; الأدب الصهيوني | مجلة المجتمع

العنوان الأدب الصهيوني

الكاتب جابر قميحة

تاريخ النشر السبت 18-سبتمبر-2010

مشاهدات 58

نشر في العدد 1919

نشر في الصفحة 42

السبت 18-سبتمبر-2010

إسلامية الأديب

شرطًا لإسلامية الأدب (5)

من حقائق التاريخ الثابتة أن قدماء اليهود لم يجاوزوا أطوار الحضارة السفلى التي لا تكاد تميز من طور الوحشية، وحينما خرج هؤلاء البدويون الذين لا أثر للثقافة فيهم من باديتهم ليستقروا في فلسطين؛ وجدوا أنفسهم أمام أمم قوية متمدنة منذ زمن طويل.. فلم يقتبسوا من تلك الأمم العليا سوى أخس ما في حضارتها، أي لم يقتبسوا غير عيوبها وعاداتها الضارية ودعاراتها وخرافاتها.

 

نشأ متشبعًا بفلسفة الحركة الصهيونية وترعرع منذ بداياته في مجتمعات مكنته من بلورة قواعده وأعطته من سماتها ما لا يمكن معه فصله عن الواقع.

وإذا عدوت العهد القديم وجدت بني إسرائيل، لم يؤلفوا كتابًا، ومزاجهم النفسي - كما يستنبط من أسفارهم - ظل على الدوام قريبا جدا من حال أشد الشعوب بدائية، فقد كانوا عندا مندفعين عقلًا سُدْجا حفاة كالوحوش والأطفال... وقد أضاعوا خلال البادية من غير أن ينالوا شيئا من النمو الذهني الذي هو تراث القرون.

وإذا أريد وصف المجتمع اليهودي من ناحية النظم أمكن تلخيصه في كلمتين هما نظام رعائي، مع طبائع المدن الآسيوية الهرمة وذوقها وخرافاتها.

ويعبر «حزقيال» عن ذلك الرأي في الفصل السادس عشر حين يذكر ظهور الشعب اليهودي الحقير وأوائله الهزيلة وما عقب استقراره بفلسطين من الحميا، فيقول مخاطبًا تلك الأمة العاقة، وفي جميع أرجاسك وفواحشك لم تذكري أيام صباك وإذا كنت لم تشبعي زنيت مع بني أشور، ولم تشبعي.. فلذلك أقضي عليك بما يقضي على الفاسقات وسافكات الدماء، وأجعلك قتيل حنق وغيرة (1).

ومع ذلك ترعرعت قناعة شديدة بين كثير من غير اليهود أن اليهود شعب متفوق يعيش حاليا بين شعوب أخرى ولابد من إعادته إلى وطنه القديم في فلسطين، حيث نمت جذوره وتقاليده وخواصه المتميزة، ونبذته فكرة أن القوة السماوية هي الوسيلة لإعادتهم إلى فلسطين لتحل محلها فكرة النشاط والإنجاز البشري وبخاصة جهود اليهود وغير اليهود المشتركة.

ومن ثم نشأت الصهيونية Zionism فكانت - ومازالت - دعوة وحركة عنصرية دينية استيطانية إجلائية مرتبطة نشأة وواقعًا ومصيرًا بالإمبريالية العالمية، تطالب بإعادة توطين اليهود، وتجميعهم وإقامة دولة خاصة بهم في فلسطين بواسطة الهجرة والغزو والعنف كحل للمسألة اليهودية. 

والكلمة نسبة إلى صهيون اشتقها ناتان برنباوم، سنة ١٩٨٠م ليصف بها تحول تعلق اليهود بجيل صهيون وأرض فلسطين من البعد الديني الماشيحاني القديم إلى برنامج سياسي استعماري إقليمي يستهدف عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين. 

 

الصهيونية الرومانتيكية

وقد وجدت الصهيونية الرومانتيكية تعبيرا لها في أدب القرن الثامن عشر وكتاباته السياسية، فلم تعد الشخصيات اليهودية بارزة فحسب، بل إنها كانت تُعامل بأشد الاحترام، ولا تقدم هذه الشخصيات كأفراد بل كأعضاء في أمة تحظى بالشفقة ما تقاسيه من ويلات وتنال - أحيانا بسبب في الغالب - الإعجاب بسبب طاقتها الهائلة على الاحتمال والبقاء.

