; الحركات الصوفية في غرب أفريقيا ودورها في نشر الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان الحركات الصوفية في غرب أفريقيا ودورها في نشر الإسلام

الكاتب عمر ديوب

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أبريل-1990

مشاهدات 72

نشر في العدد 961

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 03-أبريل-1990

  • ملامح الصحوة الإسلامية بدأت تلوح في الآفاق.
  • الحركة الصوفية وموقفها من الاستعمار غرب القارة.
  • تعدد الطرق الصوفية كان وراء تشتت المسلمين في غرب القارة.
  • المسلم الإغريقي مازال بحاجة إلى مزيد من الوعي الديني.

إذا كان الطابع الصوفي يطغى بعض الشيء على الظاهرة الإسلامية المنتشرة اليوم في الجزء الغربي من القارة الإفريقية، فإن ذلك يرجع بالطبع إلى تاريخ دخول الإسلام في هذا الجزء من العالم الإسلامي، والذي كان يطلق عليه قديمًا بالسودان الغربي، وإذا تطرقنا لهذا الموضوع بالذات فإن ذلك من باب الإشادة بالدور البناء الذي قد لعبه الزعماء الصوفيون في تلك المنطقة في إرساء دعائم الإسلام في ربوع القارة الإفريقية، ثم إنه من غير الإنصاف أن نتجاهل دور رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وحملوا شعلة الإسلام وهاجة في دجى القارة الإفريقية؛ وذلك لنشر الإسلام من جانب، ولخوض حملات الجهاد ضد الاستعمار من جهة، ومن جهة أخرى ضد الجماعات الوثنية التي كانت تحكم هذه المناطق قبل مجيء الإسلام.

ولا يهمنا في هذا المقام طبيعة واتجاهات الحركات الإسلامية التي قامت في غرب إفريقيا بقدر ما يهمنا الإشادة بإنجازات هذه الحركات والجهود الجبارة التي قد بذلتها في سبيل إعلاء كلمة الله ومقاومة الاستعمار في آن واحد.

وقبل الخوض في موضوعنا نرى أنه لا ضير من تسليط بعض الضوء على تاريخ دخول الإسلام في هذا الجزء من القارة الإفريقية، وكيفية قيام هذه الحركات التي لولاها لما امتد الإسلام في القارة الإفريقية.

تاريخ انتشار الإسلام في غرب إفريقيا

لقد انتشر الإسلام في غرب إفريقيا بفضل هجرة القبائل العربية وقبائل البربر التي أخذت تهاجر إلى غرب القارة، وتبسط نفوذها هناك، وخصوصًا قبائل بني هلال وبني سليم، تلك القبائل التي تقدمت تجاه الصحراء الكبرى باحثة عن ظروف تتشابه والحياة السائدة في بيئتها الأصلية في الجزيرة العربية، وترتب على هذا التحرك وتلك الهجرات أن اضطرت القبائل المحلية من البربر والزنوج إلى التوسع جنوبًا بعد اعتناقها الدين الإسلامي، فتحركت قبيلة جدالة جنوبًا، وعبرت نهر النيجر في طريقها إلى غرب إفريقيا.

وكانت هذه القبائل حلقة الاتصال بين المغرب بشعوبه وثقافته والمحيط الزنجي الذي يمتد حتى بحيرة تشاد.

وجدير بالذكر أنه لما قامت دولة المرابطين في شمال إفريقيا كونت جبهة إسلامية قوية، امتدت من غرب إفريقيا إلى بلاد المغرب والأندلس، وكان لها فضل كبير في انتشار الإسلام في تلك المناطق؛ إذ انتشر دعاة المرابطين الذين كانوا من المتصوفين من السنغال إلى غينيا حتى وصلوا إلى ساحل العاج، أو «كوت دي فوار» والنيجر ثم دخلوا إمبراطورية غانا الوثنية في القرن الحادي عشر؛ أي في عام 1076 وفتحوها، وصارت إمبراطورية إسلامية لغاية سقوطها في القرن الثالث عشر.

 وعندما قامت علاقات تجارية بين القبائل العربية وقبائل البربر مع الزنوج تعمقت جذور الإسلام بما في ذلك مبادئ التصوف في عمق القارة الإفريقية، ومن هنا شقت الصوفية طريقها في أوساط الجيل الأول من المسلمين في تلك المناطق.

وكان التجار المسلمون يصلون إلى تلك المناطق النائية حاملين معهم كتاب الله وسنة نبيه؛ بهدف نشر الدين الإسلامي من جهة، والمتاجرة من جهة أخرى، ولكن الفضل الكبير لانتشار الإسلام في تلك المنطقة يرجع إلى الدعاة المرابطين الذين قد تشبعوا بالمعتقدات الصوفية حتى صارت جزءًا لا يتجزأ من حياتهم اليومية، فقد اتسموا بالزهد والإخلاص لله شأنهم في ذلك شأن الجماعات الصوفية في المشرق العربي.

