; كيف تتحرك أذرع المخابرات الأوروبية في تونس بعد الثورة؟! | مجلة المجتمع

العنوان كيف تتحرك أذرع المخابرات الأوروبية في تونس بعد الثورة؟!

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 18-مايو-2013

مشاهدات 55

نشر في العدد 2053

نشر في الصفحة 28

السبت 18-مايو-2013

  • تقرير استخباراتي فرنسي يتحدث عن السيناريوهات القادمة وأهمية دعم المجتمع المدني والصحفيين
  • أي تصريحات سياسية فرنسية من نوع تصريحات وزير الداخلية الفرنسي تؤثر سلبًا على العلاقات بين تونس وفرنسا
  • التقرير: التيار السلفي في صعود وهناك احتمال قيامه بتأسيس حزب يشارك في الانتخابات القادمة
  • الوضع الاقتصادي في تونس صعب دون أن يكون كارثيًا وهو متأثر بالأزمة الاقتصادية العالمية

أكد تقرير صادر عن «المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية» - الذي تعتبره بعض الأطراف في داخل أوروبا وخارجها بأنه ذو طابع استخباراتي - متابعة فرنسا، ومن ورائها الاتحاد الأوروبي، لما يجري في بلدان «الربيع العربي»، وبشكل مباشر، ومواز للأطراف المحلية التي تعمل متطوعة أو باتفاق لصالحه.

وقد تحدث التقرير الذي حصلت «المجتمع» على نسخة منه عن إنجازات الثورة، والمناخ السياسي، والآفاق المستقبلية، ونقاط قوة وضعف «النهضة»، و«التيار السلفي»، وأزمة الأحزاب الحاكمة، والمعارضة، وتوصيات بشأن سيناريوهات المستقبل.

الوضع السياسي والاقتصادي: بدأ التقرير بالحديث عن الإنجازات، ومنها حرية التعبير حقيقية، للإعلام وللمواطنين، وحجم النقد الموجه للحكومة دليل واضح على ذلك، كما يسجل التقرير انخفاضًا كبيرًا في سجل قضايا التعذيب في مراكز الشرطة، ولا وجود لمساجين سياسيين، وهذا ما سجله أيضًا مندوب الأمم المتحدة الذي عاين الأوضاع في السجون التونسية.

 ووصف التقرير الوضع الاقتصادي بأنه صعب دون أن يكون كارثيًا، وهو متأثر بالأزمة الاقتصادية العالمية، ونسبة النمو حققت 3% في القطاع السياحي، كما أن الدولة لم تبلغ حافة الإفلاس نتيجة المساعدات الدولية واستمرار الاستثمار الأجنبي، وهناك ۱۲۰۰ شركة فرنسية لا تزال تعمل في تونس. 

ويشير التقرير تحت عنوان «مناخ سياسي ضار»، إلى اغتيال «شكري بلعيد»، وإلى وجود أزمة سياسية في قواعد الأحزاب الحاكمة، وأزمة في حزب «المؤتمر»، وأزمة ثقة داخل حزب «التكتل»، إلى جانب نقد واسع لـ«حزب حركة النهضة»، فيما يتعلق بإدارة الدولة والتعيينات الإدارية، وقيَّم الوضع الأمني بأنه هش واتهم الدولة من جهة بالعنف ومن جهة أخرى بالتواطؤ، لكنه أشار إلى ما وصفه بحرب إشاعات كبيرة تستهدف تدمير الصورة الحقيقية للوضع الأمني والسياسي والاقتصادي والسياحي.

وتحت عنوان «آفاق مستقبلية غامضة»، ألمح التقرير إلى أزمة حكومية تم حلها مؤقتًا بعد استقالة «حمادي الجبالي»، ومشهد سياسي جديد بصدد التشكل، على أساس توافقات وتحالفات جبهوية، ويلاحظ أن معدي التقرير يمتلكون من الحصافة والاطلاع الواسع ما يدعو للانبهار، لا سيما عند تقييم أداء الأحزاب السياسية، فضلًا عن معرفة دقائق الأمور في شكلها الطبيعي، بعيدًا عن العدسات السياسية أو الحرب القذرة على مستوى الإعلام في تونس. 

قوة «النهضة»

ويرى التقرير أن قوة حركة «النهضة» تكمن في دقـة الـتـنـظيم، وقوة شبكتها الاجتماعية في العمق التونسي، والقدرة على اختراق جهاز الدولة رغم قصر مدة تجربتها السياسية بعد الثورة، واستثمار خطباء المساجد «حوالي ٥ آلاف كما يقول التقرير» للتواصل مع الشعب في خدمة مشروعها المجتمعي، علاوة على روابط حماية الثورة وخطاب براجماتي ناجح.

أما نقاط ضعف حركة «النهضة»، وفق التقرير، فتتمثل في الاعتماد في الفوز على ناخبين ناصروها عقائديًا، وليس سياسيًا وهي بصدد خسارة هذا العمق الانتخابي الواسع نتيجة خياراتها في مواضيع الشريعة وأسلمه الدستور، حسب التقرير. 

ومن نقاط ضعف «النهضة» - أيضًا - أنها حزب يعتمد كثيرًا على المستضعفين والمحرومين ولا يمتلك رصيدًا انتخابيًا كبيرًا في الطبقة الوسطى والثرية، وقد استفاد من نسبة عدم مشاركة نسبة كبيرة من الشعب في التصويت، إضافة إلى إمكانية ذهاب عدد كبير من ناخبيها في صورة إنشاء أحزاب إسلامية قانونية منافسة «سلفية، أو حزب «التحرير»»، رغم أنه شق من السلفية، وحزب «التحرير» لا يؤمنون بالانتخابات.

معطى آخر يسوقه معدو التقرير كنقاط ضعف في «حزب حركة النهضة»؛ هو ضعف الخط الديمقراطي، المعتدل، داخل «النهضة»، والذي يمثله حمادي الجبالي، وعبد الفتاح مورو، ونقطة ضعف أخرى حسب تقويم التقرير هي الوضع الداخلي المعقد الذي أدى إلى نوع من الغموض والازدواجية في الخطاب لدى رئيس الحزب راشد الغنوشي؛ من أجل معالجة التجاذبات الداخلية والحفاظ على التماسك الداخلي للحزب.

ولم يغفل التقرير الحديث عن التيار السلفي الذي وصفه بـ«الصاعد»، واحتمال قيام تحالف سلفي يدخل الانتخابات القادمة، وأحداث عنف ومواجهات مع السلطة في اتجاه تصاعدي، ويؤكد ذلك ما يجري من مواجهات في جبل الشعانبي على الحدود الجزائرية بين مسلحين وقوات الأمن والجيش التونسيين!

ويعتبر التقرير حزب «المؤتمر» في حالة انشقاق، وحزب «التكتل» في حالة أزمة ثقة.

 المعارضة التونسية

أما المعارضة فيصفها التقرير بأنها «بصدد البناء»، ولا سيما حزب «نداء تونس» الذي لديه قدرة كبيرة على استغلال الماكينة الانتخابية الجهوية للتجمع المنحل، لكن نقاط ضعفه كثيرة، منها خلاف بين أطرافه، حيث إن جزءًا يرى ضرورة التعاطي مع «النهضة»، وآخر يرفض أي تعامل معها وغياب زعامات سياسية كاريزمية، وشخصيات قيادية حقيقية.

وفي تناوله لـ «الجبهة الشعبية» يرى بأن لديها عمقًا في صفوف العمال، ووعيًا بأهمية التخلي عن الخطاب العلماني المعادي للهوية الدينية، واستثمار زخم التعاطف الشعبي إثر اغتيال «شكري بلعيد». 

وخلاف التقارير وعمليات سبر الآراء التي تغفل «العريضة الشعبية» في بياناتها وحساباتها، فإن التقرير أشار إلى أنها رابع قوة سياسية بعد «النهضة»، و«نداء تونس»، و«الجبهة الشعبية» في كافة استطلاعات الرأي الأخيرة، ووصف خطابها بأنه شعبوي، مدعوم من رجال أعمال سعوديين، دعم يقدّم لقناة «المستقلة»، حسب التقرير.

ويعدد نقاط ضعف «العريضة» بتواجد زعيمها في بريطانيا، وغياب زعامات حقيقية في كتلتها النيابية، وخلافات نوابها، وترددهم بين البقاء، وخروج كثير منهم عن العريضة، والاستقالات تشكل تهديدًا قويًا لوضعها ويمكن أن يجعلها تنهار في الانتخابات القادمة.

بعد الأحزاب السياسية، أكد التقرير الدور الذي يمارسه «الاتحاد العام التونسي للشغل»، المتحالف مع قوى المعارضة بشكل واضح، وهو ماكينة قوية لتحريك الشارع ولديه نية واضحة للتدخل في الشأن السياسي.

سيناريوهات المستقبل

بعد هذا التقييم للساحة السياسية، يضع التقرير سيناريوهات المستقبل تونس وهي أربعة سيناريوهات أبيض وأخضر وأسود ورمادي.

 الأول «أبيض»: بعد تشكيل الحكومة الجديدة وصياغة الدستور والذهاب لانتخابات تشريعية في أكتوبر أو نوفمبر القادمين، ثم انتخابات رئاسية، تتمخض عنهما هزيمة لـ«النهضة» في الانتخابات، هزيمة طفيفة وانتصار لتحالف «نداء تونس» و «الجبهة الشعبية»، وقبول «النهضة» باللعبة الديمقراطية وقيادة المعارضة.

 الثاني الأخضر: تبقى «النهضة» في الحكم، وتتخلى عن حقائب الداخلية والعدل وصياغة دستور بروح إسلامية لا يقود بأغلبية برلمانية، وإنما بأغلبية طفيفة عن طريق استفتاء شعبي، أو تفوز «النهضة» بأغلبية طفيفة بدعم أحزاب سلفية، والبدء في عملية أسلمة الدولة.

 الثالث الأسود: استمرار المعارضة في تصعيد ضغطها واحتجاجاتها، وتنامي قوة رابطات حماية الثورة والدخول في دوامة عنف وفوضى واستقطاب ثنائي حاد يفضي إلى انهيار تماسك الدولة.

 الرابع الرمادي: المصادقة بسرعة على الدستور، نتيجة رغبة مشتركة بين طرفي المعادلة للوصول إلى توافقات، وفوز «النهضة» في الانتخابات بفارق طفيف، وتشكيل حكومة ائتلاف جديدة، واختيار رئيس حكومة توافقي يسعى لتعزيز الإصلاحات الهيكلية الضرورية. 

ويؤكد التقرير أن تونس دولة يمثل التدين والمحافظة فيها عاملين قويين جدًا، والتعلق الشديد بقيم الإسلام في نموذجه الوسطي يبقى مسألة مرجعية لغالبية الشعب، وأن الفوارق الاجتماعية بين جهات الداخل وجهات الساحل مازالت حادة ومحاربة هذه الفوارق الاجتماعية يجب أن تكون أولوية أي حكومة تقود البلاد، كما تتميز تونس عن باقي دول «الربيع العربي» بعدة خصائص تؤهلها لنجاح انتقالها الديمقراطي، حيث تتميز بنخبة ذات كفاءة وطبقة وسطى مهة، ومجتمع مدني قوي وملتزم، ورصيد اجتماعي جيد، وعدد كبير من حاملي الشهادات الجامعية المستعدة للدخول في الحياة الاقتصادية النشيطة، وخطاب إسلامي وسطي، ونموذج اقتصادي قابل للحياة، وانفتاح حقيقي على العالم، وبذلك تشكل تونس بالفعل مختبرًا حقيقيًا للديمقراطية العربية.

توصيات

ويختم التقرير بتوصيات حول دور فرنسا وأوروبا في تونس، حيث هناك حساسية شديدة تجاه التدخل السياسي الأوروبي والفرنسي نتيجة العلاقة الاستعمارية، ودعم حكومة «ساركوزي» ومن قبلة «شيراك» لنظام «بن علي»، وهذا المعطى مازال عالقًا في الأذهان، وزيارة الوفد البرلماني الفرنسي لتونس، رغم أنها كانت زيارة من أجل الاطلاع على التجربة التونسية، فإنها قوبلت برد فعل قوي من جانب الأوساط الشعبية والسياسية والمجتمع المدني، ونظر إليها بعين الريبة، ويوصي التقرير بالحذر عند إطلاق التصريحات حول تونس، أي تصريحات سياسية فرنسية من نوع تصريحات وزير الداخلية الفرنسي لها أثر سلبي خطير على العلاقات بين تونس وفرنسا.

ويشير التقرير إلى أن هامش تأثير أوروبا وفرنسا على الوضع السياسي الراهن ضعيف، ولكن أي فتور مع تونس سيقرأ قراءة سلبية؛ وبالتالي من الضروري الالتزام بمواكبة الثورة، والتعامل مع «النهضة» سواء كانت في الحكم أو المعارضة لا بديل عنه، والمعارضة يمكن أن تكون بديلا محتملا وذا مصداقية والدعم الفرنسي لتونس يجب أن يتطور.. وبخصوص «الاتحاد الأوروبي» يجب أن يدافع عن تونس ويتوسط لدى الأوساط المالية الدولية، خصوصًا لدى البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي والبنك الأوروبي للتنمية، ويجب أن يحرص على أن شروط هذه الجهات المالية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أوضاع تونس الداخلية.. ولم يغفل التقرير التأكيد أيضًا على ضرورة تدعيم التعاون الثقافي، وضرورة تطوير دعم المنظمات غير الحكومية، وتكوين القضاة، ومكافحة الفساد، وتكوين الأمنيين والصحفيين.

الرابط المختصر :