وعلا صوت الأدب الداعي للصهيونية والمناصر لها، وهي أصوات رفعها كبار من شعراء الغرب وكتابه، ومن أشهر هؤلاء الشاعر الإنجليزي لورد بیرون» (۱۷۸۸ ١٨٢٤م) (٢) الذي كان يعبر دائمًا عن إعجابه بالعظمة الكامنة في قدرة الشعب اليهودي وتناول في كثير من قصائد مجموعته الشعرية الألحان العبرية سنة ١٨١٥م الأفكار التوراتية والفلسطينيين، وقد جعل خاتمة أشهر قصائد هذه المجموعة وهي بعنوان ابك من أجل هؤلاء المقطع التالي:

أيتها القبيلة الكثيرة التجوال

وذات الصدر المرهق

كيف ستستقرين وتشعرين

بالراحة

إن للحمامة عشها

وللثعلب وكره

وللبشرية وطنها

أما «إسرائيل»، فليس لها إلا القبر

ويركز بيرون في قصائد أخرى على الرابطة الأبدية بين فلسطين واليهود، وقد سافر الشاعر نفسه إلى فلسطين عام ۱۸۱۱م، وعبر عن صدمته بما شاهده من بؤس وفقر في الأرض المقدسة، وتدعو قصيدتاه «الغزال البري» و«يوم هدم تيتوس المعبد» للعودة وتحرير الأرض. 

ونرى السير والترسكوت - أول الروائيين الكبار في القرن التاسع عشر - يرسم في روايته «آيفانهو» شخصية يهودية ذات ميول صهيونية، وهي شخصية «ربيكا»، إنها شخصية مثالية للمرأة اليهودية، وهي مخلصة في الدفاع عن قومها، وتعطي الدليل على أن سكوت كان متعاطفًا مع وضع اليهود ومشاعرهم، وأنه لا يرثي المصيبة الشعب اليهودي فحسب، ولكنه يدعوهم للعمل. لأن صوت البوق لم يعد يوقظ «يهوذا».

وهذه الفكرة، أو هذا الشعار صوت البوق لم يعد يوقظ يهوذا أصبح له هيمنة على كثير من الإبداعات الصهيونية خصوصا القصص، كما ترى في قصة الكاتب الصهيوني ش. د. بوتين «مآخذ الشيطان على فاوست». 

والكاتب يريد أن يقول في هذه القصة ينبغي على اليهود أن يدركوا أن العالم كله - حتى القوى السماوية فيه - لا تعبأ بعذابهم بل إنها تنتقم ممن يتصدى للدفاع عنهم، فتضعه مثلهم موضع العذاب كما يحدث للشيطان في هذه القصة وبالطبع فإن الدعوة تكون: إنه ينبغي لليهود أن يتجمعوا في مواجهة هذا العالم الشرير. 

ويعزف وليم وردزورث على وتر مشابه ل بيرون في قصيدته «أغنية لليهودي المتجول»، وقصيدته أسرة يهودية».

وكان روبرت براوننج، شاعرًا ضليعًا في الأدب اليهودي، وقد ساعدته معرفته بالعبرية على قراءة العهد القديم، وكان اليهود في نظره مثالا للتواصل، وسيتجلى مستقبلهم القومي في فلسطين. وجاء في قصيدة نظمها سنة ١٨٥٥م:

سيرحم الله يعقوب

وسيرى إسرائيل، في حماه 

عندما ترى يهوذا القدس

سنضم لهم الغرباء

وسيتشبث المسيحيون ببيت يعقوب

هكذا قال النبي

وهكذا يعتقد الأنبياء

 

هذا الأدب:

ينطلق كثير منه من مرتكزات توراتية دينية حادة

يمجد الصهاينة ويظهرهم كعنصر راق له تميزه وتفرده عقليا ونفسيًا

سبق الصهيونية السياسية في بلورة الأفكار «الشوفينية» والإعداد لاغتصاب فلسطين

تهيمن عليه مجموعة من العقد المتناقضة.. مثل الضعة والشعور بالاضطهاد والاستعلاء

ابتدأ أشعارا دينية وتراتيل وأشواقًا رومانتيكية موضوعها التوراة وأرض الميعاد 

عنصري.. يتخذ من ذريعة معاداة السامية منطلقا لكراهية الآخرين والدعوة للانتقام منهم 

 

نشأته ورواده

لا يغوص في العمق إنما يسير باتجاه السطح لغاية إعلامية تخدم أهدافا سياسية في العصر الحاضر كما كانت في العصور الوسطى.

