العنوان معالم على الطريق.. هل آن الأوان ليستيقظ النيام؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 29-مارس-2003
مشاهدات 73
نشر في العدد 1544
نشر في الصفحة 51
السبت 29-مارس-2003
هل يأتي حاكم أجنبي ليحكم الأمة العربية من بغداد وتصبح شعوبها وخيراتها ونفطها لقمة سائغة يتوزعها الغزاة الجدد على شركات النفط والبترول الضخمة، وعلى شركات الأسلحة العملاقة وشركات المقاولات على أنواعها المختلفة هذه الشركات التي سبق الرئيس بوش إلى التخطيط لاقتسام الحصص معها وانتظار ما بعد الحرب؟! وقد أعدت إحدى الشركات ما يقرب من عشرين ألفًا من الموظفين الذين تحولوا بسرعة ليباشروا أعمالهم في جمع الحصاد فور انتهاء الحرب التي قدروا لها أنها ستكون سريعة.
هل هناك أحد عنده ذرة من عقل يظن أن غزو العراق مبعثه وسببه نزع أسلحة التدمير الشامل، أو خلع صدام حسين، أو إنشاء ديمقراطية عظيمة، تقوم على حراب المستعمر أو تبنى على حريق العراق وإمطاره صباح مساء بوابل من القذائف والحمم والصواريخ وتقطيع الأوصال، وإبادة الشعب؟!، ومن يتصور أن الذئاب تحمي الخراف، وأن الثعالب تربي الدجاج؟!
لقد افتضح التوجه الأمريكي قبل الغزو بكثير، وعارضه العالم ورفضته الشعوب، ومع هذا لم ترتدع الإدارة الأمريكية، ولم تقبل حتى الاعتراض من دول كبرى مثل روسيا وألمانيا وفرنسا والصين، والكثير من بلاد العالم وأقدمت على التلويح بالعصي حتى بدون جزرة في وجه الجميع وأظهرت طغيانها في العالم بلا اكتراث وشرعت في عقاب من يجرؤ على الاختلاف في الرأي معها، ومن تشك حتى بأنه ليس في حظيرتها، وصارت تعامل العالم بعقلية راعي القطيع وبغطرسة انتقامية عارمة وباستعلاء ديني واهم.
وهذا ما قرره كثير من الباحثين والسياسيين الغربيين في تحليلاتهم البعيدة عن التحيز، حيث يقول باتريك سيل الباحث البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط: «تسعى الولايات المتحدة عبر قواعدها المنتشرة من عمان إلى آسيا الوسطى إلى إعادة خلق الإمبراطورية البريطانية في أوج قوتها، إلى احتلال العراق هذا البلد العربي الواقع في قلب المنطقة الاستراتيجية، حيث يتيح لأمريكا السيطرة على الموارد في الشرق الأوسط وإعادة تشكيل المنطقة وفقًا لمصالحها». هذا على الأقل ما يأمل الاستراتيجيون الأنجلو أمريكيين تحقيقه، ولكن إذا ما فشلت الخطط الحربية لسبب من الأسباب، فإن التاريخ سوف يعتبر هذه المغامرة مشروعًا إجراميًا حقيرًا وغير إنساني، وكارثي النتائج بالنسبة للضحايا العراقيين، وخرقًا فاضحًا لأسس العلاقات الدولية ولقواعدها التي سار عليها العالم مدة خلال الخمسين سنة الماضية.
ولعل نقطة الضعف المشؤومة في كل ذلك أن المغامرة ليست أمريكية بحتة، بل يجب أن ينظر إليها بوصفها تتويجًا لشراكة أمريكية مع إسرائيل، وجاءت معظم المبررات والضغوط من أجل الحرب على العراق من جانب الصهاينة المتطرفين الأمريكيين المتحالفين مع إرييل شارون الذين يحتلون مواقع ونفوذًا واسعًا داخل إدارة الرئيس بوش وخارجها.
ثم يستأنف الرجل حديثه فيقول: ولعل السؤال الذي لم يجد جوابًا حتى الآن، يدور حول ما إذا كانت الحرب الأمريكية والبريطانية ستواجه مقاومة جدية لا من قبل القوات الخاصة العراقية فحسب، بل من جانب الأهالي المدنيين كذلك، وهل ستتعرض القوات المحتلة بعد بهجة الانتصار إن قدر لها ذلك. لهجمات كر وفر من جانب مقاتلين عراقيين كما حصل لإسرائيل عند احتلالها للبنان عام ۱۹۸۲م؟ وهل سيظهر حزب الله عراقي على نسق ذلك الذي أجبر «إسرائيل» على الانسحاب من جنوب لبنان هذا ونحن هنا نتطرق إلى ثلاثة أشياء مهمة نلفت النظر إليها:
أولها: سير العمليات الحربية حتى الآن: يتوقع الكثيرون بما فيهم الولايات المتحدة أن الحرب لن تكون سهلة وكذلك كل الخبراء العسكريين، حيث توقع اثنان من وزراء الدفاع السابقين في موسكو خسائر فادحة ستتكبدها الولايات المتحدة في حالة نشوب معارك شوارع في العراق، وقال وزير الدفاع السوفييتي السابق ديمتري بازوف، إنه على الرغم من التفوق العسكري الهائل للولايات المتحدة، فإن تورط قواتها في الدخول إلى بغداد سيؤدي إلى خسائر فادحة تضطرها إلى الانسحاب، مجللين بالعار كما في فيتنام وقال: إن الولايات المتحدة على الرغم من ثرائها لا تملك ما يكفي من صواريخ كروز لتوجيه واحد منها على كل عراقي يحمل رشاشًا.
وبدوره أكد وزير الدفاع الروسي السابق يوري روديونوف، إن الأمريكيين سيواجهون في المدن نيرانًا من كل نافذة وبيت وقال: إن العراقيين سيواجهون التفوق التقني الأمريكي بمعرفة واسعة بالمكان، وسيحصلون على دعم من المواطنين الذين سيعلنون الجهاد. ولعل الغزاة كانوا يبنون حساباتهم على استسلام الجنود وترحيب الشعوب حتى سمعت مرارًا وتكرارًا بعض قادتهم كأنه يستجدي هذا، ويقول: «استسلام لله يا محسنين»، وهذا من المضحكات المبكيات أن يظن إنسان أن شعبًا مسلمًا يتنازل عن بلده للغزاة.
الأمر الثاني: السكوت العربي، والخوف العربي والموت العربي الذي فاق الحدود حتى من مجرد الاستنكار بالكلام، وكأنهم ينفذون بالحرف الواحد ما يقال لهم:
یا قوم لا تتكلموا *** إن الكلام محرم
ناموا ولا تستيقظوا *** ما فاز إلا النوَّم
الأمر الثالث: هل آن للأمة أن تنتفض وأن يصحو المارد على وقع أم القنابل التي تشعل العراق وتهري الأجساد وتذيب الأشلاء؟ وهل آن للمخلصين في الأمة أن يقوموا ليؤذنوا بالخطر ويوقظوا النيام حتى يكون النصر المبين، ولن يكون الفرج إلا بعد الكرب، ولا النصر إلا بعد الصبر ولا عون من الله إلا بعد الإيمان والعمل والاحتساب، وصدق الله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب:22).
فهل نفيق قبل أن ندفع الجزية لا ورب الكعبة وفينا عرق ينبض، نسأل الله الهداية والتوفيق.. آمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل