; اتهام الكيان الصهيوني.. هل يغيّر طبيعة محكمة الحريري أم وظيفتها؟! | مجلة المجتمع

العنوان اتهام الكيان الصهيوني.. هل يغيّر طبيعة محكمة الحريري أم وظيفتها؟!

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر السبت 21-أغسطس-2010

مشاهدات 74

نشر في العدد 1916

نشر في الصفحة 66

السبت 21-أغسطس-2010

المعلومات التي قدمها السيد حسن نصر الله الأمين العام لـ «حزب الله» بشأن دور «إسرائيل» في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري «يرحمه الله» تبعث أكثر من رسالة، وتخدم أكثر من هدف.. وبداية لا بد من إيضاح الافتراض بأن هذه المعلومات موجودة منذ واقعة الاغتيال، لكنها لم تكن معروفة – فيما يبدو – كاملة لـ «حزب الله».

وقد يدفع توقيت الكشف عن هذه المعلومات بعض المحللين إلى افتراض أن الحزب قدم هذه المعلومات حتى يدفع عن نفسه الاتهام الذي سربته المصادر «الإسرائيلية»، وأنه كان يملك هذه المعلومات من قبل ولم يتحرك إلا عندما حامت الشبهة حوله، وحتى لو صح هذا الافتراض فإن «حزب الله» كان يراقب مسيرة محكمة الحريري وهو واثق بأنها تسير في إطار خطة سياسية تستهدفه بالأساس، لأن درجة أهمية أي طرف تتناسب مع درجة استهدافه، ومع درجة تعويقه للمشروع الصهيوني.

ويدرك الحزب قطعًا أنه لا يمكن الفصل بين قدرة «إسرائيل» على تشويه الحقائق وتضليل التحقيق، وبين استجابة واشنطن للمخطط الصهيوني، ما دامت المسألة في النهاية ترتد إلى هذا الصراع الأوسع بين مشروع استعماري إحلالي صهيوني، وبين أمة هزمت إرادتها ولم يبق صامدًا إلا مقاومتها الظاهرة، التي خاضت معارك عسكرية حقيقية أقنعت قوات الاحتلال بأنها إزاء عقبة حقيقية، بعد أن أخضعت الحكومات العربية لمتطلبات القهر الصهيوني.

هذه المعلومات التي قدمت –سواء أكان مصدرها العملاء، وهم أصدق قولًا من شهود الزور المصدر الوحيد للاتهام لدى الطرف الآخر، أم كان مصدرها صور النشاط الأمني والجوي فوق مسرح الجريمة –تشكل كلها قرائن لا يمكن إغفالها من التحقيق، كما تقدم أساسًا صلبًا للاتهام، ما دام سيظل كذلك حتى تمحصه المحكمة المختصة وفق إجراءات عادلة تفرز الحق من الباطل.

ولكن اتهام الكيان الصهيوني يتعزز بثلاثة افتراضات حقيقية، كما يثير المشكلة الدائمة، ويصطدم بالحائط ويرتد إلى نقطة البداية.

الافتراض الأول: أن من قتل الحريري هو المستفيد من قتله، ولا أظن أحدًا من سورية أو «حزب الله» يهمه قتل الحريري، بل إن الحريري كان محسوبًا على التيار العروبي القومي، وقد بهرتني كلمته قبيل الاغتيال بأيام في «منتدى دبي للإعلام» فيما أذكر، وكانت نبراسًا لأي عمل عربي فعال، كما كان الرجل صوتًا للعقل وكابحًا للتطرف. المستفيد الوحيد هو الكيان الصهيوني، وأهم مكاسبه تمزيق اللحمة السورية اللبنانية، واضطراب النسيج اللبناني، وفرز القوى كما حدث بعد هذه الجريمة.

الافتراض الثاني: أن المحكمة جزء من المخطط السياسي الذي بدأ بقرار مجلس الأمن (١٥٥٩) ، فقد كان مجلس الأمن جاهزًا يوم الاغتيال ببيان رئاسي شكل لجنة لتقصي الحقائق، قدمت في نهاية تقريرها افتراضًا بأن الشك يحوم حول سورية لمجرد أنها كانت تتمتع بنفوذ أمني هائل في لبنان، بل إن القرار نفسه تجاهل الحكومة في لبنان، ثم فرض القرار (١٥٩٥) بلجنة التحقيق الوصاية على سورية ولبنان، ووضعهما موضع الاتهام.

الافتراض الثالث: هو أن المحكمة نشأت أصلًا بعد تحريف مهمة لجنة التحقيق التي كلفها قرار مجلس الأمن (١٥٩٥) باستجلاء الحقيقة في اغتيال الحريري، فإذا برئيسها الأول «ميليس» يجعل مهمة اللجنة البحث عن أدلة تثبت أن سورية هي المتورطة في قتل الحريري، ثم إن اللجنة لم تنه تحقيقها بأدلة ترشح بها المتهمين، وإنما استعجلت تشكيل المحكمة استنادًا إلى أن الأدلة الحاسمة سرية وسوف تقدم إلى المحكمة!

ولما كانت الشكوك السياسية والقانونية تحيط بهذه المحكمة من البداية، فقد كان يتم التلويح بها في الساحة اللبنانية لإرهاب الفريق الآخر، بل بلغ بالبعض الثقة في كراماتها، أن اعتبر مجرد تشكيلها رادعًا يوقف سلسلة الاغتيالات.. ولا شك أن المحكمة هدف نبيل في شكله، لكنه «ملغوم» في مضمونه، فالتمسك بعدم إفلات المجرم من العقاب مبدأ نبيل، ولكن من هو المجرم الحقيقي؟

هذا السؤال يرتد بهذه القرائن إلى نقطة البداية، وأعتقد أن كثيرًا من الأطراف يعلمون الحقيقة، سواء من مسار التحقيق وتخبطه، أو استعانة اللجنة بشهود الزور الذين فضحوا هذه اللجنة وكشفوا زيفها أو باعتقال القيادات الأمنية حتى لا تضبط مستندات الحقيقة، وشل يدها عن الملاحقة.

وقد أشارت اللجنة في أحد تقاريرها إلى أن عملية الاغتيال لا تقوم بها إلا دولة لديها إمكانات هائلة، ثم نشر محقق ألماني كتابًا عن الموضوع، افترض فيه أن المادة المتفجرة هي نفسها التي استخدمت في أحداث ۱۱ سبتمبر ۲۰۰۱م، وهي نفسها التي سقطت بها طائرة «العال» فوق «أمستر دام» عام ۱۹۹۹م، ولا توجد إلا في مخازن «البنتاجون».، ولذلك كتبت منذ سنوات أن من اغتال الحريري هو من رتب أحداث سبتمبر، وهو من خلط الأوراق في العالم وفي المسرح العربي!!

ويبقى السؤال: هل تجرؤ محكمة –هذه خلفيتها– على مواجهة «إسرائيل» بكل هذه القرائن؟ وإذا كانت المحكمة نفسها تدرك دورها.. فما أهمية تزويدها بهذه القرائن ما دامت تعمل وفق سيناريو سياسي في ثوب العدالة الدولية البراق؟ وهل تستسلم المحكمة وتعترف وتنسحب أمام محكمة الحق وسطوع الحقيقة؟!

نقطة البداية هي أن تعود المحكمة إلى التفويض الأصلي في القرار (١٥٩٥) لتعرف على وجه اليقين من ارتكب هذه الجريمة النكراء.

ولا تختلف عندي محكمة الحريري التي ترتدي ثوب العدالة المزيفة عن المحكمة الجنائية الدولية التي تسعى إلى تفتيت السودان باسم العدالة أيضًا، وهذا جديد الاستعمار بعد أن انكشفت رسالته المقدسة في تحضير شعوبنا وتمدينها!!

الرابط المختصر :