والأدباء والشعراء الذين ذكرناهم سابقًا قد تشربوا الفكر الصهيوني قبل نشوء  إسرائيل، مع أنهم ليسوا يهودًا، فقد كان هناك فريق من المسيحيين يُطلق عليهم «الصهاينة المسيحيون» (Christian Zionists) جلهم من البروتستانت نتيجة لمعتقدات دينية غيبية تقول بضرورة عودة اليهود إلى فلسطين أو جبل صهيون في القدس تمهيدًا لهديهم إلى المسيحية وللخلاص النهائي لهم وللبشرية جمعاء.

ومن أهم هؤلاء: نابليون بونابرت، الذي حاول الاستعانة باليهود عند حصاره لمدينة عكا في فلسطين، والورنس أوليفانت السياسي الإنجليزي الذي استوطن فلسطين، وساعد الصهاينة من ضمن خدمته للمصالح البريطانية، بالإضافة إلى بعض كبار الساسة والأدباء البريطانيين في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين مثل اللورد «بلفور» صاحب الإعلان الاستعماري الصهيوني الشهير. 

وهذا الملحظ يقودنا إلى حقيقة مؤكدة، وهي أن الأدب الصهيوني نما وترعرع منذ بداياته الأولى في مجتمعات مكنته من بلورة قواعده، وأعطته من سماتها ما لا يمكن معه فصل هذا الأدب عن ذلك الواقع الأدب الروسي كان قاعدة انبعاث، بل خلق الأدب لدى الكثير من الأدباء اليهود الذين عاشوا هناك أمثال: «سمولنسكين» و«إليعازر بن يهودا»، و«بنسكر»، و«آحادها عام و بياليك»، و«غوردون»، وغيرهم نهلوا من المصادر نفسها التي وردها الأدباء الروس وكتبوا بلغتهم. وهناك ريتشارد جيمس غوتهيل والحاخام «ليون ماغنتس»، و«مناحيم كابلان الذين تأثروا بالأدب الإنجليزي... أما الثقافة الألمانية، فقد طبعت نتاجات «موسى هس» و هيرتزل وماكس نوردو بطابعها. وكان موسى بن ميمون قد كتب أغلب نتاجاته باللغة العربية، حتى أنه حاكى العرب في أوزانهم الشعرية وضروبهم البديعية والبلاغية وإن كانت أحرف نتاجاته بالعبرية.

 

هؤلاء وغيرهم يشكلون قادة الفكر الصهيوني عبر مراحل تاريخية مختلفة، وهم أيضًا رواد ما يسمى بالأدب الصهيوني، رغم اختلاف اللغات المستعملة والتراث الأدبي المتعامل معه إلا أنهم ظلوا محصورين ضمن أطر أيديولوجية ضيقة: «شعب الله المختار - العقل الإنساني - أصحاب

الوعي الإلهي».

 

تبشير أيديولوجي

علا صوت الأدب الداعي للصهيونية في القرن الثامن عشر من خلال شعراء وكتاب غربيين كبار.. من أشهرهم الشاعر الإنجليزي لورد بيرون.

وإذا ما قسنا الأدب الصهيوني إلى آداب الأمم الأخرى خرجنا بنتيجة مؤداها أن هذا الأدب الصهيوني إن هو إلا تعبير لا يغوص إلى العمق، إنما يسير باتجاه السطح لغاية إعلامية تخدم أهدافا سياسية في العصر الحاضر كما كانت في العصور الوسطى.

واستقراء إبداعات هذا الأدب يقودنا إلى حقيقة أخرى، وهي أن الأدب الصهيوني قد سبق الصهيونية السياسية في بلورة الأفكار الشوفينية والإعداد لاغتصاب فلسطين فالبناء الهيكلي العام للأدب العبري كان منذ ما قبل مرحلة إنشاء المجتمع الصهيوني جزءًا من البناء الأيديولوجي السائد، وواحدة من أدوات التبشير الأيديولوجي وآلة من آلات التوجيه القيمي والنفسي للقارئ في إطار البرامج العملية للأيديولوجية النظرية. 

ولم يكن نجاح الجهود الصهيونية في إنشاء «إسرائيل» عام ١٩٤٨م نقطة تحول في اتجاهات الأدب العبري الأساسية إلا من حيث اتجاه قطاع منه إلى الاهتمام بمشكلات الصهر الاجتماعي داخل المجتمع «الإسرائيلي»، لقد كان هذا النجاح نقطة تأكيد حسّية على صدق مقولات الأيديولوجية الصهيونية وقابليتها للتحقيق الواقعي في نظر جماهير الصهيونية وبالتالي كان هذا النجاح تثبيتا لاتجاهات الأدب العبري المعاصر السابقة في تصور الذات اليهودية وعلاقتها بالعالم الخارجي والأرض العربية. 

ذلك أن الأدب العبري الذي دخل تحت جناح الحركة الصهيونية السياسية عند نشأتها، بل وراح يمهد لها التربة قبل ظهورها منذ عام ١٨٨٠م، وهو بداية ما يُعرف في المصادر الصهيونية بأنه «عصر الإحياء القومي اليهودي... نشأ متشبعًا بفلسفتها، ومعبرًا عنها سواء في جانبها الوصفي أو في جانب الحلول التي تقدمها لأوضاع الأقليات اليهودية في العالم، ومن هنا غلبت مقولات هذه الفلسفة ومناظيرها في تصور الذات والعالم الخارجي على الرؤية السائدة في هذا الأدب وطبعته بطابعها. والحقيقة الثالثة: هي أن الأدب الصهيوني ابتدأ إشعارًا دينية وتراتيل وأدعية وأشواقًا رومانتيكية موضوعها التوراة وأرض الميعاد والتطلع المستمر إلى الأرض الخالية التي تنتظرهم لإعمارها ونقل الحضارة إليها، ولما لم يكن يربط اليهود في أرض الشتات روابط جغرافية واجتماعية لجأت الصهيونية الأدبية إلى اللغة العبرية لتكون الخيط الواصل بين فئات مختلفة المشارب والأهواء وحاربت كل توجه لإلغائها، أو استبدالها بلغات أخرى حتى لغة اليديش التي يستعملها يهود أوروبا الشرقية (وهي مزيج من العبرية والألمانية والسلافية).. فالعبرية - في نظر الصهاينة - هي اللغة القومية التي تحمل - سمات مميزة، وتهدف إلى غاية مرتبطة بالتاريخ التلمودي، وصاحب هذه المبادرة هو الصهيوني الأديب أحاد ها عام، الذي طرح شعار آخر يهودي، وأول عبري، والذي صار شعارًا صهيونيًا في الميدان الثقافي والسياسي.

 

مفهوم شائع

والأدب الصهيوني - في مجموعة - أدب ملتزم كما يرى عدد كبير من الباحثين فهو شديد التعبير عن الواقع الاجتماعي والسياسي «الإسرائيلي»، ويُجمع هؤلاء الباحثون على أن مفهوم الالتزام في الأدب يعد واحدا من أبرز المفاهيم المسيطرة على الحياة الفكرية والأدبية في «إسرائيل»، وتعلق الباحثة «د. ريزال دومب على شيوع هذا المفهوم بقولها: «إن الكتاب اليهود في العصر الحديث اعتنقوا فكرة حركة التنوير التي آمنت بدور الكاتب كمعلم للمجتمع، لقد استشعروا عبء وعيهم ومسؤوليتهم الاجتماعية».

وتدل هذه المقولة لورد بیرون على أن الأدباء «الإسرائيليين» شديدو الارتباط بواقعهم وبظروف مجتمعهم، ونظرا لسيطرة نزعة الالتزام في الأدب على فكر الكتاب «الإسرائيليين»، فقد كان من الطبيعي أن يسيطر الاتجاه الواقعي على الأعمال الأدبية الصادرة في «إسرائيل». 

وهذا الالتزام الحاد انعكس في الأعمال الأدبية الصهيونية «شوفونية» عدوانية تتفجر بالغضب الذي يقف أمام التسامح منذ البداية، مقاوما أي تطلع جدي لحل «المشكلة اليهودية»، ممارسا التزوير وقلب الحقائق، مرتكزا على أحداث الماضي لتبرير أحداث مستحدثة تبعد عن ذاك الزمان وذاك المكان مثيراً عداء الشعوب بسلوكيته الشاذة علىالصعيد العملي والنظري. 

ومن القصائد الناضحة بهذه الروح، قصيدة الشاعرة الإسرائيلية «أنا نجرينو» (۳)

وفيها تقول:

أوصتني أمي منذ الطفولة

ليكن عملك بتصميم وتعصب 

حتى لو امتدت يدي يوما بغضب

لا تغفري لي

ابنتي، ولا تسمحي 

قالت لي أمي بأني

ابنة لشعب غني بالأسفار 

والأغيار جهلة

حثتني أن أكون بالمقدمة

لأني يهودية

قالت أمي: 

إنني ابنة شعب

لا يقبل الضياع

واجبي مواصلة الدرب 

درب أبي

لمواجهة الأغيار الأعداء

ولو كانوا كل العالم

روح عدوانية متعالية

وهذه الروح العدوانية المتعالية انعكست كذلك في الإزراء بالعربي الفلسطيني والتحقير من شأنه، ووصفه بأحط الصفات فبعد تنفيذ وعد بلفور، وظهور الفلسطيني المقاتل من أجل حقوقه المشروعة، وصف في أدبيات الصهاينة بأنه إرهابي وجبان ومتوحش ومثير للرعب، وأنه لا يقوم بعملياته العدوانية إلا في الليل، أما النهار فإنه يرتدي فيه لباس المسكنة والضعف. 

يقول «آحاد هاعام»: «إن المستوطنين الصهاينة يعتقدون أن العرب جميعًا متوحشون يعيشون مثل الحيوانات ولا يفهمون ما يدور من حولهم».

ويقول ج. كوهين: «إن العربي مجرد مخلوق غريب يرتدي جلبابا ممزقًا، وغطاء قذرا للرأس وتلتف زوجته بثوب أبيض ويسير أطفاله حفاة... إنه ليس قذرا فحسب، بل هو أيضًا لص وكذوب وكسول وعدواني».

ويقول عاموس عوز في قصة البدو الرحل والثعبان»: «إنهم يسرقون ثمار الفاكهة غير الناضجة التي في البساتين ويفتحون الحنفيات ويسرقون حظائر الدجاج، وينتفون ريش الطيور».

ويصف س. يزهار القرى العربية في قصة خربة جزعة عندما كان موجودا في السهل يستعد مع زملائه للهجوم على القرية، فيقول: ..العرب القذرون المتسللون لإحياء نفوسهم القاحلة في قراهم المهجورة أي دخل لنا ولشبابنا وأيامنا الغابرة بقراهم المقملة والمبققة والمقفرة والخانقة، هذه القرى الخاوية سيأتي اليوم الذي تبدأ فيه الصراخ.

ومقابل هذا، يصور الأدب الصهيوني شخصية «الإسرائيلي»، بصورة البطل المغوار الذي يحقق النصر، ففي إحدى قصائدهم:

اعتمر الخوذة

استعدادًا المسيرة الدم

جائلا بعينيه إلى النار الحمقى

امتشاق السيف جزء من آدميته 

لرعشة الفرح

وإحالة الحرب إلى سعادة

وارتفع مؤشر معنويات المستوطنين بعد رحلة الرئيس المصري السادات إلى القدس عام ١٩٧٧م، وعبروا عن ذلك بالرقص في شوارع تل أبيب والقدس وحيفا وغيرها، وتزداد درجة التعالي بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام ۱۹۷۸م.

