العنوان من ذاكرة الظلم السوري.. استعصاء صيدنايا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 20-أبريل-2013
مشاهدات 116
نشر في العدد 2049
نشر في الصفحة 26
السبت 20-أبريل-2013
مركز مسار للتقرير والدراسات
بدأت الحادثة عندما بدأ الرقيب أول مسؤول جناح العقوبات في سجن صيدنايا جولة في الجناح الذي كان ممنوعًا فيه استخدام الكهرباء والإضاءة داخل المهاجع ليلا، وعندما بدا له أن أحد تلك المهاجع يستعمل الكهرباء تتبع أمره إلى أن شاهد شريطا كهربائيًا ممتدًا من سقف الممر إلى داخل المهجع عن طريق أعلى الباب.
توجه نحو ذلك الباب وفتح «الطاقة» وصرخ في السجناء مهددًا ومتوعدًا بإنزال العقوبة بهم غير الشتائم المذلة والعبارات الكفرية التي استفزت السجناء في هذا المهجع، فقاموا جميعا وتوجهوا نحو الباب، وراحوا يطرقونه طرقًا شديدًا، سمع صوته في كل المهاجع ، وكانت جميعها مقفلة، وتنادوا جميعا بالتكبير، فتجاوب نزلاء بعض المهاجع الأخرى معهم وقاموا إلى أبواب مهاجعهم وطرقوها مرارا مع تعالي أصوات التكبير
تفاجأ الرقيب المجند بذلك، وفر باتجاه «المسدس»، وهى الساحة الداخلية التي تتوسط السجن وتلتقي عليها أضلاعه الثلاثة، وما لبث أن عاد مصطحبًا رئيس السجن العقيد علي خير بيك، ومعه جلاوزة التعذيب ودله على المهجع المتمرد والمهاجع المتضامنة، فسارع العقيد ومن معه إلى إخراج المشتبه بهم سواء منهم من قام بمد خط الكهرباء ومن قاموا إلى الباب وطرقوه وكبروا في هذا المهجع وبقية المهاجع المتضامنة معه، ثم طفقوا يضربون بعضهم في الممر على مرأى ومسمع زملائهم، بينما قيدت أيدي البعض الآخر ونزلوا بهم إلى الزنازين المنفردة ليُضربوا هنالك
وتسمع أصواتهم في أرجاء السجن كافة، لكن سجناء هذا الجناح المنكوب لم يتمالكوا أنفسهم وعملوا خلال فترة وجود العقيد خير بيك في الممر الخاص بجناحهم على خلع أبواب المهاجع واستخدام غازات الطبخ الصغيرة، حيث كانت متاحة آنذاك، لفتح فجوات في جدران المهاجع المطلة على الممر.
وهكذا فوجئ العقيد خير بيك بجموع السجناء تخرج عليه من بين يديه ومن خلفه، مسلحة بما تيسر معها من أدوات حادة وغازات الطبخ الصغيرة، وقد رمي بعضها باتجاهه، لكن الانفجارات التي سببتها لم تؤد إلى إيذاء أحد، بيد أنها أحدثت بلبلة واضطرابًا، وسقط العقيد وسط هذا الاضطراب، وتدافع السجناء نحوه أرضًا، وهرب بعض المجندين الذين كانوا برفقته وخلال لحظات دراماتيكية أصبح تحت قبضة السجناء وتحت رحمتهم وتدخل العقلاء من السجناء وعلى رأسهم الشيخ سمير البحر، وكان يحظى بثقة وتأييد تيار واسع من الإسلاميين المسجونين في سجن صيدنايا فشارط العقيد خير بيك على جملة شروط إن تعهد بتنفيذها فسوف ينجو بحياته.
ومن أهم المطالب التي وجهت للعقيد فتح الزيارة الدورية للسجناء من غير المحكومين إذ كان غير المحكومين محرومين منها طيلة مدة توقيفهم ما لم تبدأ محاكماتهم، وقد شكلت مسألة البقاء بلا محاكمة معاناة أخرى تشمل غالبية السجناء، حيث كانوا محرومين من جملة مزايا كان المحكومون «من قبل محكمة أمن الدولة يتمتعون بها على غرار السجون المدنية إلى حد ما، تلك المحكمة الاستثنائية التي لم يكن أحد ليطمع بالمثول أمام قضاتها العتاة لولا أن هذا المثول يشكل عنوانًا لمرحلة جديدة بالنسبة للسجناء السياسيين، وذلك بانتقالهم إلى خانة «السجناء القضائيين».
وينقل السجين بموجب ذلك إلى الأجنحة التي تضم المحكومين فقط، أو من هم في حكمهم، بمعنى أنهم قيد المحاكمة، وكان سجن صيدنايا يضم آنذاك ما يزيد على ١٥٠٠ سجين، ولكن المحكومين منهم أو من هم قيد المحاكمة كانوا يعدون ما بين ۲۰۰ – 300 فحسب.
ومن تلك المطالب أيضًا الكف عن عقوبة «الدولاب» المتكررة في كل مناسبة، وتحسين معاملة الشرطة مع السجناء، والابتعاد عن الشتم والعبارات المتضمنة «كفرًا» صريحًا وإهانة للمعتقد الإسلامي، وآخر تلك المطالب وأولها تنفيذًا هو إعادة السجناء الذين تم زجهم بالمنفردات إلى مهاجعهم. فوافق العقيد خير بيك، وكان للسجناء ما طلبوا ، فأعيد أهل المنفردات إلى مهاجعهم بجوار زملائهم، وفتح باب الزيارات الشهرية لكل السجناء دون استثناء، وتحسنت المعاملة بشكل عام، وباتت شرطة السجن أكثر حرصًا على مراعاة المشاعر الدينية لهم.
ولكن، وبخلاف ما ظهر، كان العقيد خير بيك يخطط لشيء ما في السر، ويتحين الفرصة المناسبة لتنفيذه.