الطرق الصوفية

وإذا بقيت الظاهرة الصوفية راسخة في غرب إفريقيا، فإن ذلك يعزى إلى حقيقة أن المسلم الإفريقي يكاد يجهل بوجود بديل آخر للصوفية؛ ذلك لأن الاعتقاد السائد هو أن التصوف في حد ذاته جانب من أخصب جوانب الحياة الروحية في الإسلام؛ لكونها طريقة لصقل النفس وتعميق معاني العقيدة والتأمل، بغض النظر عن بعض المآخذ التي تلصق أحيانًا على الصوفيين، وقبل تناول الحركات الصوفية التي تركت بصماتها على الساحة الإسلامية في غرب إفريقيا، نود أن نستعرض هنا أهم الطرق الصوفية المنتشرة في العالم الإسلامي، والتي قد تأثرت منها الحركات الصوفية في غرب إفريقيا سواء من قريب أو بعيد:

1- الطريقة القادرية: وتنسب إلى الشيخ عبدالقادر الجيلاني، وهي طريقة واحدة لم تنقسم إلى فروع كبقية الطرق الصوفية.

2- الطريقة الرفاعية: وتنسب إلى الشيخ أحمد الرفاعي، وقد انقسمت هذه الطريقة إلى ثلاثة فروع: البازية، والملكية، والحبيبية.

3- الطريقة الأحمدية: وتنسب إلى السيد أحمد البدوي، وقد انقسمت هذه الطريقة ستة عشر فرعًا تبعًا لأبرز شيوخها، وهي: المرازقة، والكناسية، والأبنابية، والمنابغة، والحمودية، والعدمية، والحلبية، والزاهدية، والتشعيبية، والبيومية، والتسقيانية، والثناوية، والعربية، والسطوحية، والبندارية، والمسلمية.

4- طريقة البراهمة أو البراهيمية: وتنسب إلى الشيخ إبراهيم الدسوقي ولها فرعان: الشهاوية والشرانية.

5- الطريقة السعدية: وتنسب إلى السيد سعد الدين الجياوي.

6- الطريقة النقشبندية: وتنسب إلى السيد محمد بن محمد بهاء الدين البخاري.

7- الطريقة الشاذلية: وتنسب إلى السيد أبي الحسن الشاذلي، وتنقسم إلى خمسة فروع، وهي: الجوهرية، والقاسمية، والمدنية، والمكية، والقاو وقجية.

8- والطريقة الخلوتية: وتنسب إلى السيد مصطفى البكري، ولها فروع أربعة: وهي: الحنفية، والسباعية، والصاوية، والضيفية.

9- الطريقة الميرغنية: وتنسب إلى السيد محمد عثمان الميرغني.

10- الطريقة السنوسية: وتنسب إلى السيد محمد بن علي السنوسي.

والسؤال الذي يطرح نفسه بعد هذا العرض الطويل هو ما نصيب غرب إفريقيا من هذه الطرق المنتشرة في العالم الإسلامي؟

إن أول طريقة صوفية شقت طريقها إلى عمق القارة الإفريقية هي الطريقة القادرية والتي أسسها كما -أسلفنا- الشيخ عبدالقادر الجيلاني، وظهرت في إفريقيا في القرن الرابع عشر، ثم انتشرت بين القبائل الفولانية، وقد استمرت القادرية سائدة وحدها في غرب إفريقيا حتى سنة 1850م، حينما بدأت الطريقة التيجانية في الانتشار في أوساط غرب إفريقيا، وقد نجحت هاتان الطريقتان في إدخال أفواج من قبائل البامباراو السراقولي وسكان فوتا جالون بمالي وغينيا في الإسلام، ومن القادرية انسلخت الطريقة الموريدية في السنغال وطرق أخرى في موريتانيا المجاورة.

 أما الطريقة الثانية في غرب إفريقيا وهي التيجانية فقد أسسها أحمد بن محمد التيجاني في القرن الثامن عشر بعد أن تلقى تعليمه في مكة المكرمة، ثم أخذ مبادئ الطريق من الشيخ الكردي في العراق، وزار مصر ثم استوطن في المغرب بعد أن تخلى عن طريق الأولى وهي الخلوتية، ثم انتقلت الطريقة التيجانية إلى إفريقيا الغربية وعبر الصحراء إلى موريتانيا، ثم بدأت في الانتشار في البلدان الإفريقية الأخرى ابتداء من سنة 1815.

 هذا، ومن الملاحظ أن الطريقتين القادرية والتيجانية قد رسختا جذور الإسلام في ربوع القارة الإفريقية وخاصة الجزء الغربي منها، وقد تفرعت منهما طرق صوفية أخرى قامت في أواخر القرن التاسع عشر عندما بدأت طلائع الغزو الفكري تغزو الساحة الإسلامية، وبدأ الاستعمار يحارب الإسلام والمسلمين، ومن أهم هذه الطرق الطريقة المريدية التي أسسها الشيخ أحمد بامبا في السنغال، والطريقة اللاهينية التي أسسها مام لاي في السنغال، إلى جانب الطرق التيجانية التي تعتبر امتدادًا لطريقة الشيخ أحمد التيجاني، ومن بين زعماء هذه الطرق الشيخ الحاج مالك مسه، والشيخ إبراهيم نياس في السنغال أيضًا، والشيخ أحمد حماه الله في مالي، ومجموعة أخرى من الزعماء الصوفيين.

الحركات الإصلاحية

وإلى جانب هؤلاء فقد قامت هناك حركات إصلاحية وأخرى مهدوية، وإن كان أثر هذه الحركات لم يخرج عن نطاق محلي ضيق، وتعتبر الحركات الأربعة التي قام بها الزعماء الفولانيون في غرب إفريقيا من أقوى حركات الإصلاح الديني والحركات السياسية الإسلامية في غرب إفريقيا خلال القرن التاسع عشر، وكان لها أثرها الكبير في تقويض شركة الاستعمار وبناء كيان إسلامي تتمشى والواقع الإفريقي، وهذه الحركات الفولانية الأربعة هي:

1- حركة عثمان دن فوديو في نيجيريا.

2- حركة سيكو أحمدو الأحمد في مالي.

3- حركة الحاج عمر الفوتي في مالي وغينيا.

4- حركة موديبو آدم في شمال الكاميرون وشرق نيجيريا.

 وجدير بالذكر أنه كان على رأس كل الحركات الإصلاحية زعماء صوفيون كرسوا حياتهم، لنصرة الإسلام مخلصين حنفاء.

 وتعتبر الحركات الصوفية مثل الجمالية واللاتينية والمريدية من حركات الإصلاح الصوفية التي نشأت في غرب إفريقيا، وإن كانت لا تختلف كثيرًا عن الحركات الصوفية في المشرق العربي.

 وبفضل الحركات الصوفية والإصلاحية قام الإسلام في غرب إفريقيا، وأصبحت الحياة الصوفية جزءًا لا يتجزأ من حياة المسلمين في غرب إفريقيا وعن طريق الحركات الإصلاحية والحركات المهدوبة وحركات الجهاد انتشر الإسلام، وأصبح دين الأغلبية في دول مثل السنغال، ومالي، والنيجر، ونيجيريا.

وكما ذكرنا فإن قيام كل هذه الحركات الإسلامية قد تزامنت مع الموجة الاستعمارية التي اجتاحت القارة الإفريقية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وذلك بعد أن وضع الأوروبيون في مؤتمر برلين أسس التقسيم وضرورة الاحتلال الفعلي، فكان ذلك السباق المحموم بين الأوروبيين، وكان ذلك الصدام مع الزعماء الصوفيين، وكان ذلك الصراع الدائر بين الحضارة الإسلامية الراسخة في هذا الجزء من القارة وحضارة أوروبية وافدة مع هذه الغزوة الاستعمارية التي لم تتوقف إلا بعد القضاء على زعماء الجهاد الإسلامي من الناحية العسكرية، بالطبع، فإذا نجحت القوى الأوروبية في القضاء بطريقة أو بأخرى على الزعامات الإسلامية في تلك المنطقة فإن صرح الإسلام سيبقى شامخًا في غرب إفريقيا.

مآخذ على الجيل الجديد

 ومن المؤسف أنه رغم اشتراك معظم الطرق الصوفية في أسس جوهرية إلا أن بعضها قد انحرفت عن الطريق السليم، وكان هذا التشتيت في هذه الطرق سببًا في عدم التفاف المسلمين حول طريقة واحدة، وإذا كانت هناك مآخذ تؤخذ على الطرق الصوفية، فإن اللائمة في ذلك لابد أن تلقى على أعناق مريدي هؤلاء الشيوخ وأحفادهم، فبعد أن صمد الأجداد في وجه الاستعمار وكرسوا حياتهم لنصرة الإسلام: فبنوا المساجد والمدارس، وأسسوا مؤسسات اجتماعية متعددة، جاء أحفاد هؤلاء لاستقلال مراكزهم الاجتماعية، وبدأوا يتدخلون في الشؤون السياسية والاقتصادية لحكوماتهم، والأدهى من ذلك أن معظم هؤلاء الأحفاد يجهلون أبسط مبادئ الفقه وأبجديات العلوم الأخرى، بعكس الأجداد الذين كانوا علماء ضالعين في علوم القرآن والفقه، إلى جانب كون معظمهم شعراء وأدباء.

ومما يثلج الفