العنوان تحالف المهزومين ضد الرفاه الإسلامي المنتصر
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يناير-1996
مشاهدات 55
نشر في العدد 1182
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 02-يناير-1996
الخيار الإسلامي ينتصر في تركيا
التيار الإسلامي فاز بـ ٢٣٦ نائبًا. للرفاه ١٥٨ منها ومقاعد اليسار العلماني ١٣٥ فقط.
الأحزاب المهزومة تعمل على تشكيل حكومة لقطع الطريق. الرفاه.. وأربكان في انتظار تكليف الرئيس
إسطنبول:
أجهزة الأعلام التركية والغربية تخلط الأوراق لتحويل المهزوم إلى منتصر
أربكان يعلن استعداده لتشكيل الحكومة المقبلة.. ويدعو الأحزاب الأخرى إلى المشاركة
سواء نجح حزب الرفاه الإسلامي بزعامة نجم الدين أربكان في تشكيل الحكومة التركية الجديدة، التي ستكون ائتلافية بسبب عدم توافر ٢٧٦ مقعدًا لديه أو لم ينجح، خاصة وأن الأحزاب المهزومة شكلت جبهة فيما بينها لعرقلته، فإن نتائج الانتخابات البرلمانية المبكرة، التي أجريت يوم ٢٤ ديسمبر الماضي في تركيا، تشير إلى حقيقة ساطعة هي تنامي شعبية التيار الإسلامي في ظل الأجواء الديمقراطية رغم محاولات المسخ غير الديمقراطية التي تقوم بها مؤسسات الإعلام العلماني.
والمستفيد الوحيد من خلط الأوراق وإظهار المهزوم فائزًا مثلما تحاول أجهزة الإعلام التركية، وكذلك الواشنطن بوست الأمريكية على سبيل المثال، والتي ادعت أن %٨٠ من الناخبين الأتراك صوتوا للعلمانية، وأن تلك النسبة لم تدعم سياسة الرفاه المعادية للغرب، هو حزب الرفاه؛ لأنه طالما جاء التشخيص خاطئًا، فإن العلاج سيكون كذلك، مما سيساهم في حالة التدهور الصحي لجثة العلمانية التركية، ولن تفيدها بعد ذلك أي أدوية طالما أنها تعيش في غرفة العناية المركزة بتأثير ماكينات الإعلام.
وحتى يمكن إدراك تنامي التيار الإسلامي في تركيا سنعرض الصورة متكاملة، ومن خلال الأرقام وكافة التفاصيل سيمكن رؤية الصورة كاملة، وبشكل واضح ومعرفة كل الحقيقة، فالانتخابات الأخيرة أسفرت عما يلي: حصل حزب الرفاه على المركز الأول بـ١٥٨ مقعدًا، يليه الطريق القويم ١٣٥ مقعدًا، ثم الوطن الأم ١٢٤ مقعدًا، واليسار الديمقراطي ٧٥ مقعدًا، والشعب الجمهوري ٥٠ مقعدًا، والوحدة الكبير 8 مقاعد كان قد تحالف مع الوطن الأم لتخطي نسبة الـ ١٠. لذلك فإن المعلن رسميًا حصول الوطن الأم على ۱۳۲ مقعدًا.
قراءة الأصوات
ووفقا لعدد ونسبة الأصوات كان الترتيب كما يلي
- الرفاه حصل على 5 مليون و۹۷۰ ألف و٦٠٣ أصوات بنسبة 21.32%.
- الوطن الأم وحصل على 5 مليون و٥٠٠ ألف و٥٩٠ صوتًا بنسبة 19.66%.
- الطريق القويم وحصل على 5 مليون و٣٦٨ ألف و٩٩٤ صوتًا، أي بنسبة ١٩,٢٠%.
- اليسار الديمقراطي حصل على 4 مليون و١٠٣ ألف و٢٩٥صوتًا، أي بنسبة ١٤,٦٥%.
- الشعب الجمهوري حصل على 3 مليون و۱۱ ألف و۱۳۰ صوتا، أي بنسبة ١٠,٧٥%.
أما الأحزاب التي لم تتخط نسبة الـ ١٠ كشرط لدخول مجلس الشعب فهي كالتالي.
