العنوان بناة الحضارات ومصارعة الثيران
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-ديسمبر-1995
مشاهدات 82
نشر في العدد 1181
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 26-ديسمبر-1995
صناعة التقدم ليست بالعملية السهلة في الأمم، و-خصوصا- في شعوب العالم الثالث، وبناء الحضارات ليس بالأمر الهين في الأمم المتخلفة، فأسود الجاهليات فيها متوحشة ومفترسة، تستطيع أن تنقض على كل من يقترب منها أو يحاول أن يقتحم عرينها، وثيران حظائر الجزارين عندها هائجة، تنطلق ذات اليمين وذات الشمال محطمة كل من يعترضها، أو يحاول ترويضها، والعضلات والأنياب والقرون حينما تنفرد بالحديث تصمت العقول، وتخنس الأفهام، ويتوارى التفكير، ولا تستطيع أن تنبس ببنت شفه أو تحرك لسانا، أو تنطق بكلمة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فإن انقياد الشعوب في العالم الثالث للتخلف كأنه القدر المكتوب، والوعد المحتوم الذي لا فكاك منه، ولا هروب من براثنه.
فإذا أردت أن تحرك الأفهام، فكأنك تحرك الصخور، وإذا عزمت أن تغير الطبائع، فكأنك تنقل الجبال، أو تقتلع الشم الرواسي، وإذا بدأت في تعديل الميول والرغبات قابلت السدود والقيود والحواجز والأهوال، وذلك كله من بركات التخلف، ونفحات الجهل والإهمال والاستغلال، وعدم الإخلاص في تربية الأمم وترشيدها، والأخذ بيدها، لتظل تركع مسبحة، وتسجد ممجدة، وترفع الأكف ضارعة لأبالسة الحياة المستبدة، وشياطين المجتمعات القاهرة، وهذه حقيقة تقررها نظريات التخلف ومدارسه، فمثلا مدرسة «أرسطو» القديمة إلى «مكيافيللي» ترى أن دور الحاكم ليس هو الالتزام بالدستور والقانون، ولكن الحاكم نفسه هو القانون والدستور، لأن أساس الحركة التاريخية في هذه الفترات هي «رجل تاريخي، وجماهير لا عاقلة تنقاد وراءه»!!وهناك مدرسة أخرى تقول: «إن الرجل التاريخي في هذه الأمة، هو رجل المصادفات، لأن تاريخهم كله سلسلة من المصادفات» ومن هذا تتضح عدة أمور خطيرة نستطيع أن نشير إليها فيما يلي:
1- إن فكرة القانون مازالت مُجهّلة عند هذه المجتمعات.
2-الحاكم هواه وشهوته هي القانون.
3- الجماهير ما عليها إلا الطاعة وإلغاء العقل «اعصب عينيك وسر وأنت أعمى»
4- الصدفة هي التي تتحكم في مصائر الناس، وليس الاختيار والشورى وتولية الأصلح.
من هنا تكون الكارثة الحتمية التي تقود الشعوب إلى الهلاك وذهاب الربح.
يقول «جون لوك»: «يبدأ الطغيان عندما تنتهي سُلطة القانون، أي عند إنتهاك القانون وإلحاق الأذى بالآخرين» ثم يقول: «الشرطي الذي يجاوز حدود سُلطته يتحول إلى لِص، أو قاطع طريق،.. كذلك كل من يتجاوز حدود سُلطته المشروعة سواء أكان موظفًا رفيعًا أم وضيعًا ملكًا كان أم شرطيًا، بل إن جُرمِه يكون أعظم إذا صدر عمن عظمت الأمانة التي عُهد بها إليه..».
ويقول «لورد أكتون»: «كل سُلطة مفسدة، والسُلطة المُطلقة مفسدة مُطلقة». هذا إذا كان هناك قانون يتجاوز، أما إذا كان ولا قانون فكم يكون حجم الكارثة؟ قد تتحول الشعوب إلى عبيد لا ترفع رأسًا، أو تُعلي صوتًا، ويتحول الحكام إلى آلهة، وفي هذا يقول عبد الرحمن الكواكبي في كتابه «طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد»: «ما من مستبد سياسي، إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله، أو تعطيه مقامًا ذا علاقة بالله!!» وقديمًا قال فرعون مصر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي﴾ (سورة القصص: 38).
والواقع أن هذه الطبيعة الاستبدادية قد تجد لها ما يبررها عند العامة والشعوب المتخلفة، بطول المدة، وبتسويغ الأبالسة، ويظهر على ذلك سؤال: من این جاء هذا التمايز؟ وإذا كان هذا الحاكم بشرًا كالمحكومين، فكيف تكون إرادته حرة، نجدد نفسها بنفسها، بينما إرادة المحكومين تخضع له وتنقيد وتتحدد وفقًا لمشيئته؟ كيف نتصور إرادتين لطبيعة بشرية واحدة ليستا على درجة واحدة، بل إحداهما تعلو على الأخرى؟ أبسط وأسرع إجابة على هذا السؤال هي: لابد أن يكون الحاكم من طبيعة غير طبيعة البشر، وهكذا تتصور الشعوب المتخلفة ذلك وتصدقه، وتعتقد أن الحاكم له طبيعة إلهية مقدسة، ومن هنا جاءت سمو إرادته ولهذا عظمت سُلطة الحاكم وأصبح لها من المهابة ما يجعل الناس طوع أمره، ورهن إشارته.
والراصد لمنطق الشعوب المتخلفة في العصر الحديث يرى صورة ذلك، ولكن بلون آخر، ونكهة مختلفة تؤدي إلى نفس النتيجة التي تجعلها الآية الكريمة أشد جلاًء ووضوحًا، وذلك في قوله تعالي: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ (سورة التوبة: 31) فقال عدي بن حاتم الطائي: ما كنا نعبدهم يا رسول الله، فقال ﷺ: «أليسوا كانوا يُحلون لكم ويُحرمون؟» قال: نعم، قال: «فهذه عبادتهم»، إذن فهم يُملون عليهم ما يريدون، وينحرفون بهم حيث يشاؤون، ويخضعون لهم فيما يبيحون، ولهذا فقد قرر الباحثون في هذه الأيام أن تجربة مصر الحديثة، كان لابد أن تستوقف الفكر وتدعو العقل إلى التأمل لمن ألق السمع وهو شهيد، حين صار رجال الملك فاروق هم تقريبًا الذين أصبحوا حزب الثورة في هيئة التحرير، ورجال هيئة التحرير هم الذين أصبحوا رجال الاتحاد القومي بعد ذلك، وهم هم الذين أصبحوا رجال الاتحاد الاشتراكي، وهم الذين أصبحوا رجال حزب مصر، وهم الذين صاروا رجال الحزب الوطني الآن، وهكذا نفس الرجال، ونفس النوعية هم الذين قالوا بالقومية، وهم الذين قالوا بالفرعونية، وهم الذين أبدوا الاشتراكية، وهم الذين تسابقوا للانفتاح، وهم الذين صرخوا بأعلى أصواتهم، لا تفاوض، ولا اعتراف ولا صلح مع إسرائيل، وهم الذين تُبح أصواتهم اليوم من النداء بالتفاوض والاعتراف والصلح مع «إسرائيل» وهم الذين يتسابقون ويهرولون ركضًا إلى «إسرائيل» هل تغيروا؟
لا، ولكن تغيرت السُلطة، هل تبدلت قناعاتهم وأفكارهم؟ لا.. ولكن تبدل فكر السُلطة وتوجهها، إذن طبيعة السُلطة هي التي تحدد وجهة الشعوب، ونحن نقطع بأن نُظُم الأحزاب في العالم الثالث، أخذت نفس التوجه، ونفس الأسلوب وجماهيرها نفس الطبيعة، ونفس النهج، حزب الأغلبية، هو حزب السلطة دائما، أي أن السلطة تصنع الأغلبية، وليست الأغلبية هي التي تصنع السلطة!!، إذن فقد تحصل للمراقب والباحث لأمراض تلك الشعوب أربعة محاور تنحصر فيما يلي:
1- سلطة من الأسود والنمور والفهود.
2- انعدام القانون والدستور، وبروز الحكم المطلق.
3- انعدام المقاومة الشعبية، ومسارعة في العبودية والطاعة والزلفي.
4- طبائع للشعوب غير سوية، ومصابة بالإحباط والانحراف الفكري!!
إذن، فما الحل؟ هل هو في مصارعة الفهود والنمور والأسود الطليقة، والمدججة بالسلاح، والجند، مصارعة بغير زاد أو عدة أو عتاد؟ ومتى؟ وأين؟ أم في مغالبة العادات، وإيقاظ العقول، ومقاومة الإحباط ومصارعته بالمنطق والتربية، وبث اليقظة؟
ولكن... هل عندنا الرجال، والأقلام، والأفهام، والحلوم، ولدينا الصبر والمصابرة، والعزم والقدرة على الكفاح والثقة بالنصر؟ إن كان... فسيفرح المؤمنون بنصر الله، ويقولون متى هو؟ ﴿قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (سورة الإسراء: 51).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل