; *أزمة حادة في نقابة المحاميين المصرية بين الخواجة والإسلاميين. | مجلة المجتمع

العنوان *أزمة حادة في نقابة المحاميين المصرية بين الخواجة والإسلاميين.

الكاتب بدر محمد بدر

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1995

مشاهدات 61

نشر في العدد 1132

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 03-يناير-1995

الإسلاميون رفعوا المعاش إلى ٧٠٠ جنيه شهريًا ومظلة العلاج شملت ٤٠ ألف محام وزادت الأرصدة المالية إلى ۱۷ مليون جنيه في عامين فقط!

وقائع التاريخ الحديث لنقابة المحاميين تكشف بدرجة كبيرة مدة ارتباطها باستقرار الحياة السياسية بمصر سلبا أو إيجابا، فإذا استقرت الأوضاع على المستوى السياسي والنقابي فإن ذلك يعني أن نقابة المحاميين هادئة، وإذا حدث العكس فمعنى ذلك أن الأوضاع في النقابة مشتعلة، بحيث أصبحت نقابة المحاميين تشكل «ترموتر» الحياة السياسية، ففي الأشهر الأخيرة لحكم «السادات » ازداد الخلاف بينه وبين النقابة بعد أن تصدت؛ لإصدار عدد من القوانين المقيدة للحريات، وأعلنت معارضتها للقيود على الحياة السياسية وحريات المواطنين، مما دفع السلطة إلى إعداد مشروع بتحويل النقابة إلى ناد يلتقي فيه الأعضاء وحرمانها من العمل السياسي، والدفاع عن الحريات العامة والتصدي للقوانين المقيدة لها، ازدادت الأزمة بين السادات وبين النقابة ولم يعجل بحلها إلا باغتيال السادات في أكتوبر 1981 م، وعادت الأوضاع إلى ما كانت عليه وأخذت النقابة وضعها السياسي باعتبارها نقابة رأي.

كان التيار الغالب على مجلس نقابة المحاميين في أوائل الثمانينيات هو التيار الوفدي، ثم بعض رموز التيار الشيوعي والتيار العلماني ونجح المجلس آنذاك في دعم قيام حزب الوفد بعد أن شارك في الدفاع عن قيامه أمام القضاء، الذي أصدر حكمه بأحقية حزب الوفد في العمل السياسي، ورفع العزل العمل على المفروض على «فؤاد سراج الدين» رئيس الحزب، وعدد آخر من قيادته وفي نفس الفترة، أوائل الثمانينيات أسس الإخوان المسلون عملا نقابيا بدأ بقيادة «مختار نوع» أمين الصندوق الحالي، بإنشاء لجنة الشريعة الإسلامية، وفتح فروع لها في النقابات الفرعية؛ بهدف تجميع وتوحيد صفوف المنتمين للطرح الإسلامي، وتعريف الآخرين علي منطلقات وأهداف وآراء الحركة الإسلامية، وأقامت اللجنة العديد من المؤتمرات والندوات والمعسكرات التي نجحت الانتباه، وحشد الطاقات واكتساب الخبرة في العمل النقابي وكانت النتيجة المباشرة فوز دينامو اللجنة والنقابي المتحرك «مختار نوع» بمقعد في مجلس النقابة عام 1985 م وحصوله على المركز السابع، وكان فوزه مفاجأة للكثيرين؛ لأنه استطاع اختراق حواجز «الشيللة» و «التربيط» وجماعات المصالح المستفيدة من العمل النقابي. 

حلقات مفرغة 

لم يشكل فوز «مختار نوح» أهمية كبيرة لأنه عضو من بين أربعة وعشرين عضوًا هم أعضاء المجلس، لكن الفترة التي  قضاها نوح في المجلس ( 1985- 1989) كانت فترة مليئة بالخبرة وفهم الأوضاع وكشف الخبايا والتمرس في الاتصال بجماهير المحاميين، في الوقت الذي استمرت فيه اللجنة الشريعة في العمل الانتشار والتجميع وتقديم البديل ،بينما تتواصل الأزمات بين التيارات داخل النقابة، مما أصابها بشلل شبه كامل، وبانتهاء مجلس (٨٥-١٩٨٩ ) دخلت أزمة نقابة المحاميين في دوامات وحلقات مفرغة من المنازعات والأحكام القضائية المتعارضة، وحدث شلل كامل في العامل النقابي وسط اتهامات متبادلة في الزمة المالية بين أعضاء المجلس، واستمرت الأوضاع المتدهورة من ٨٩ حتى 1992 إلى أن أجريت انتخابات شاملة في سيبتمبر92 نجح الإخوان في التخطيط لها، والاستفادة من حالة الإحباط التي أصابت جموع المحاميين من الممارسات النقابية السابقة، وشكلت للجنة الشريعة الإسلامية- بالنقابة العامة وفروعها بالنقابات الفرعية-  القوة الضاربة الجديدة التي مكنت حركة الإخوان من إنجاح كل مرشحيها في انتخابات مجلس النقابة العامة، والنقابات الفرعية كذلك، بل وقوف المتعاطفين معهم والقربين منهم بشكل كبير أثار ضجة سياسية، مثيرة سواء على مستوى الشرطة، أو الرأي العام أو التيارات الشيوعية والعلمانية والوفدية، وفاز ممثلو الإخوان والمتعاطفين معهم بأغلبية مقاعد مجلس النقابة العامة، وبالتالي المناصب المهمة مثل الأمين العام، والأمين العام المساعد، وأمين الصندوق الساعد، وأمين الصندوق المساعد، بالإضافة  إلى رئاسة عدد من لجان النشاط المهمة.

