العنوان بعد مؤتمر أوبك هل يستمر الهبوط؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أبريل-1986
مشاهدات 70
نشر في العدد 761
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 01-أبريل-1986
*تضارب المصالح السياسية لبعض أعضاء المنظمة نقل الاختلاف إلى داخل المنظمة.
*أوضاع دول المنظمة تحتِّم التضحية بكل ما من شأنه أن يؤدي إلى تحسين الأسعار.
*المنظمة مطالبة أن تستفيد من تجارب الهزات وأن تعيد بناء سياستها على أسس ثابتة.
اختتم وزراء منظمة الأقطار المصدِّرة للنفط «أوبك» اجتماعهم رقم 77 في جنيف في الرابع والعشرين من الشهر الجاري بعد مداولات مكثفة امتدت لتسعة أيام دون التوصل إلى قرارات موحدة من شأنها أن تؤدي إلى وقف حالة التدهور التي تشهدها أسعار النفط، وبالرغم من تصريحات المتحدث باسم المنظمة «جيمس أودو» والتي لا تخلو من لهجة مشبعة بالتفاؤل خاصة عندما وصف انفضاض المؤتمر بأنه تأجيل من أجل مزيد من المباحثات إلا أن موجة من الاستياء والإحباط البالغ قد شيعت اللحظات الأخيرة للمؤتمر، وفي غضون ذلك صرح وزير النفط الكويتي الشيخ علي الخليفة بأن أسباب عدم التوصل إلى اتفاق عام ترجع إلى اختلاف الوزراء بشأن تحديد حصص الإنتاج الفردية ولقد كان موقف الكويت منفردًا في تقبُّل التضحية وتخفيض الإنتاج.
وبناء على ما ورد في البيان الصحفي الذي وزَّعته أمانة المنظمة عقب المؤتمر، فإن وزراء أوبك سيعودون للاجتماع في 15 أبريل المُقبل وستكون الفترة بين المؤتمرين «مارس، أبريل» فرصة كافية للتشاور والمفاوضات مع الأطراف المعنية والمنتجين من خارج المنظمة مع إعطاء الفرصة لتشاور الوزراء مع حكوماتهم من جانب آخر، ويعتبر المؤتمر الأخير واحدًا من أكثر مؤتمرات المنظمة فشلًا سيما وإن فترة انعقاده كانت الأكثر اتساعًا إضافة للأجواء التي أحاطت به والآمال التي علقت عليه.
أجواء التدهور اليومي في أسعار النفط وآمال شعوب وحكومات العالم الثالث التي مازالت ترجو من المنظمة أن تحدث التعادلية في ميزان العمل والاقتصاد الدولي، إلا أن المؤتمر أظهر خيبة الأمل في المنظمة التي فشلت في كسب معركتها في مواجهة التحدِّي الداخلي، ناهيك عن المعركة المتعددة الأطراف التي تخوضها من أجل السيطرة على أسعار إنتاجها.
في المؤتمر السابق الذي عقد في 9 من ديسمبر الماضي أعلنت المنظمة أن كفاحها سيتحول من أجل استعادة الحصَّة العادلة للمنظمة في الإنتاج والتي أدت الى إغراق الأسواق بالنفط مما زاد في تدهور الأسعار بشكل مخيف وفي مؤتمر 6 مارس الماضي تحولت المنظمة عن الحصة العادلة وسياسة الإغراق إلى سياسة تحديد سقف الإنتاج والتي ظلت تمارسها منذ أكتوبر 83 إثر انخفاض أسعار النفط من أجل استعادة السعر العادل وبين الحصة العادلة والسعر العادل يتضح تخبط المنظمة وفقدانها لدرجة التمييز وتحديد أرضية وميدان المعركة، وما يتبع ذلك من تخبُّط في تبنِّي إستراتيجيات متضاربة وخروج على أدنى درجات التخطيط المنظمة أو لكأن المنظمة لا تخطط لوضع سياساتها وإنما يخطَّط لها، وهنا يحق لنا أن نتساءل معركة من؟ وضد من؟
معركة الاتفاق
لقد أثبتت التجارب المختلفة أن أعظم التحديات التي كانت ومازالت تؤرق المنظمة وتهدد وجودها تتلخص في درجات الاختلاف المتفاقم بين أعضائها وأنها كثيرًا ما تؤثر تماسك المنظمة على حساب اتخاذ قرارات حيوية، ولقد تجسد ذلك في المؤتمر الأخير بدرجة عالية، فقد تفاوتت درجات الاختلاف بين الأعضاء من الدعوة لوقف الإمداد النفطي ووقف الإنتاج إلى حين ارتفاع الأسعار، «وقد تبنت هذه الدعوة كل من ليبيا والجزائر وإيران»، إلى الدعوة لزيادة الإنتاج أو بالأحرى عدم المساس بحصة الإنتاج الفردية وقد تبنت ذلك فنزويلا والتي وجدت تأييدًا من أغلب الأعضاء وهو أشبه بإبقاء الحال كما كان عليه، ودلالة على تجنب الارتفاع لمستوى الأحداث، وطالبت أكثر الدول إلى الالتزام بنظام حصص الإنتاج وتحديد سقف الإنتاج، إلا أن الاختلاف كان كبيرًا عندما بدأت كل دولة تطالب بزيادة حصتها من الإنتاج مما أدى لانفضاض المؤتمر دون التوصل لاتفاق على من مواجهة حرب الأسعار علمًا بأن أوضاع دول المنظمة تحتِّم التضحية بكل ما من شأنه أن يؤدي إلى تحسين أسعار النفط حتى تتجنب البدائل المزعجة التي قد تضطرها لها الظروف، فقد عاشت تلك الدول مراحل الانخفاض المزدوج من جراء انخفاض الإنتاج وانخفاض أسعار الدولار، مما جعل دخلها ينخفض إلى 50% قياسًا على عام 1980م، وفشل المنظمة في رفع درجات الالتزام والاتفاق على تنفيذ قرارات المؤتمرات كان حجر عثرة أمام انضمام مزيد من المنتجين للنفط للمنظمة لا سيما تلك التي تعايش نفس ظروف دول المنظمة، إلا أن دوافع الانضمام تكاد تكون مستعدة تمامًا في ظل الاختلافات التي تعاني منها المنظمة ولعل هذه الأجواء وراء تصريح الشيخ علي الخليفة ليذكر مؤخرًا بأن المنظمة تعاني من 50 ألف مشكلة على حد ما ورد في تصريح له لإحدى الصحف.
لقد عانت أوبك كثيرًا من اختلاف الأعضاء في تبنِّي سياسة تخرج بها من مطبات الشركات الاحتكارية الكبرى وعوائق وكالة الطاقة الدولية التي كانت دائما وراء زرع الانقسام بين أعضاء المنظمة عن طريق خلق المشاكل الجانبية لها، كما حدث في حرب الأسعار عندما أنزلت مخزون النفط للأسواق، وحطمت بذلك منظومة الأسعار التي بنت عليها أوبك إستراتيجيَّتها، يساعد في إبقاء أوضاع الاختلاف التبنِّي والنهج السياسي لدول المنظمة وإسقاط ذلك على أجواء المنظمة.
المعركة السياسية
سبق أن ذكرنا بأن النفط لم يعد في يوم من الأيام مجرد سلعة اقتصادية بقدر ما هو سلعة إستراتيجية ذات تدخل واسع في الأوضاع السياسية، وبهذا الحجم من النظرة للنفط تتدخل السياسة في مراحل إنتاج وتوزيع وتسويق النفط ودول أوروبا الغربية الصناعية والولايات المتحدة الأمريكية تحتاج بدرجة واسعة إلى نفط الأوبك الذي يشكل على مر مراحله 31 -50% من الإنتاج العالمي وانخفاض هذه النسبة إلى درجة أقل من 30% من الإنتاج العالمي يؤثر في ظل الأوضاع العالمية العادية، وقد يتسبب في نقص واسع في إمدادات الطاقة، ونظرًا لهذه الخطورة المترتبة على انخفاض الإنتاج، فان وكالة الطاقة الدولية «منظمة الأقطار الصناعية المستهلكة للنفط» تمارس أساليب عديدة من أجل الحفاظ على الإمدادات النفطية، وهنا تدخل الاتفاقات السياسية مع الدول المنتجة للنفط بما في ذلك دول منظمة الأوبك ولأن هناك كثيرًا من الدول ترتبط سياسيًّا بدول الغرب الصناعية، فإن وكالة الطاقة الدولية تجد أذُنًا صاغية لدى تلك الدول، ومن ثَمَّ تحدث الشرخ في أوضاع المنظمة.
ومن جانب آخر فإن تضارب المصالح السياسية لبعض أعضاء المنظمة كما هو الحال في خلافات العراق وإيران فقد كان ظاهرًا في المؤتمر الأخير نقل الاختلاف وأجواء المعركة الدائرة بينهما إلى داخل المنظمة، وانقسم المؤتمر مرات متعددة في جهات ثلاث إيرانية، عراقية، جبهة الحياد.
هذا في إطار السياسة المتبعة لدول المنظمة أما جوانب المعركة السياسية في قضايا النفط وحرب الأسعار الأخيرة هذه برزت بصورة واضحة للعيان في تبنِّي بريطانيا لسياسة الإنتاج المرتفع دونما إبداء أي تجاوب لدعوات الأوبك أو حتى حرب الأسعار التي جعلت سعر برميل نفط بحر الشمال «برنت» يصل إلى 13,45 دولارًا علمًا بأن هذا السعر لا يتجاوز سعر استخراج البرميل إن لم يكن أقل منه بكثير «استخراج البرميل يكلف في بحر الشمال ما بين 10-20 دولارًا» وكل المؤشرات تشير إلى أن بريطانيا لن تلقي اعتبارًا إلى دعوات الأوبك بشأن تخفيض إنتاجها من أجل استعادة الأسعار العادلة للنفط، هذا في الوقت الذي أبدت فيه دول أخرى مثل الاتحاد السوفييتي والصين وماليزيا ومصر استعدادها لتخفيض إنتاجها، فالمعركة السياسية هي التي جمعت هذه الأخيرة وتضامنها مع دول الأوبك ضد الاحتكارية التي تمارسها شركات النفط الكبرى والدول الصناعية الغربية.
المستقبل
من المتوقع جدًّا أن يتم المؤتمر القادم في موعده المحدد وأن يصاب بنفس النكسة وتعود وفود الوزراء دونما تحقيق الاتفاق المطلوب إلا أن الاتفاق لابد آت إن أتى المؤتمر القادم أو الذي يليه فإن الأوضاع السائدة لا تقبل إلا الاتفاق من أجل تعديل واستقرار أسعار النفط خاصة إذا ما دعت المنظمة لرفع السعر لأكثر من 20 دولارًا للبرميل، فإن الالتزام بإنتاج سقف لا يتجاوز 14 مليون دولار كاف جدًّا لرفع أسعار البترول كما ذكر ذلك الخبير الاقتصادي الأمريكي «جيمس إيكنز».
كما أن الدول الصناعية لا سيما الولايات المتحدة تضررت من أوضاع تدهور أسعار النفط وسوف يؤدي ذلك إلى إفلاس كثير من البنوك الأمريكية الكبرى، وانخفاض واسع في مستوى النمو للدول الصناعية، إذا ما استمرت حرب الأسعار وانخفاض أسعار النفط.
فالدول النفطية تعتبر من أكبر الدول مديونية، فالمكسيك والإكوادور ونيجيريا وليبيا ومصر تعاني من أرقام عالية من الديون واستمرار انخفاض النفط يؤثر بصورة مباشرة على المنظومة الدولية للاقتصاد وحتى لا يصاب الاقتصاد الدولي بالانهيار لا بد أن تعود أسعار النفط للارتفاع، فعلى المنظمة أن تستفيد من تجارب الهزات وأن تعيد بناء سياستها على ثوابت فليس كل كبوة مستدركة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل