايات الشعرية بدأت تطل برأسها في بدايات العقد الثاني من عمري في الحادية عشرة أو الثانية عشرة، واستقامت بعد سنتين تقريبًا، وبدأت بنشر شعري في جريدة «المنار» المقدسية ثم في المجتمع فالشهاب اللبنانيتين، ونشرت بعض القصائد في مجلة «الأديب» اللبنانية وأصدرت مجموعتي الأولى أو قصائد من المجموعة الأولى سنة ١٩٦٩م وكان عمري يومها عشرين سنة، صدرت تحت عنوان «القدس تصرخ» وهي قصائد مأخوذة من ديوان لم يقيض له النشر، ثم أصدرت بعد ذلك مجموعتين شعريتين قصائد للفجر الآتي (۱۹۸۱م) ومشاهد من عالم القهر (۱۹۸۳م) وشغلت بعد عام ۱۹۸۲م برسالة الدكتوراه ولعلي كنت أخنق بعض التجارب الشعرية لأن الشعر يحتاج إلى وقت لتكون التجربة وولادة القصيدة ثم شغلت بعد ذلك بتأليف عدد من الكتب والدراسات هذا ملخص المسيرة الشعرية حتى أوائل التسعينيات.
وقد تنبأ بعض الدراسين -على قلتهم- بمستقبل شعري لي أفضل مما هو واقع، وقد أوافقك القول الذي ورد في سؤالك، ولكنني أحس بشيء من الظلم والعتب، لأن تجربتي الشعرية لم تدرس ولم تجد من النقاد اهتمامًا كبيرًا وما تزال كلمة بهذا المعنى تتردد لدي وردت في مقال للسيدة وفيقة والي العجلوني تحدثت فيه عن ديواني «مشاهد من عالم القهر» نشر في جريدة الرأي الأردنية.
أعترف أنني شاعر غير محترف، كتبت الشعر الذي غالبني واستفزني ولم أستطع مقاومة له ولست شاعرًا ناظمًا بل أنا شاعر مطبوع والشعر عندي بعض شخصيتي، ولا أستطيع أن أجعله العنوان الأول في هويتي بل لعلي أكشف لك موقفًا كنت أجده في أعماقي، هو أنني لم أكن أحس بشرف كبير أن أكون شاعرًا محترفًا، لأن الشعراء المحترفين في تاريخنا الأدبي كان أكثرهم تبعًا للساسة كانوا مداحين نواحين ولم يكن أكثرهم من أصحاب المواقف التي تنبع من العقيدة السليمة والمنهج القويم، وكثير من الشعراء في العصر الحديث من المتمردين الذين يريدون أن يحتلوا موقع «النبوة» بما يقولون من حدس واستشراف، لذا كان قولي للشعر تعبيرًا عن مواقف في حياتي من غير سعي إلى احتراف يتبعه تطوير فني للقصيدة.