استفزاز السلطة

هذا الفوز المثير لمرشحي الإخوان المسلمين حطم أحلام العلمانيين والشيوعيين الذين سيطروا على نقابة المحاميين زمنًا طويلًا، واعتبروها حكرًا عليهم، واعتقدوا أن فوز الإسلاميين فيها مستحيل لطبيعتها الخاصة، كما أن هذا الفوز الكبير أفزع السلطة، وبالرغم من فوز مرشحي الإخوان المسلمين والمتعاطفين معهم في العديد من النقابات وسيطرتهم الكاملة على نقابة الأطباء والمهندسين والصيادلة والمعلمين منذ عام 1986م، أي قبل ست سنوات من انتخابات المحاميين، إلا أن السلطة بدأت في الإعداد والتمهيد -القانوني- لاقتلاع الإخوان من هذه النقابات، وفي أعقاب ظهور نتائج المحاميين، وتمخض الإعداد الحكومي عن إقرار القانون رقم 100لسنة 1993م، المعروف باسم ديمقراطية النقابات المهنية في ساعات

معدودة أمام البرلمان، وبالرغم من الاعتراضات الدستورية والقانونية ضد القانون، إلا أن الحكومة اعتبرته منقذًا لها من هذا الموقف، وكان أهم ما في القانون هو اشتراط حضور ومشاركة ٥٠٪ على الأقل من أعضاء كل نقابة في التصويت، وتقل النسبة إلى ٣٣% في انتخابات الإعادة وإلا كان على الجهة الإدارية تعيين مجالس هذه النقابات وهو ما كانت تطمح إليه الحكومة إلا أن هذا الشرط كانت نتائجه معاكسة تمامًا لتوقعات السلطة، حيث فاز الإسلاميون في الانتخابات التي جرت وفقًا لهذا القانون من أول مرة وبأصوات أكثر! وبالتالي قويت شوكة التيار الإسلامي ووقفت القواعد النقابية في صف الحركة الإسلامية وانقلب القانون على من أصدروه.

لم تهدأ مخاوف السلطة من سيطرة التيار الإسلامي على نقابة المحامين، ولم تضعف ثورة الماركسيين والعلمانيين والوفديين وأصحاب المصالح، وتعددت الاتهامات لمجلس الإخوان الذي يتلقى تعليماته من مكتب الإرشاد، وتخصصت أكثر من صحيفة ومجلة في نشر أخبار كاذبة مختلفة عن الأوضاع في نقابة المحامين، وإثارة الغبار حول الإنجازات واختلاق الخلافات، وإثارة المتاعب الأعضاء المجلس من المنتمين للإخوان أو المتعاطفين معهم، وفي مايو ١٩٩٤م اشتعلت نقابة المحامين غضبًا في أعقاب وفاة أحد المحامين المعروفين بانتمائهم الإسلامي وهو عبد الحارث مدني بعد ساعات قليلة من إلقاء القبض عليه بواسطة أجهزة الأمن وترددت شكوك قوية حول تعرضه للتعذيب الذي أفضى به إلى الموت واعتبرت النقابة، وخلفها جموع المحامين أن إلقاء القبض على عبد الحارث مدني كان مخالفًا للقانون وطالبت النائب العام بإحالة جثته إلى الطب الشرعي لتحديد سبب الوفاة التي يشتبه في كونها جنائية وتجمع المئات من مختلف التيارات السياسية في مقر النقابة، وتصاعدت الهتافات والكلمات والبيانات، وحاولت قيادة النقابة الحصول على إذن وزارة الداخلية بتنظيم مسيرة سلمية للمحامين للإعراب عن رفضهم لأسلوب التعامل معهم، خصوصًا وأن النقابة قدمت كشفًا بأكثر من عشرين محاميًا رهن الاعتقال دون اتهامات محددة إلا أن الوزارة رفضت التصريح بخروج المسيرة، بل قامت بمواجهة تجمع المحامين في نقابتهم بالقنابل المسيلة للدموع، وألقت القبض على العشرات، وقبيل فجر اليوم التالي اعتقلت ثلاثة من قيادات الإخوان المسلمين من بيوتهم وعلى رأسهم «مختار نوح» أمين الصندوق؛ لإحداث أزمة وإصابة النقابة بالشلل التام، وتوترت الأجواء بشكل كبير وسط اتهامات لقيادة النقابة بمسئوليتها عن تصاعد الأزمة، رغم أن الإخوان كانوا عنصر التهدئة وامتصاص الغضب. 

أسلوب النقيب

بعد أسابيع خرج المعتقلون من أعضاء المجلس ليباشروا واجبهم النقابي، وليواصلوا جهودهم رغم كل محاولات العرقلة والتضييق.

ومنذ أيام أعلن النقيب «أحمد الخواجة» في مؤتمر صحفي اختلافه مع أعضاء المجلس من الإخوان، وهدد بأنه سيعتزل العمل النقابي في موعد أقصاه منتصف فبراير القادم في حالة استمرار ممارسات تيار الإخوان داخل المجلس، وذلك في أعقاب اختيار السيدة «بشرى عصفور» عضو المجلس وكيلًا للنقابة بدلًا من السيد «محمد عبد الحميد سليمان» أحد القريبين من «أحمد الخواجة» مما أغضب النقيب الذي شعر أنه افتقد السيطرة على مجلس النقابة نتيجة روح التعاون والانسجام بين أغلبية أعضائه، مما ساهم في تقليص دوره وفشله في إنجاح أحد مرشحيه كوكيل للنقابة. 

أحد كبار المحامين المخضرمين أكد ل«المجتمع» أن المشهور والمعروف عن «أحمد الخواجة» أنه دائمًا يمسك بالعصا من منتصفها، فلا هو مع الحكومة، ولا هو ضدها، وهو وفدي بينما كان عضوًا في الأمانة العامة للاتحاد الاشتراكي، وفي أزمة المحامين الأخيرة، أدان موقف الحكومة، كما أدان موقف النقابة ومن الناحية القانونية لا يستطيع أحمد الخواجة أن يرشح نفسه نقيبًا للمحامين مرة أخرى لأنه تولى هذا المنصب لمدة 7 دورات متتالية، ولذلك هو يريد تبرئة نفسه من تهمة أنه «ألعوبة» في يد الإخوان في الوقت الذي أصبح فيه أعضاء الإخوان في مجلس النقابة يسيطرون على مقاليدها تمامًا، وقد حاول الخواجة استغلال الخلافات بين سيف الإسلام «حسن البنا» الأمين العام وبين «مختار نوح» أمين الصندوق في أسلوب العمل، إلا أنه لم ينجح بعد جلسات المصالحة والتفاهم بين سيف الإسلام و«مختار نوح»، ولذلك اتخذ موقفه الأخير الذي ترك فيه متسعًا من الوقت لمحاولات الاتفاق معه من جانب الإخوان.

حجم الإنجازات

وسئل «مختار نوح» دينامو النقابة عن أسباب إثارة الغبار باستمرار حول نقابة المحامين فرد قائلًا: الإنجازات التي تحققت بواسطة الإسلاميين خلال العامين الأخيرين فاقت التوقعات، وكشفت عجز المجالس السابقة، لأننا نتحرك بنفس الإمكانيات المادية، وأهم الإنجازات التي تحققت ارتفاع المعاشات المقررة للمحامين والتي وصلت إلى ٤٠٠ جنيه شهريًا يتم رفعها إلى ٧٠٠ جنيه شهريًا بعد تصديق الجمعية العمومية المقرر عقدها في منتصف فبراير القادم أيضًا إنشاء مشروع علاج الأعضاء وأسرهم بشكل رمزي ويستفيد منه حاليًا حوالي ٤٠ ألف محام أيضًا قمنا بتنقية جداول النقابة وتم شطب ۲۰ ألفًا ممن لا يشتغلون بالمهنة، وهذا في حد ذاته إنجاز ضخم بالإضافة إلى إرساء شبكة مواصلات خاصة بالمحامين تنتقل بين المحاكم والنيابات بأسعار رمزية وتقسيط الكتب والسلع المعمرة وصرف مرتبات شهرية مجزية للمتضررين في أحداث الزلزال والسيول ومناطق الحصار الأمني، ورغم ذلك زادت ودائع النقابة بأكثر من خمسة ملايين جنيه في عام واحد فقط، وزادت الأرصدة والأصول الثابتة إلى ۱۷ مليون جنيه أما المجلس السابق فقد قام بفك ودائع ثابتة قيمتها ١٥ مليون جنيه، أما عن النواب العشرة الذين يقيمون مع أحمد الخواجة فيقول نوح هم تسعة فقط من بينهم خمسة لم يشاركوا في أية جلسة على الإطلاق منذ إعلان النتيجة وقد حضر الجلسة الأخيرة ١٥ عضوًا وبالتالي اكتمل النصاب القانوني للجلسة، وسوف نستمر بإذن الله في عطائنا ودورنا النقابي والوطني في خدمة بلدنا وأبناء مهنتنا رغم كل الزوابع المثارة، ورغم كل الضغوط التي نتعرض لها.

الرابط المختصر :