- الحركة القومية ٢ مليون و۲۸۷ ألف و٧٦٩ صوتًا بنسبة ٨,٢٠ %.
- الحزب الديمقراطي الشعبي كردي مليون و١٦٧ ألف و٦٥٧ صوتًا بنسبة ٤,٢٠%.
- الحركة الديمقراطية الجديدة ١٣٥ ألف و٧٤ صوتًا بنسبة ٠,٤٨%.
- حزب الملة ١٢٦ ألف و۱۳۳ صوتًا بنسبة 0.43%.
- حزب الولادة من جديد ٩٥ ألف و٦٢٨ صوتًا. بنسبة ٠.33%.
- حزب العمال شيوعي، ٦٢ ألف و۳۰۲ صوتًا بنسبة 0.21%.
- الحزب الجديد ٣٨ ألف و۳۷۸ صوتًا بنسبة 0.13%.
الفاقد التصويتي
وبالتالي هناك ٤ مليون و١٥٨ ألف و٩٩٤ صوتًا لم تمثل في البرلمان بسبب عدم تخطي نسبة الـ ١٠/. كما لم يشارك ٥ مليون و١٥٦ ألف في الانتخابات علاوة على وجود ۹۹۸ ألف و٢٦٥ صوتًا باطلًا، أي أن هناك ۱۰ مليون و۲۰۳ ألف و٣٥٣ صوتًا ليس لهم ممثلون في البرلمان التركي وكان يجب أن يحصل حزب الحركة القومية على ٣١ مقعدًا، والديمقراطي الشعبي على ٢٥ مقعدًا، تم توزيعها على الأحزاب الفائزة، إذ حصل الرفاه على ٢٠ مقعدًا من 56 مقعدًا. والطريق القويم حصل على ١٨ مقعدًا، والوطن الأم على ۱۳ مقعدًا، واليسار الديمقراطي على 3 مقاعد، والشعب الجمهوري مقعدين.
المقارنة لصالح الرفاه
وبمقارنة نسبة الأصوات في الانتخابات البرلمانية الأخيرة بانتخابات ٢٠ نوفمبر البرلمانية عام ١٩٩١م سيمكن معرفة حجم تقدم الرفاء والذي كان ١٠٠%، ففي عام ١٩٩١ م حصل حزب الطريق القويم على المركز الأول بنسبة ٢٧%، يليه الوطن الأم ٢٤ %، ثم الحزب الشعبي الاشتراكي، والذي عاد إلى اسمه السابق في الانتخابات الجديدة أي الشعب الجمهوري، وكان متحالفًا آنذاك مع حزب العمل الشعبي وامتداده الجديد الحزب الديمقراطي الشعبي كردي، وحصلا معًا آنذاك. على نسبة ١٦.٩ %ـ، للرفاه منها حوالي ١١ %.
ومن خلال المقارنة يتضح التالي أن حزب الطريق القويم الشريك الأكبر في الحكومة والذي تتزعمه تانسو تشيللر، ورغم رشوة أوروبا لها بالوحدة الجمركية لضمان الأصوات، فإنها فقدت نسبة 7 % من الأصوات، أما حزب المعارضة الرئيسي الوطن الأم والذي حكم تركيا أيضًا فترتين في الثمانينيات فقد ٧,٣٣ % وليس 4.33% إذ إن نسبة أصوات حزب الوحدة الكبير بزعامة محسن يازجي أوغلي من مجمل أصوات الوطن الأم كانت 3%، أما اليسار الديمقراطي بزعامة بولنت أجاويد، فإذا كانت نسبته قد زادت بنسبة 3.8% فإن ذلك يرجع إلى انتقال العشرات من النواب من حزب الشعب الجمهوري إلى اليسار الديمقراطي قبيل الانتخابات خشية عدم حصول الجمهوري على نسبة الـ ١٠%، وهو ما كاد أن يحدث إذ تخطى الشعب الجمهوري حاجز الـ ١٠ بصعوبة بالغة وحصل على 10.4% ، وهو الحزب الذي أسسه كمال أتاتورك وحكم تركيا منفردًا حتى عام ١٩٥٠م.
وبالتالي فإن حزب الرفاه هو الوحيد الذي نجح في مضاعفة نسبته وارتفع من حوالي ١١ إلى ۲۱,۳۲، وهو انتصار لا يمكن إنكاره البتة.
إذ نجح في الحصول على تلك النسب التي فقدتها أحزاب الحكومة والمعارضة معًا، علاوة على أصوات أخرى، مما يؤكد قدرته على إقناع الجماهير ببرنامجه المعروف باسم النظام العادل.
بل إن عملية فرز أصوات الأتراك العاملين في الخارج، والذي تم الإدلاء بها في أبواب الجمارك حصل حزب الرفاه منها على ٣٧ % يتبعه الوطن الأم ١٥%، ثم الطريق القويم ١٤,٩٥%؛ إذ حصل الرفاء على 11 صندوقًا من ۱۸ صندوقًا، مما يعني قدرة الرفاه على التأثير على العاملين بالخارج داخل الأنظمة الغربية نفسها، وهو نجاح لا يمكن إنكاره أيضًا.
كما تم إلغاء ٢٧ ألف و۸۸۹ صوتًا حصل عليها الرفاه، كانت ستزيد عدد نواب الرفاه إلى نائبين إضافيين، وتقدم الحزب بدعوى أمام المحكمة للطعن في قرار الإلغاء.
وللرد على مقولة أن الشعب التركي اختار العلمانية بزعم أن الرفاه لم يحصل على أكثر من ٢١%، فإن الرد على تلك المغالطة بسيط للغاية:
أولًا: لا يمكن وصف حزبي الطريق القويم والوطن الأم بأنهما علمانيان بشكل كامل رغم أنهما ليسا لديهما توجهًا إسلاميًّا في برامجهما. ولكنهما يضمان كتلًا إسلامية معروفة، ومن الفائزين عنهما أسماء إسلامية، بل إنهما في الخطاب الإعلامي الانتخابي ركزا على الجانب الإسلامي أيضًا، فتشيللر كانت تردد أنها مسلمة. وتقوم بتوزيع أغطية الرأس للنساء عليها شارة حزبها، خاصة في القرى والمدن والمناطق المحافظة.
أما مسعود يلماظ- زعيم الوطن الأم - فطالب الأصوات المؤمنة بالتصويت له، علاوة على أنه رشح عناصر إسلامية من أصول حزب الرفاه مثل كوركوت أوزال، ونقشبندية مثل عليّ جوشكن، ونجح محمد كتشجيلر وهو كان من حزب السلامة وامتداده الرفاه الحالي وغيره.
وهناك حوالي ٤٠ نائبًا داخل الوطن الأم من ذوات التوجه الإسلامي؛ سواء كانوا من الطرق الصوفية أو كانوا من حزب السلامة، وقبل ذلك العدد أو أقل حوالي ٣٠ نائبًا في الطريق القويم، فبالتالي هناك ما بين ٥٠ -٧٠ نائبًا داخل حزبي الوطن والطريق ذات توجه إسلامي متواجدين داخلهما وفقًا لرؤى ومصالح خاصة، وهو ما أشار إليه بكير جوشكن في عموده «بحريت» يوم ٢٧ ديسمبر، فقال: إن هناك حوالي٦٠ نائبًا بذهنية الرفاه في حزبي الوطن الأم والطريق القويم، وهذا يعني أن هناك كتلة من أصوات الحزبين إسلامية، وبالتالي فإنه من الخطأ القول بأن أصوات الوطن والطريق علمانية، وإن كان يمكن القول بذلك في حالتي حزبي اليسار الديمقراطي والشعب الجمهوري، كما أن حزب الوحدة الكبير بزعامة محسن پيازجي أوغلي ٨ نواب ونسبته من 3% الأصوات تدخل في حساب الأصوات الإسلامية؛ إذ إن توجهه إسلامي – قومي، وهو أقرب إلى الرفاه من الوطن الأم، إلا أنه تحالف مع الوطن؛ لأن الرفاه أراد الانضمام وليس التحالف، وهو ما أغضب جماعة الدكتور أسعد جوشان النقشبندية، وجعلها ترشح كوركوت أوزال، وعلي جوشكن وغيرهم على قوائم الوطن بعد انضمام هؤلاء للوطن الأم، وهو الأمر الذي استفاد منه حزب الوطن من خلال إبراز مكياج إسلامي واضح، ولولا ذلك لانهزم الحزب بشكل كبير؛ إذ إن هزيمته تقاس بإنجاز الطريق القويم شريكه في نفس الأفكار، فكلا الحزبين يمينيين، وإن كان الطريق أكثر محافظة، ويطلق عليه حزب القرويين الذين لا يمكن أن يكونوا غير إسلاميين، ولا يعرفون معنى العلمانية.