برز أخيرًا تيار غربي يلصق الإرهاب بالإسلام في الفكر والثقافة والتراث، ترى ما موقفنا مما يحدث؟
ما برز أخيرًا ليس أمرًا جديدًا، بل هو امتداد لتاريخ من العداء بدأ منذ نهوض الفاتحين المسلمين الأوائل الذي حملوا رسالة الإسلام إلى الناس، وكانت ثمرات ذلك انهيار دول وانحسار أخرى، وذلك أدى إلى قيام عداوات ووجود ثارات لم تهدأ، أخذت بعض تجلياتها في الحروب الصليبية في المشرق، وفي الأندلس، وظهرت في دراسات المستشرقين، وفي الاستكشافات الجغرافية التي تبعها الاستعمار أو الاستيلاء على أجزاء من أطراف العالم الإسلامي، ثم في الموجة الاستعمارية في القرنين التاسع عشر والعشرين ورغم ما يقال عن استقلال البلاد العربية والإسلامية فالهيمنة الاستعمارية قائمة تأخذ أشكالًا متعددة منها التقسيم السياسي والتبعية السياسية، والهيمنة الاقتصادية والاختراق الفكري، والتوجيه التربوي والإعلامي، مما أخذ حديثًا مصطلح «العولمة» ليكون شكلًا جديدًا من أشكال الهيمنة والسيطرة من غير وجود جيوش أو احتلال مباشر، ويتلون العداء ويتشكل بشكل جديد كلما أخذ الجسم الإسلامي يكون المضادات الحيوية لفيروس الهيمنة، وها هي الحرب الجديدة أخذت الشكل القديم للاستعمار ولكن تحت راية الأمم المتحدة - تطل برأسها مع بداية القرن الجديد متذرعة بذرائع مختلفة والموقف المطلوب من هذا كله هو التمسك بالإسلام والمقاومة بكل أشكالها المتاحة والسعي إلى أن تعود الوحدة إلى الأجزاء الممزقة من هذا العالم الإسلامي وليتم الاستقلال السياسي، والاستقلال الاقتصادي وقد يكون هذا المطلوب حلمًا بعيد المنال ولكن لكل دورة من دورات التاريخ متطلباتها وخصوصياتها، ولابد من إدراك المعلنة هذه الخصوصيات والمتطلبات والتوافق معها في أساليب السعي إلى إثبات الوجود، والامتداد في الزمن القادم.
قيل إن اهتمام رابطة الأدب الإسلامي العالمية بالأديبة المسلمة لم يزل في بداياته مقارنة بالأديب المسلم ما تعليقك على ذلك؟
لا أرى لهذه الملاحظة حقيقة في الواقع فالاهتمام بالأديبة المسلمة قائم، والباب مفتوح أمام الأديبات للانتساب إلى رابطة الأدب الإسلامي من غير قيود خاصة عليهن، فهن والأدباء في ذلك سواء، وهناك لجنة خاصة بالأديبات الإسلاميات في الرابطة برئاسة الأديبة سهيلة زين العابدين حماد، وفي كل مكتب إقليمي لجنة خاصة بالأديبات، وقد عقدت الرابطة ملتقى دوليًا للأديبات الإسلاميات في القاهرة عام ۱۹۹۹م، وأقامت الرابطة مسابقة أدبية خاصة بالأديبات الإسلاميات في الشعر والقصة ولهن مشاركة في المسابقات العامة للرابطة ومنهن فائزات فيها، وفي الحقيقة العبء في هذا الجانب يلقى على الأديبات أنفسهن، فالمطلوب منهن القيام بواجبهن الأدبي: حضورًا في الساحة الأدبية، ومشاركة في أنشطة الرابطة، ونشر إنتاجهن الأدبي، وأنا أقدر أعباء الأخوات الأديبات، وبخاصة ربات البيوت والعاملات في الوظائف فهن من ذوات الأعباء المضاعفة، ولكنها مسؤولية وأمانة لابد من القيام بحقوقها.
من هنا دعنا نستعرض بعض نشاطات المكتب الإقليمي للرابطة في الأردن كونك رئيسًا له منذ سنوات.
لقد تشرفت برئاسة المكتب الإقليمي في الأردن منذ ست سنوات ووجدت التعاون والمؤازرة من الإخوة والأخوات أعضاء الرابطة وأستطيع الزعم بأن مكتب الأردن أنشط المؤسسات الثقافية في إقامة اللقاءات الأدبية من لقاء شعري أو قراءة قصصية أو محاضرة فنشاطنا أسبوعي لا ينقطع إلا في شهر رمضان حيث يكون نشاطًا واحدًا، وفي الظروف القاهرة والمكتب الأردن مشاركة في بعض الأنشطة المحلية ونسعى إلى مد جسور التعاون مع المؤسسات الثقافية الأخرى، وقد أقمنا منذ سنوات موسمًا ثقافيًا، وأتمنى أن يكون ذلك تقليدًا سنويًا، حيث يكون للموسم موضوع محدد، ويشارك فيه باحثون وأدباء في مختلف محاوره.
وقد استطاع المكتب استقطاب عدد كبير من الأدباء الذين توافرت فيهم شروط العضوية، ونسبة الملتزمين بواجبات العضوية عالية ولله الحمد.
وقد نال عدد من أعضاء المكتب من الأدباء والأديبات عددًا من الجوائز والمراكز المتقدمة في مسابقات رابطة الأدب الإسلامي وفي مسابقات مؤسسة البابطين للإبداع الشعري وغيرها.
وما نطمح إليه أكبر مما تحقق.
يشكو بعض الأنباء الإسلاميين، من تهميش واضح من بعض الملاحق الثقافية المحلية والعربية حتى الإسلامية ما أسباب ذلك في رأيك؟ وما الحل الذي تقترحه؟
ما ذكرته صحيح في مجمله، ولعل من أسبابه سيطرة كثير من العلمانيين أو الحداثيين على تلك الملاحق، ولدى كثير منهم حساسية من بعض الأسماء، أو من النصوص التي يشتم منها رائحة الأدب الإسلامي، وهناك سبب آخر هو ضيق نفس كثير من الأدباء الإسلاميين الذين إذا لم ينشر لهم نص أعرضوا ولم يكرروا المحاولة، ومنها إحساس بعض الأدباء الإسلاميين إحساسًا زائدًا بالذات يجعلهم يحسون أن على تلك الملاحق أن تلاحقهم!! لا أن يلاحقوها ومنها أن بعض الأدب الإسلامي الذي يرد قد يكون مستواه الفني دون ما هو مطلوب، وما لنا نلوم غيرنا ورأي كثير منا في كثير من أدبنا ليس خيرًا من رأي الذين نلومهم في الملاحق الأدبية؟ وذلك ما يهمس به بعضنا همسًا تجاه الآخرين، أو يستخدم ذلك الأسلوب الذي سميته «النقد الصامت» والصمت عن النقد هو نقد في كثير من الأحيان! نقد سلبي!! والحل المطلوب هو إقامة جسور مودة وثقة مع الملاحق والمشرفين عليها إدمان قرع أبوابها، والارتقاء بالمستوى الفني لأدبنا وإيجاد المنابر الخاصة بنا التي لا يقل مستواها عن المنابر الإعلامية الأخرى.
منذ مدة لم نقرأ لك إصدارات جديدة، لم هذا الغياب؟ وهل هناك من جديد قريب قادم في الشعر أو النثر؟
لم أنقطع عن الكتابة في الصحف والمجلات في السنوات الأخيرة ولكن آخر إصدار لي كان سنة ١٩٩٥م كتاب «صور من حياة الصالحات» والجديد القادم قريبًا إن شاء الله متعدد، فهناك بحث كنت كتبته منذ مدة تحت عنوان «أحاديث الفتن والفقه المطلوب» سيصدر مطبوعًا إن شاء الله مع شيء من الإضافة، وهناك كتاب سيصدر بعنوان «نداء إلى حكماء الأمة» يعالج واقع الأمة ويقدم تصورًا أرجو أن يجد صدى، وهناك كتاب لم يستقر عنوانه حتى هذه اللحظة ولكن قد يكون تحت عنوان «الأسرة بين البناء والهدم- رؤية إسلامية» وهناك عرض ينشر ما لم ينشر من شعري أرجو أن يصدر تحت عنوان مقترح هو «أشرعة الإيمان» أو قريبًا من ذلك.
وهناك بعض الدراسات والمقالات التي أرجو أن أجمعها لتصدر تحت عنوان «دراسات في الأدب الإسلامي» وأسال الله -عز وجل- أن يعينني على تقديم ما ينفع الناس ويمكث في الأرض وأجده في ميزان حسناتي يوم اللقاء.
واحة الشعر
الشهداء
د. حيدر الغدير
إلى الشهيدة السعيدة، الصغيرة الكبيرة، آيات الأخرس ومن قبلها ومن بعدها من أبطال فلسطين، رجالًا ونساء، صغارًا وكبارًا، الذين يصنعون للأمة نصرها القادم بدمائهم الطاهرة.
أنتم الخالدون والأصفياء *** أنتم الباذلون والأوفياء
أنتم المفتدون أرضًا وعرضًا *** والذؤابات باركتها السماء
إن أغلى ما في الحياة شهيد *** بردتاه هما السنا والسناء
والذي يصنع الحياة ويبني *** مجدها باذخًا هم الشهداء
إن صنو الحياة موت وشيك *** وقرين البقاء فيها الفناء
والذي يملك الخلود شـهيد ***جلجلت فيه همة قعساء
أخلصته فكان محض نقاء *** وكذاك المعادن الزهراء
رام خيرًا من الحياة حياة *** ليس فيها مساءة أو عناء
باع لله نفسه وارتضاها *** صفقة مهرها -ويغلو- الدماء
ربح البيع يا شهيد فسافر *** في دروب أفضالها فيحاء
وعليها الآيات تتلى حسانًا *** وعليها جبريل والأنبياء
يصطفي الله للشهادة ناسًا *** طهرتهم جراءة وفداء
حين يدعو النداء يأتون شمسًا *** يستوي الموت عندهم والبقاء
أصبح الموت عشقهم فاتوه *** فارتضاهم أهلة حين جاءوا
وسقاهم كؤوسه مترعات *** وسقوه من الدمـا ما يشاء
المنايا تحلو فتغدو الأماني *** وعليها وسامة ورضاء
حين ماتوا عاشوا وصاروا طيورًا *** سارحات أمداؤهن الفضاء
نقلتهم عن الحياة جراح *** لفراديس هم بها أحياء
إن مجد الشهيد أنى تولى *** سيرة ثرة الشذا حسناء
يتبارى في نسجها كل صقع *** والعدو اللدود والأصدقاء
والصباح الذي يطل وضينا *** والضحى والأصيل والظلماء
إنه باذل الحياة احتسابًا *** وكذاك الأحرار لا الأدعياء
وطريق الدعي قول كذوب *** وانتفاش ومنة وخواء
وطريق الشهيد قول وفعل *** وثبات وقوة ومضاء
ما الذي عنده تدار المنايا *** كالذي عنده يدار الغثاء
حكمة قالها لنا المتنبي *** إذ تلاقي قريضه والذكاء
حين يسقي دم الشهيد تراه *** وذويه تخضوضر الأشياء
وتصير الدماء ماء فراتًا *** حيث يسري وتورق الأشلاء
تنقل الريح والشموس شذاه *** والأماسي الطوال والعلياء
والملايين وهي تهفو إليه *** وقلوب مكلومة وظماء
كلهم رامق إليـه وران *** وإليه رغابهم والرجاء
أدن منا، قالوا هلم إلينا *** فارسًا في يديه يعلو اللواء
فإذا بالشهيد ينهض فيهم *** ودماه كتيبة صماء
الجراح التي عليه هتاف *** والهتاف الذي لديه دعاء
والدعاء الذي لديه براق *** والبراق الذي له إسراء
وله من فم الزمان ثناء *** سطرته قصيدة عصماء
ومن الشعر صارم ليس ينبو *** ومن الصارم الأبي حداء
يصنع الظالمون من كل شلو *** لشهيد صرحًا عليه البهاء
فيبيدون لا بكاء عليهم *** بل عليهم لعائن حـمراء
وهو يبقى على المدى وهو يرقى *** إنهم أحسنوا له إذ أساءوا
إنه المرء نال أسـمى مناه *** وهمو الخاسرون والأشقياء
ومن القتل قد تكون حياة *** ومن الهدم قد يكون بناء
يا لنعمى الشهيد تنهل غدقًا *** تتولى كأنها الأنواء
طعنة فابتسامة فممات *** فحياة فموعد فلقاء
في جنان تهديه طيب جناها *** ساكنوها الأبرار والأتقياء
لا نراها لكنه قد رآها *** دانيات إذ زال عنه الغطاء
حينما تطبق الدياجي وتقسو *** في حمانا وتعبث الأعداء
يوقد الله مشعلًا من شهيد *** فإذا من دمائه الأضواء
يا دماء الشهيد طال دجانا *** أوقـدينا مشاعلًا يا دماء