العنوان نقد أدبي.. فكر نجيب محفوظ من خلال شخصيات «الثلاثية»
الكاتب إيمان سالم البهنساوي
تاريخ النشر الأحد 29-مارس-1992
مشاهدات 106
نشر في العدد 995
نشر في الصفحة 42
الأحد 29-مارس-1992
·
الإسلام في نظر نجيب محفوظ من خلال الثلاثية:
دين قديم لا يصلح للعصر الحديث.
بعد أن قرأت في الصحف عدة مقالات عن الكاتب الكبير نجيب محفوظ خالجني
شعور خاطئ بأنني متخلفة عن ركب العالمية لأنني لم أكن قد قرأت بعد أيًا من مؤلفات
هذا الكاتب.. وبدأت بقراءة «الثلاثية» وتساءلت عن الهدف من وراء كتابة تلك الرواية
والتي تقع في 3 أجزاء خاصة بعدما قرأت ما جاء على لسان «سوسن» إحدى شخصيات الجزء
الثالث والتي تقول: «ينبغي أن تكون وسيلة محددة الهدف» «السكرية ص 209- 210» إذن
فكاتبنا ممن يؤمنون بأنه يجب أن يكون هناك هدف وراء كل شكل من أشكال الكتابة سواء
أكان قصة أم مسرحية أم شعرًا أم مقالة.
ومن المؤسف حقًا ألا يجني القارئ هدفًا من وراء تلك الرواية سوى
التشكيك في الدين والقول بأن الدين أسطورة حيث كتب المؤلف على لسان إحدى الشخصيات
قائلًا: «الشيوعية علم أما الدين فأسطورة» «السكرية ص 152» والقول بأن الدين خرافة
حيث جاء في الصفحة 296 من السكرية ما يلي: «عرفت بالتجربة أنه ليس من العسير إقناع
المثقفين بأن الدين خرافة وأن الغيبيات تخدير وتضليل» وكذلك القول بأن الدين قديم
ويورث حيث يقول بالحرف الواحد: «الزواج والدفن على سنن ديننا القديم أما الحياة
فعلى دين ماركس» «السكرية ص 271» وكتب أيضًا: «ولكن أعلم أيضًا أن الأمويين قد
ورثوا الإسلام وهم لا يؤمنون به ومع ذلك فهم الذين نشروه في بقاع العالم القديم
حتى إسبانيا» «السكرية ص 297».
فالإسلام في نظر الكاتب دين قديم لا يصلح للعصر الحديث والحياة
المتجددة والمتغيرة وإن كتب ذلك على لسان بعض الشخصيات، لأنه لم يذكر ما ينفي هذه
الأقوال فقد قال ما نصه: «بل قل بقاء عقيدة أكثر من ألف سنة آية لا على قوتها،
ولكن على خطة بعض بني الإنسان وهذا ضد معنى الحياة المتجددة، ما يصلح لي وأنا طفل
يجب أن أغيره وأنا رجل طالما كان الإنسان عبدًا للطبيعة والإنسان، وهو يقاوم
عبودية الطبيعة بالعلم والاختراع كما يقاوم عبودية الإنسان بالمذاهب التقدمية، ما
عدا ذلك فهو نوع من الفرامل الضاغطة على عجلة الإنسانية الحرة!» «السكرية ص 135».
وليس ذلك فحسب، بل إن الإسلاميين المتمسكين بدينهم قد اعتبرهم الكاتب
رجعيين والعلم كفيل بطردهم حيث كتب ما نصه: «ألا ترى أنهم يخاطبون العقول بلغتنا
فيقولون اشتراكية الإسلام؟ فحتى الرجعيون لم يجدوا بدًا من استعارة اصطلاحاتنا وهم
ولو سبقونا إلى الانقلاب فسوف يحققون بعض مبادئنا ولو تحقيقًا جزئيًا ولكنهم لن
يوقفوا حركة الزمن المتقدمة إلى هدفها المحتوم، ثم إن نشر العلم كفيل بطردهم كما
يطرد النور الخفافيش» «السكرية 297».
وقد أفصح الكاتب عن مبادئهم هذه بأنها الشيوعية حسبما أوردته من قبل،
وقد نسي الكاتب الكبير أن العلم يفضي إلى الإيمان بالله وأن الدين الإسلامي يدعو
إلى العلم فقد قال تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ
مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر:28) وأنه لا تعارض في الإسلام بين
الدين والعلم وأن ماركس لم يطلع على الدين الإسلامي وإنما يتكلم عن دين أوروبا
التي عاش فيها.
ومما يؤسف له أيضًا أن نجد الكاتب يستهزئ بالحديث النبوي والقرآن حيث
كتب «والخمار للخمار كالبنيان يشد بعضه بعضًا» «السكرية ص 286»، وهذا استهزاء
بالحديث النبوي «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» وطعن في قول الله عن
المؤمنين ﴿كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ (الصف:4)
بل لقد وصل الأمر إلى الاستهزاء بشخص الرسول محمد- صلى الله عليه وسلم- في
الحوار الذي كتبه على لسان أحمد وسوسن ونصه كما جاء في الصفحة 264 من السكرية:
«ألم تسمعي عن النبي الذي كان يجاهد ليل نهار دون أن يمنعه ذلك من أن
يتزوج 9؟
- ففرقعت
بأصابعها هاتفة:
- ها
هو أخوك قد أعارك فاه، أي نبي يا هذا؟ فقال ضاحكًا:
- نبي
المسلمين!
- دعني
أحدثك عن كارل ماركس الذي عكف على تأليف «رأس المال» تاركًا زوجته وأولاده
للجوع والبهدلة!».
قد يتعلل البعض بالقول بأن هذا ليس بالضرورة هو رأي الكاتب فالكاتب
إنما يعبر عن رأي بعض شخصيات الرواية.
أجل! فإن من حق الكاتب أن يعرض وجهة نظر شخصياته والتي منها المنحرف
والسوي والملحد والمتدين، ولكن الممعن في قراءة تلك الرواية يلحظ أن الكاتب يسهب
في عرض وجهة نظر تلك الشخصيات الهدامة أما الشخصية الإسلامية الملتزمة بتعاليم
دينها فنجدها انهزامية في أي حوار يدور بينها وبين الشخصيات الأخرى الملحدة، بل
إننا نجد أن تلك الشخصية الإسلامية عاجزة عن الدفاع عن عقيدتها وعاجزة عن دحض تلك
الأباطيل والافتراءات على الدين، فهي شخصية سلبية وليس لديها القدرة على التعبير
عن وجهة نظرها بطريقة واضحة أمام القارئ وكلنا يعرف أن الذي يتقمص الشخصيات هو
الكاتب نجيب محفوظ فيصبح هذا هو هدفه من الكتابة، فعلى سبيل المثال في حوار بين
أحمد والذي يمثل الشخصية الملحدة وعبد المنعم الذي يمثل الشخصية الإسلامية الوحيدة
في القصة يجيب عبد المنعم ردًا على أخيه أحمد: «أنتم لا تعرفون دينكم هذه هي المأساة!»
«السكرية ص 134».
ولم يثبت نجيب محفوظ ردًا على لسان هذا المسلم بينما يسهب في إثبات
أقوال الملحد والشيوعي، وإذا قلنا بأن الكاتب هنا ما هو إلا مرآة تعكس أفكار
ومعتقدات شخصياته، أجيب بأنه يجب على الكاتب في هذه الحالة أن يتمتع بروح الأمانة
في عكس تلك الآراء والمعتقدات بأن يعطي الفرص بالتكافؤ بين جميع الشخصيات لتعرض
وجهة نظرها بوضوح وتدافع عن مبادئها وهذا لم يفعله بالنسبة للإسلام والمسلمين.
ويأبى الكاتب نجيب محفوظ إلا أن يتحفنا ببعض المعلومات الفقهية
الخاطئة عن تعاليم ديننا الإسلامي فيقول في السكرية صفحة 200: «حتى الصلاة قد حيل
بينه وبينها وهل يتمتع بالطهر إلا ساعات عقب استحمام لا يجود به أولياء الأمر إلا
مرة كل شهر؟ فحرم من الصلاة وهو أشد ما يكون حاجة إلى مناجاة الرحمن في هذه الوحدة
الموحشة»، وقد نسي الكاتب أن الصلاة لا ترفع عن الإنسان بأي حال من الأحوال حتى
وإن كان مريضًا كما ذكر في الرواية لأن كلًا من القرآن والسنة قد نصا على التيمم
كبديل عن استعمال الماء في الطهارة وأيضًا جعل النبي صلاة المريض حسب حالته من
القعود والاستلقاء على ظهره حتى الإيماء بعينيه، ولا يعذر هذا الكاتب بادعاء جهله
بهذه الأحكام الدينية لأنه اطلع على تفاصيل المذهب الشيوعي في عرضه لحجتهم فكان
الأجدر أن يطلع أو يسأل أهل العلم ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا
تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43) ولكن كيف للكاتب أن يسأل رجال الإسلام وقد عبر عن رأيه
فيهم في الحوار الذي دار بين الأب وابنه كمال ونصه:
- «الدين
شيء ورجال الدين شيء آخر!».
- ولكنك
يا بابا تحترم رجال الدين وتحبهم؟
- لا
تخلط بين الأمور، أنا أحترم الشيخ متولي عبد الصمد وأحبه كذلك، ولكن أن أراك
موظفًا محترمًا أحب إلي من أن أراك مثله، ولو سرت بالبركة بين الناس ودفعت
عنهم السوء بالأحجية والتعاويذ.. لكل زمان رجال «قصر الشوق ص 61- 62» والكاتب
لا يجهل أن أمثال هذا الشخص ليسوا من رجال الدين ولا العلماء.
والجدير بالذكر أن نجيب محفوظ قد سبق وأن نشر في العدد 1895 من جريدة
السياسة الصادرة في الكويت يوم 3/ 9 /73 أنه لا يتردد في اختيار الماركسية لإيمانه
بسلامة التطبيق في ذاته بغض النظر عن الشك في النظرية أو مآسي التجربة، فإذا كان
ما ينشر له من تصريحات صحفية اليوم تتعلق بكمال إيمانه وعدم طعنه في الأديان، إذا
كان ذلك صحيحًا فالواجب عليه أن يصدر كتابًا يصحح فيه العديد مما ورد في كتبه
والتي لا يعلمها الكثير لأن عرضها في مسلسلات قد خلا تمامًا من هذه الأباطيل حيث
حذفت وأيضًا عليه أن يكتب رأيه في انهيار الشيوعية نظرية وتطبيقًا.