العنوان لبنان: إلى متى يظل رئيس الوزراء اللبناني باش كاتب؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-أبريل-1987
مشاهدات 58
نشر في العدد 815
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 28-أبريل-1987
«يريدونك أن تكون تحت سلطتهم وإلا فلا مكان لك.. هذا أمر لا يمكن أن يُبقي وطنًا..» هذا الكلام صادر عن رشيد كرامي رئيس «وزارة المقاطعة» هذه الوزارة التي يشارك فيها كل من الوزيرين «الميليشاويين» وليد جنبلاط ونبيه بري، ولم تجتمع برئاسة الرئيس أمين الجميل منذ أكثر من سنة ونصف تاركة المواطن اللبناني يتخبط في دوامة الحروب المذهبية والحزبية وسط رحى الغلاء والوضع الاقتصادي المنهار التي تطحن بين أقطابها كل أخضر ويابس.
نفس هذه الكلمة أو قريب منها ما جاء قبل عشرات السنين على لسان عبد الحميد كرامي والد الرئيس رشيد كرامي، حيث قال يومها: إن وظيفة رئيس الوزراء لا تعدو كونها وظيفة «باش كاتب»!
وبين عبد الحميد ورشيد أمور كثيرة تغيرت، وعوامل إقليمية ودولية تبدلت مواقعها وما تزال بين اللحظة واللحظة من النقيض إلى أقصى النقيض لكن الثوابت الراسخة بين المتغيرات الطارئة تبقى من الجيل إلى الجيل تحكي قصة الظلم المستمر الذي أراده المستعمر للمسلمين في لبنان ظلم الخضوع القسري للأقلية المارونية الحاكمة.. هذه الصورة ممنوع لها أن تتغير، وهذا الإطار الظالم قد يتبدل ويتغير، لكن الصورة تبقى ذاتها من عبد الحميد إلى رشيد.
وعلى الرغم من تسليم القيادة السياسية التقليدية للمسلمين في لبنان بمقولة «الأفندي رشيد» إلا أن لعبة الوفاق ما تزال تطرح في كل مرة شارة لترميم الوضع الماروني المنهار تحت الضغط المقاوم في الداخل الذي يجعله في زاوية لا يستطيع الخلاص منها، ما لم يفك ارتباطاته بالعامل الإسرائيلي في المنطقة، وتارة تحت ستار إنهاء الأزمة اللبنانية هذا الستار الذي لا يراد من خلاله إلا إلهاء المواطن اللبناني وإشغاله عن مقاومة اليهود وإسقاط مؤامرات الردة السياسية العربية المنضوية تحت لواء المؤتمر الدولي.
يقولون: إن النظام اللبناني نظام برلماني، وهذا يعني أن رئيس الحكومة هو الدعامة الأولى للتحكم، إلا أن حقيقة الأمر في لبنان تختلف نصًا وروحًا وممارسة، فذكر اسم رئيس الحكومة «الوزارة» وصلاحياته غير ملحوظة في نص الدستور اللبناني!
وبذلك يبقى أمره وصلاحياته استنسابية بيد رئيس الجمهورية الماروني! وإذا حاول المسلمون تحقيق أي نوع من الإصلاح، لقلب هذه المعادلة فإن الطرف الأخير مستعد لتدمير الوطن الذي يقوم على غير المعادلة القديمة الجديدة التي لا تسمح للمسلمين بالخروج من سلطة المارونية السياسية.
واليوم في لبنان جهود تبذل لتحقيق نوع من الإصلاح السياسي تريد منه سوريا أن يبقى الحصة الأكبر بيدها من أية صفقة قد تحرر لصالح هذا الطرف أو ذاك.
عشر جولات من المفاوضات لفريقي العمل اللبناني الذي شكله الجميل وقوامه الوزير السابق إيلي سالم ورئيس المخابرات في الجيش اللبناني العقيد سيمون قسيس وفريق العمل السوري برئاسة جهاز الأمن والاستطلاع للقوات السورية في لبنان العميد غازي كنعان.
عشر جولات والمفاوضات تشبه المماحكات، وقد عبر السوريون عن هذه الحقيقة بعد هذه الجولات العشر من المفاوضات التي عقدت في دمشق عندما طالبوا الفريق اللبناني «الممثل للرئيس الجميل» بالحصول على «نصوص واضحة محددة حول موضوع البحث وإلا فإن الجولة ستكون الأخيرة»!
وبالفعل جاء وفد الجميل إلى الجولة العاشرة بنصوص واضحة ومواقف محددة، لكن ليس لجهة حل نقاط الخلاف التي تتركز حول مفهوم المشاركة في الحكم وإلغاء الطائفية السياسية، وبالتالي تغليب المؤسسات وتعزيزها وفق ما يحقق المشاركة من خلال المؤسسات التي ترتكز على وحدة السلطة، بل جاءت هذه المواقف لتعبر عن حيلة سياسية قانونية يسعى الجميل من خلالها لتحويل منصب رئيس الجمهورية إلى حاكم مطلق ويكون مجلس الوزراء بمثابة ديوان تابع له..
هذا الموقف «دفع رشيد كرامي رئيس الوزراء اللبناني إلى التذكير ببرلمانية النظام ودور رئاسة الوزراء في النظام البرلماني داعيًا من جهته الرئيس الجميل والجبهة اللبنانية «المسيحية» إلى إعادة الدور الصحيح لمجلس الوزراء الذي يخوله وحده حق اتخاذ القرارات، ومن خلال مجلس الوزراء يمكن أن تتحقق المشاركة الفعلية العادلة التي لا تسمح لطائفة بمصادرة حقوق الطوائف الأخرى؟
وأما تسليم الجميع بعدم جدوى أي حوار مع نظام الأقلية المارونية إلا أن المفاوض السوري ما زال يركز في طروحاته على نقطتين أساسيتين تعتبر كل منهما مقدمة للأخرى وتقود كل منهما إلى نتيجة واحدة. وهما:
موضوع المشاركة والعلاقات المميزة مع سوريا، وذلك بهدف تسجيل تقدم في أي المجالين على أساس أنهما وجهان لعملة واحدة.
أمام هذه الحالات السياسية أين موقع الإسلاميين في لبنان؟
الإسلاميون في لبنان حتى الآن يعتبرون أنفسهم غير معنيين بما يجري من جهود لترميم النظام اللبناني، وذلك لاعتقادهم الجازم بأن الظروف الإقليمية والدولية لن تسمح بتحقيق کامل تطلعاتهم لسببين اثنين:
الأول: إصرار القوى الدولية على إفشال أي مشروع يعمل على فك الارتباط بين الإسرائيليين والمسيحيين في لبنان أيًا كانت الجهة المتعهدة بتنفيذه.
الثاني: تمسك المسيحيين بامتيازاتهم التي يعتبرونها مسلمات لا يمكن التراجع منها أو التنازل عن قيد أنملة منها.
كما أن الإسلاميين على يقين بأن الجهود التي تبذل للإصلاح السياسي والوفاق لا تعدو كونها من باب ذر الرماد في العيون لتغطية استحقاقات إقليمية ودولية ضرورية على صعيد تأمين طريق الحل السلمي وتعزيزه في المنطقة.
أما حقيقة المتغيرات التي قد تطرأ على الساحة اللبنانية فتبقى مرتبطة بتطورات حرب الخليج ونجاح الجهود لعقد المؤتمر الدولي.. ففي حال نجاح المشروع الغربي في التعامل مع هاتين القضيتين فإن الأمر عندها يكون قابلًا للانعكاس على الساحة اللبنانية سلبًا أو إيجابًا، لمصلحة الوضع الإسلامي في لبنان أو لمصلحة أعدائه ولكن من خلال جهود الإسلاميين على الساحة، هذه الجهود التي يمكن لها أن تتجاوز كل العوامل والاعتبارات لتفرض الصيغة التي تقلب المعادلة بالتعاون مع الوضع الإسلامي العام في المنطقة، وإن كان هذا اليوم ما يزال بعيدًا في منظور الواقع.
لذلك فإن الإسلاميين في لبنان يتوجهون بكليتهم لتعزيز جهادهم ضد المحتلين اليهود من خلال تصعيد عمليات المقاومة الإسلامية وتقوية التلاحم بين المؤمنين من لبنانيين وفلسطينيين، باعتبار الطريق الصحيح لإفشال مؤامرة ترميم النظام اللبناني الماروني المنهار، وبالتالي توحيد جهود المؤمنين في لبنان لاستعادة حقوقهم المشروعة وتوظيفها في خدمة المشروع الإسلامي الكبير باعتبار لبنان جزءًا لا يتجزأ من العالم الإسلامي، وبالتالي مواجهة المخططات الاستعمارية الهادفة لتمزيق وحدة المسلمين إلى دويلات ممزقة وتسليم رقابهم إلى اليهود الغاصبين.
هذا هو الاتجاه الإسلامي الواضح على الرغم مما يواجهه من تحديات داخلية تعمل لإعاقة مسيرته، وبخاصة لجهة حرب المخيمات التي ما تزال تعبر عن اصطراع القوى الإقليمية على الساحة الفلسطينية «والفلسطينية اللبنانية» بالرغم من كل الجهود المبذولة لإنهائها ورأب الجرح الإسلامي النازف.
يبقى الاتجاه الإسلامي واضحًا في خياره المقاوم غير المتلهي بالألاعيب السياسية المرتبطة بالمشاريع الإقليمية والدولية، وقد برز هذا الأمر جليًا من خلال العمليات النوعية للمقاومة ضد ما يسمى بالحزام الأمني الواقع تحت الاحتلال الإسرائيلي وميليشياته في الجنوب والذي تجاوزته المقاومة لتطال مستعمرات العدو داخل فلسطين المحتلة.
ويبقى الإسلاميون في لبنان ماضين في طريقهم، فلا وفاق مع المتعاونين مع المحتل اليهودي، ولا طريق للتحرير غير المقاومة، ولا تحرير بغير الجهاد الماضي إلى يوم القيامة.