أما الأصوات الكردية ونسبتها لا تقل عن ١٥% فإنها انقسمت بين الولاء القومي الديمقراطي الشعبي، حصل على 4.20% لأسباب خاصة بسبب الضغوط العرقية، وبين الولاء العشائري؛ إذ تم التصويت لرموز العشائر واستفاد من ذلك الوطن الأم والطريق القويم، وبين الولاء الإسلامي إذ حقق الرفاه المركز الثاني في مناطق نفوذ الأكراد.
كما أن أصوات حزب الملة والولادة من جديد، وأكثر من نصف أصوات الحركة القومية يمكن أن تدخل في حساب الاتجاه الإسلامي، خاصة بعد تطور فكر الحركة القومية، وإن كان تصريح نصرت دميرال المدعي العام السابق مرشح الحركة القومية في أنقرة بضرورة تغيير صيغة الأذان من العربية للتركية قد أدى إلى تخلي الإسلاميين الأكثر جدية عن دعم الحركة القومية، مما أدى إلى هزيمتها؛ إذ إن محاولات ترميم تصريحات دميريل لم تفد.
أما الأصوات العلمانية فهي التي حصلت عليها أحزاب اليسار الديمقراطي بزعامة أجاويد، والذي أعلن قبل الانتخابات أنه ليس ضد الحجاب، وكذلك الشعب الجمهوري أي حوالي ٢٥، وهي نسبة الأصوات العلوية تقريبًا، فالعلويون الأتراك 10 - 15 ملبون، هم سند العلمانية الوحيد في تركيا الأسباب تاريخية وليست أيديولوجية؛ إذ إنهم يرون في الأحزاب اليمينية وكذلك حزب الرفاه امتدادًا لمؤسسات الدولة العثمانية التي اضطهدتهم تاريخيًّا بسبب مذهبهم العلوي، لذلك دعموا مصطفى كمال أتاتورك والعلمانية بشكل كامل، فكل اليمين التركي في نظر العلويين أعمدة المؤسسة السنية، ولذلك تعالت الأصوات بعد الانتخابات مطالبة بنظام انتخابي جديد يعيق تقدم الرفاه
ردود الفعل الأجنبية
بالطبع لم تعلن الدول الأوروبية المشغولة باحتفالات أعياد الميلاد موقفًا رسميًّا من فوز حزب الرفاه بالمركز الأول، وإن كانت هناك بعض التصريحات التي تشير إلى القلق المستتر. فكارلوس كرداريرا -السفير الإسباني في أنقرة -صرح لــ يني يوزيل، يوم 26/12/ ١٩٩٥م بأن الانتخابات تطبيق جيد للديمقراطية. وإن تخمينهم بفوز الرفاه قد تحقق، فالنتائج لیست مفاجأة، إنهم عملوا كثيرًا، ومجبرون على إقامة تحالف، وهم في الانتظار، وأشارت بولينا جرين البرلمانية البريطانية ضد المجموعة الاشتراكية في البرلمان الأوروبي في لهجة واضحة إلى عدم سرورها من فوز الرفاه الذي قالت عنه: إنه لم يقدم شيئًا سواء من الناحية الديمقراطية أو في مجال حقوق الإنسان وكذلك حقوق المرأة.
وأشارت ميني بوزيل أن أثينا رغم عدم إعلان موقف رسمي لها إلا أن أوساط الخارجية اليونانية مسرورة لعدم وصول حزب واحد الحكم، أما على كريموف -نائب رئيس حزب الجبهة الشعبية الأذربيجانية -فقال: إنهم يتابعون العملية الديمقراطية في تركيا، ومن يختارهم الشعب نضعهم على رؤوسنا.
تعليقات الصحف الأجنبية
جمع مراسلو صحيفة «يني يوزيل، مجموعة من ردود الفعل الصحفية نشرتها يوم ٢٦ ديسمبر جاء فيها أن وكالات الأنباء تناولت نبأ فوز الرفاه بشكل موسع، وأن النتائج جاءت موافقة للتخمينات، وأرجعت وسائل الإعلام الأمريكية فوز الرفاه -كالعادة -للأزمة الاقتصادية، مشيرة إلى أن الرفاه مجبر على عمل ائتلاف يرفضه الجميع. مما يعني استمرار الأزمة السياسية التركية -ولفترة طويلة، علاوة على استمرار حالة عدم الثقة -لدى المجموعات المالية.
وكان عنوان الليبراسيون الفرنسية الإسلاميون كتف بكتف مع الأحزاب اليمينية مشيرة إلى أن تركيا مجبرة على الائتلاف وقالت اللوفيجارو: إن الانتخابات التركية أسفرت عن 3 أحزاب تتجمع في راحة اليد، وفي مقال تحت عنوان تركيا تبحث عن حكومة، قالت الصحيفة: إن الرفاه حصل على المركز الأول بفارق بسيط. ولا ندري كيف أن ٢٣ مقعدًا زيادة عن الطريق القويم فارق بسيط، كما أن الانتخابات أخرصت الإسلاميين المعارضين للكمالية والجنرالات بعد ١٥ سنة من انقلاب ۱۹۸۰م. وقالت وسائل الإعلام الألمانية: إن الأصوليين الإسلاميين في تركيا فازوا بفارق بسيط وأصبحوا الحزب الأول، وأشارت محطات تلفاز إلى نجاح ARD ZDF, NTV, EUPONEWS الرفاه وعدم إمكانيته لتشكيل حكومة، مشيرة إلى أن أريكان يعارض الوحدة مع أوروبا مثلما يعارض العلمانية.
وكان تعليق محطة GBS الأمريكية أن تركيا تعود إلى الإمبراطورية العثمانية، مشيرة إلى أن القوى العلمانية تشكل الأغلبية التركية، وأن حزب الرفاه الذي يعيش خيالات الإمبراطورية العثمانية وأحلامها جاء في المركز الأول، وقال أندريه فينكل -الصحفي الأمريكي في إسطنبول الذي يعمل لـ (CNN أن الحزب الإسلامي لن يشكل حكومة، وقالت الواشنطن بوست والواشنطن تايمز: إنه رغم مجيء الرفاه في المركز الأول إلا أنه سيكون خارج الائتلاف الحكومي، وقالت: إن واشنطن بوست إن ۸۰ مع العلمانية، إذ لم تدعم تلك النسبة سياسة الرفاه المعادية للغرب.
وقالت محطة تلفاز الـ B.B.C: إن الرفاه لن يجد شريكًا في حكومة ائتلافية رغم كونه الأول، وهو ما ذهبت إليه أيضًا محطة تلفاز. France-info الفرنسية؛ إذ قالت: إنه رغم ازدياد أصوات الإسلاميين فإنهم لن يحكموا البلد؛ إذ إن جميع الأحزاب ترفض التعاون معهم.
وقالت وكالة أنباء رويتر: إن الإسلاميين الذين يهددون النظام العلماني ويريدون تغيير الدستور لم يحصلوا على أغلبية كبيرة، موضحة أنه يمكن فتح الطريق أمام إقامة تحالف حكومي من الأحزاب المؤيدة للغرب بينما أشارت الماسوشيتد برس، إلى أن أربكان الذي يصر على الحصول على تكليف دميريل لتشكيل الحكومة لن يمكنه تحقيق ذلك؛ إذ كان حزبي الوطن الأم والطريق القويم أعلنا قبل الانتخابات عدم دخولهما في ائتلاف مع الرفاه. أما وكالة أنباء أتيار -تاس، الرسمية الروسية فأشارت إلى أن مرحلة قلق حقيقي قد بدأت في تركيا، وأن حزب الرفاه احتل المركز الأول وبرنامجه يعمل لتوحيد العالم الإسلامي من المغرب إلى كازاخستان، وأبرزت كلمات أريكان بأن تركيا ستولد من جديد يوم ٢٥ ديسمبر، ورحبت وسائل الإعلام الإيرانية بفوز الرفاه، وذكر راديو طهران أن النتائج أكدت أن الشعب بعد ٧٠ عامًا من العلمانية اختار الاتجاه الإسلامي.
