; مسار الفكر الإسلامي في إندونيسيا | مجلة المجتمع

العنوان مسار الفكر الإسلامي في إندونيسيا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يونيو-1998

مشاهدات 83

نشر في العدد 1302

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 02-يونيو-1998

بقلم: د. داود رشيد([1]*)

الفكر الإسلامي في إندونيسيا_ كأي بلد من بلدان العالم الإسلامي _يعاني من مشكلات داخلية وخارجية، فقد تعرض منذ زمن- ولا يزال حتى الآن - لهجوم الحركة التنصيرية الشرسة، ثم تعرض للغزو الفكري والثقافي من جانب الغرب.

ويمكن اعتبار الاستعمار الهولندي مخططاً أساسياً لهذا الصراع في هذه المنطقة، فالاستعمار هو الذي أتى بالنصرانية ونشرها في أوساط المسلمين، ولذا حمل النصارى الإندونيسيون الطابع الاستعماري في دنياتهم، ثم زرع- خلال فترة استعماره البلاد مدة أربعة قرون تقريبا- بذور العلمانية في الحكم والتعليم وتولي رعايتها، إدراكاً منه لخطورة هذين المجالين في تحديد مستقبل الأمة، فقامت السلطة الاستعمارية بفصل الدين عن التعليم، فهناك مدارس حكومية تدرس العلوم التجريبية والإنسانية، ولا تلقي بالاً للعلوم الشرعية، وأغلب هذه المدارس يقع في القرى البعيدة عن المجتمع الحضري- تهتم بالعلوم الشرعية ولا تعرف العلوم التجريبية.

وترتب على هذا- فصل الدين عن التعليم- حدوث انقسام بين أبناء الجيل الواحد في التوجه على المستوى الفكري والثقافي، قسم مثقف بالثقافة الأوروبية لا يعرف عن الإسلام شيئاً، وأخر متدين تقليديا لا يعرف عن التطورات الحضارية إلا القليل، هذا الانقسام مازال يسيطر على المسار الفكري والسياسي والتعليمي بشكل واضح، وكان بمثابة نواة للعلمانية.

ولم يقف الاستعمار الهولندي عند هذا الحد، بل دخل إلى عمق الإسلام، فوظف أحد رجاله وعملائه، وهو المستشرق والمنصر الخبيث (سنوك هورخرونيه) Snouck Hurgonje لتحريك المفاهيم الإسلامية حيث تظاهر بالإسلام وأدعى أنه واحد من أبناءه ليشكك في العقيدة، ويطعن في السنة، ويهاجم الشريعة الإسلامية، وينشر سمومه في الفكر الإسلامي، فانخدع به بعض المسلمين العوام.

وكان من آثار الثقافة الاستعمارية التي زرع بذورها (سنوك) ظهور اتجاه يعرف بثقافة (التنوير)، تلك الثقافة التي تسير على نمط المستشرقين في الدراسات الإسلامية، وتلبس لباس الإسلام وتستخدم شعاراته مثل (التجديد) وترفع بعض رموز المفكرين المسلمين أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، ومحمد عبده، ورشيد رضا وغيرهم، لكن بمفهوم مخالف لمضمونه الحقيقي، وتحريف متعمد لآرائهم ، هي ليست تنويراً، وهم عن التنوير الحقيقي أبعد، بل هي ثقافة التزوير إن صح التعبير، فيدعى أحدهم مثلا أن صاحب (المنار) اعتبر اتباع الهندوس و البوذية وفرق الباطنية من أهل الكتاب، ويبيح أخر زواج النصراني بالمسلمة، وأدعى أن تلك من مظاهر التسامح، حتى لو يخالف النصوص الصريحة، ويتجاهل عواقب سيئة من جراء هذه العملية، حيث تشير الإحصائيات إلى أن عدداً كبيراً من هؤلاء المتزوجات ارتددن عن الإسلام.

وكأن من أساليبهم في الخداع استخدام الشخصيات الإسلامية البارزة، فجاء أحدهم إلى الفكر الإسلامي مثلاً، ورفع شخصية ابن تيمية وعظمة، بينما هو يشكك في عقيدة الإسلام، ويطعن في شريعته، ويردد أقوال المستشرقين ويجري وراءهم، ثم يدعى أن ذلك من باب (التجديد) وشتان ما بينهما، وصدق فيه قول الشاعر:

وكل يدعى وصلا بليلى         وليلا لا تقر لهم بذاك

واليوم، وبرغم من مرور نحو خمسة وعشرين عاماً من فرض ثقافة (التنوير) وحملته الإعلامية، لم يكتب لها النجاح في إقناع الشعب الإندونيسي المسلم بأنها هي الخيار في المسار الديني والثقافي، بل يشهد الواقع تطورات مغايرة تماماً لما كان يخططه أصحاب الثقافة التنويرية، ومخالفة لما يتوقعونه.

وقد بدأت الصحوة الإسلامية تصعد أمام التيارات المعادية للإسلام في كافة المستويات، ولم يعد في قدرة أحد دفع موجات الصحوة المتصاعدة يوماً بعد يوم، وبدأ الشعب الإندونيسي يدرك ويعي أن الإسلام الذي سبق أن حكم البلاد من شرقها في جزر (مالوكو) إلى غربها في (أشيه) على شكل الإمارات الإسلامية، وكان ذلك قبل دخول الاستعمار بقرون ويمتد إلى أيام حكم الاستعمار- هو الخيار الوحيد لمستقبل هذه الأمة.