أما الأدب الذي شارك المستوطنين اغتباطهم، فقد كان أكثر تعبيرا عن حالة «الانتصار» الذي حصلوا عليه دون ضحايا حيث كتب الشاعر الصهيوني ديدي منوسي(4):

لنتنفس الصعداء

فإذا لم نكن نعيش حلمًا

فلنقيد كل شروطنا

ومتطلباتنا

بتأكيد عدم الفصل

بين ما نريد وما نأخذ

ونكتفي بهذه النماذج من الأدب الصهيوني فهي - في مجموعها - تبرز أهم سمات هذا الأدب وطوابعه، فهو:

- أدب أيديولوجي ملتزم، وكثير منه ينطلق من مرتكزات توراتية دينية حادة. في تعامله مع الشؤون العالمية العامة ومعايشته للشؤون السياسية والاجتماعية الوطنية تهيمن عليه مجموعة من العقد المتناقضة، مثل عقدة الضعة وعقدة الشعور بالاضطهاد، وعقدة الاستعلاء التي تجسدت عنده أخيرا.

- أدب عنصري، اتخذ من مقولة معاداة الآخرين للسامية، منطلقا لمعاداتهم للآخرين والدعوة إلى الانتقام منهم عسكريا واقتصاديا واجتماعيا، وتمجيد الصهاينة «كعنصر» راق له تميزه وتفرده عقليًا ونفسيا.

 

شرط بدهي

وبعد هذه المسيرة، التي طالت بعض الشيء، يتضح لنا في جلاء أن هناك آدابًا أيديولوجية ودينية لها مكانها ومكانتها على المستوى العالمي، ولكل أدب منها كتابه الملتزمون.

- فهناك أدب ماركسي يرفع لواءه شيوعيون يؤمنون بالماركسية.

- وهناك أدب وجودي يبدعه وجوديون مؤمنون بالوجودية (5). 

- وهناك أدب مسيحي عالج كل الأجناس الأدبية، له كتابه وأدباؤه من المسيحيين. 

- وهناك أدب صهيوني له ملامحه وطوابعه المميزة ينتجه يهود صهاينة.

وقد لا يعلن هؤلاء صراحة اشتراط، الهوية العقدية والدينية في المبدع حتى يُحكم على أدبه بالهوية نفسها، فتلتقي هوية الأدب وهوية الأديب أي هوية النص بهوية الناص، وذلك لأن هذا الشرط متحقق في المبدع بداهة ولا يحتاج إلى نص يلح عليه وينبه إليه.. والخروج على هذا الوصف يُعد استثناء لا يُقاس عليه.

فلماذا يرفض كتاب ونقاد «مسلمون» اشتراط مسلميه المبدع، حتى يصدق وصف الإسلامية على إبداعه؟!!

 

الهوامش

(۱) وعن كيفية انحراف اليهود بدينهم السماوي إلى وثنية عاتية وتصورات عقدية وفكرية هابطة وسلوكيات بعيدة عن الدين والخلق بعد موسى: راجع سيد قطب، خصائص التصور الإسلامي، ص ٣٩ - ٤٦ 

(۲) عاش لورد بیرون حاقدًا على المسلمين والدولة التركية وكان أحد أعضاء مذهب الفعالية، وهو مذهب يؤيد استعمال العنف لتحقيق الأغراض السياسية، ولاقي بيرون، حتفه وهو يحارب في اليونان ضد الأتراك.

(۳) نُشرت في صحيفة «عل همشمار» الصهيونية بتاريخ ١٩٧٨/٩/١٥م.

(٤) نُشرت في صحيفة معاريف العبرية بتاريخ ١٩٧٨/٥/١٠م.

(٥) كان لبعض كبار الوجوديين منازع صهيونية و من هؤلاء، جان بول سارتر، الذي كان شديد العناية بالدفاع عن السامية والحملة على حركة المقاومة لها (Anti-Semitism) كما وصفها في محاضرة مطبوعة ترجمت إلى الإنجليزية ونشرت في إبان معارك فلسطين بعنوان «صورة عدو اليهود»  portrait of the anti-Semite

انظر: عباس العقاد، بين الكتب والناس، ص ٢٥.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 5

248

الثلاثاء 14-أبريل-1970

لِمن تُدق الأجْراس في تل أبيْب؟!

نشر في العدد 17

122

الثلاثاء 07-يوليو-1970

اليهود في روسيا

نشر في العدد 35

88

الثلاثاء 10-نوفمبر-1970

يوميات المجتمع (35)