محاولات تشكيل الحكومة
وبالرغم من إعلان الرفاه استعداده للتحالف مع حزبي الوطن الأم أو الطريق القويم من أجل أداء الواجب تجاه الوطن، إلا أن يوم الثلاثاء الماضي 26/12 شهد تحركات خبيثة تستهدف السطو على فوز الرفاه؛ إذ التقى مسعود يلماظ مع كل من بولنت أجاويد وتانسو تشيللر، وكانت المناقشات تدور حول إمكانية تشكيل حكومة ائتلافية من الأحزاب المهزومة ضد الرفاه المنتصر، ويبدو أن تلك الاتصالات تستهدف إيجاد مخرج للرئيس دميريل لعدم تكليفه لنجم الدين أريكان بتشكيل الحكومة وفقًا للقوانين والعرف السياسي التي تقضي بتكليف رئيس حزب الأغلبية بتشكيل الحكومة، فإذا ما فشل يعطي التكليف للحزب التالي، إلا أن تلك الأحزاب تريد العمل الإقامة تحالف بينها، ومن خلاله يتم تكليف أحدهم بتشكيل الوزارة.
وانتهى لقاء يلماظ - أجاويد بالاتفاق على حكومة موسعة تضم الأحزاب الأربعة المهزومة الطريق، والوطن واليسار، والشعب، وإن كان دنيز بيقال - رئيس الشعب الجمهوري قد رفض ذلك مشيرًا إلى رغبته بالبقاء في المعارضة، ولكن تانسو تشيللر التي سحب الشعب ثقته منها ومن حزبها، ومنحها لحزب الرفاه اقترحت على يلماظ في لقائهما تشكيل إما حكومة ثنائية بين حزبيهما بدعم من الحزبين اليساريين، أو أن تشكل حكومة من الأحزاب الأربعة، أو أن يشكل يلماظ حكومة أقلية تدعمها الأحزاب من الخارج، وهو ما رفضه يلماظ؛ إذ يصر على حكومة من الأحزاب الأربعة تعد برنامجًا مشتركًا؛ لأن معارضته الرفاه ستكون قوية، إذ إن تشيللر تخشى من مشاركة أجاويد في الحكومة بسبب موقفه من ملفي قبرص والوحدة الجمركية، والذي من الممكن أن يسبب مشاكل، كما أن واشنطن لا تريده أيضًا.
كما ضغطت جمعية رجال الأعمال والصناعة توسياد، في اتجاه تشكيل حكومة من الطريق والوطن، ونشرت نداء لذلك في صحف ۲۷ ديسمبر ١٩٩٥م.
وفي مواجهة ذلك أعلن نجم الدين أربكان. زعيم حزب الرفاء الإسلامي استعداده لتشكيل حكومة ائتلافية مع أي من الأحزاب الأخرى من أجل مصالح تركيا، مؤكدًا على أنه صاحب الحق الأول في التكليف بتشكيل الحكومة الجديدة. وقال: إن الحكومة تقام وفقًا للأسس الديمقراطية، ولا يمكن عملها في وسائل الإعلام -مشيرًا إلى السيناريوهات التي تطرحها الصحف التركية لعمل الحكومة.