من ناحية أخرى، استجابت الحكومة- بفضل الله- لبعض مطالب الشعب الإندونيسي المسلم إلى حد ما، فسمحت بإقامة مصرف إسلامي يطبق الشريعة في أمور المعاملات، وفتحت الأبواب أمام المسلمين ليستدركوا ما فاتهم من فرص في إدارة البلاد، بعد أن كانت تحت سيطرة النصارى، كما أنها أعطت شيئا من الحرية لأبناء الدعوة الإسلامية للتحرك في إصلاح أمورهم وممارسة هذه السياسات الإصلاحية، رغم أنها جديده النشأة ومحدودة النطاق، لن ترضيهم ولن تخدم مصالحهم، وبهذا فشلت جهود العمانيين، وفي مقدمتهم أنصار ثقافة (التنوير) في تحقيق أهدافها.

وبالإضافة الى ذلك، وعلى الصعيد الفكري، حقق الطيار الإسلامي إنجازات كبيره، إذ نجح في كشف ثقافة (التنوير) أمام المسلمين ومدى خطورتها في إجهاض الإسلام و تنحيته من مجالات الحياه المختلفة، ويمكن اعتبار حدث (مسرح اسماعيل مرزوقي الأدبي) في ديسمبر1992م من أهم الإنجازات في تاريخ الفكر الإسلامي في إندونيسيا، إذ نجحت جنود الغيورين من أبناء المسلمين في الكشف عن غطاء العلمانية وما حاولت تلبيسه على المسلمين، وذلك في مناظرة علمية بين الطرفين الإسلامي والعلماني حضرها آلاف من الطلبة المثقفين، وقد أدت هذه المناظرة في النهاية إلى تغلب الجانب الإسلامي على خصوم في الجانب العلماني ودحض شبهاتهم.

وكان لهذه المناظرة أثر إيجابي لم يكن من المتوقع حدوثه، حيث اهتزت القوى العلمانية والاستشراقية ومؤسساتها وقنواتها الإعلامية، وانتشر صيتها وسمع دويها في المراكز الاستشراقية بأمريكا وأوروبا، وجاءت ردود الافعال من جهات مختلفة داخل البلاد وخارجها ما بين مؤيد ومعارض، وقد كتب المستشرق الأمريكي المتخصص في الشؤون الإندونيسية، وليام ليدل في مقالاته التي نشرتها مجلة (علوم القرآن) الإندونيسية- وهي مجلة تحمل أفكار المستشرقين وثقافة التنوير حيث دافع عن العلمانيين بحماسة  شديدة وهاجم أنصار الصحوة واعتبر المناظرة من مظاهر الأصولية والتطرف وعدم قبول الرأي الآخر، ولكنه غفل عن التوفيق بين تفكير صادر عن العقل المجرد وبين رأي منحرف صادر عن الهوى وتقليد المستشرقين، وتعد هذه المناظرة هي الأولى من نوعها في تاريخ الثقافة الإسلامية الإندونيسية، وقد انكشف للجميع ما وراء المخططات الصهيونية في مجال الفكر والثقافة.

فالصهيونية تعطي اهتماماً كبيراً بالثقافة الإسلامية في إندونيسيا ويبدو ذلك واضحاً في مشروع تبادل المنح بين الجماعات الإسلامية الحكومية الإندونيسية وبين مراكز الاستشراق في أوروبا مثل معهد الدراسات الإسلامية بجامعة مالك جيل بكندا وجامعة ليدن الهولندية وبعض معاهد الاستشراق في أمريكا كجامعة شيكاغو وغيرها فهؤلاء يستقبلون الطلبة الإندونيسيون لدراسة الإسلام لديهم ومن خلال ذلك يغرسون في نفوس الطلبة مناهجهم في الدراسات الإسلامية مثل قبول الفكر الإلحادي والأفكار المنحرفة باسم تبادل الآراء والتفاهم والحوار، والتشكيك في ثبوت السنه باسم الموضوعية والنقد العلمي، وما زالت كندا حتى الآن ترسل مستشرقيها للتدريس في الجامعة الإسلامية الإندونيسية كما تستقبل الإندونيسيين في جامعة ماك جيل للدراسات العليا لديها، وكذلك الحال لدى بعض الجامعات الأمريكية و الهولندية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تخطيط بعيد المدى لهدم الإسلام من أساسه، كيف؟ لأنه هؤلاء الطلبة حاملين الدكتوراه سيحتلون مناصب استراتيجية في بلادهم ويتحدثون باسم الإسلام الذي كانوا يدرسون على أيدي المستشرقين، وللأسف كان موقف الحكومة الإندونيسية تجاه هذه المشروع الخطير موقف الترحيب والتشجيع دون أن تفكر في مدى خطورته على مستقبل الإسلام في إندونيسيا وقد سبق أن حذر المفكر الإندونيسي المعروف الأستاذ الدكتور محمد رشيدي الحكومة من خطورة المشروع على الإسلام ولا سيما أنه سبق أن قام بالتدريس بكندا وعلم ما خطط المستشرقون اليهود بداخلها ولدي خبرة طويلة  في التعامل معهم و مناهجهم، جمله لم يجد أذانا تسمع لهذا النداء.
 

[1](*) محاضر بالدراسات العليا بجامعة الشريف هداية الله بجاكرتا.

الرابط المختصر :