وعمومًا فإن الحكومة الجديدة لن تعلن قبل شهر فبراير شباطه وفقا للتسلسل الزمني التالي:
إذ سيعقد مجلس الشعب التركي الجديد جلسته الأولى يوم ١٠ يناير ١٩٩٦م، وسيرأسها سليمان عارف أمره، وهو من حزب الرفاه أيضًا، وذلك لكونه أكبر الأعضاء عمرًا، وسيقسم النواب اليمين الدستوري في تلك الجلسة، وخلال 10 أيام سيكون قد تم اختيار رئيس مجلس الشعب، وكذلك تشكيل اللجان، خلال تلك الفترة سيكلف الرئيس دميريل - أربكان - بالطبع لتشكيل الحكومة في ٢٥ يناير تقريبًا، بعدها ستطرح الحكومة للتصويت بالثقة، وفي الأسبوع الأول من فبراير المقبل ستكون صورة الحكومة التركية قد اتضحت، وإذا لم تنجح جهود تشكيل الحكومة بعد ٤٥ يومًا ستشكل حكومة انتخابية، ويدعو الرئيس دميريل لانتخابات جديدة بعد ٩٠ يومًا. وبالتالي فإن لدى حزب الرفاه عدة أوراق ضغط:
أولها: أن كافة الأحزاب تخشى حاليًا الدخول في معركة انتخابية جديدة بعد انكشاف حجمها الحقيقي، وخشية الانتقام الشعبي منها بسبب تحالفها ضد المنتصر.
ثانيًا: يمكن أن ينسحب حوالي ٧٠ نائبًا من ذوي الاتجاه الإسلامي من حزبي الطريق والوطن لدعم الرفاه، وكذلك نواب حزب الوحدة الكبير الثمانية، والذين يقومون حاليًا بدور كبير للتوفيق بين الرفاه والوطن؛ ليكون عدد نواب الرفاه حينذاك ٢٣٦ نائبًا، ومن الممكن أن يشاركوا على قوائم الرفاه في الانتخابات المقبلة لضمان حصوله على الأغلبية، وهو ما سيسحب دعم الأصوات الإسلامية لحزبي الطريق والوطن، وستكون خسارتهما كبيرة.
حكومة بين الرفاه والوطن
والاحتمال الأكثر من خلال المعلومات المتاحة. أنه سيتم تشكيل حكومة ائتلافية من الرفاه والوطن الأم لاقتراب وجهات النظر بينهما في كثير من الموضوعات، إلا أن يلماظ لن يمكنه الإقدام على ذلك إلا بعد جس نبض المؤسسة العسكرية التي حاولت التأثير على الناخبين عشية الانتخابات من خلال تصريحات رئيس الأركان إسماعيل حقي قره داغي بأن الجيش سيحمي العلمانية.
وعمومًا فإن نقطة التقاء المصالح تكمن في ائتلاف الرفاه مع الوطن الأم لعدة أسباب:
أولها: عدم دخول معركة انتخابية جديدة حاليًا.
ثانيًا: لكون شقة الخلاف بينهما ضيقة خاصة وأن الوطن كان الأقرب للكثير من أعضاء حزب السلامة بعد إغلاقه.
كما أن وجود الوطن داخل حكومة الرفاه سيكون صمامًا سياسيًا لضمان عدم المس بالعلمانية -رغم أن أربكان لم يتحدث في ذلك الأمر -بل إنه طالب عدة مرات بتطبيق الدستور السويسري، مشيرًا إلى أن المشكلة في تركيا ليست في العلمانية، ولكن في تطبيقها.
وعمومًا فإن موقف واشنطن المعلن حول عدم تدخلها، وأنها ستتعامل مع أية حكومة أيًّا كانت في تركيا، مشيرة إلى أن العلاقات التركية الأمريكية إستراتيجية لا يمكن أن تتأثر، سيساعد ذلك على إقامة الحكومة الائتلافية بين الرفاه والوطن؛ لأنها ستكون الحكومة الأكثر منطقية، إذ لا يمكن مشاركة حزبي الحكومة السابقة فيها بعد سحب الثقة منهما، فالوطن الأم كان في المعارضة مثله مثل الرفاه الفائز، وبالتالي يمكن أن يكون الشريك الأصغر في الحكومة، وهو ما يمكن أن تقبله الجماهير؛ ذ إن السطو على فوز الرفاه سيفيده جدًا من الناحية العاطفية، وستزداد كتلة المؤيدين له؛ إذ إن الجماهير التركية مع المظلوم دائمًا، كما أنها لا تحب من يخدعها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل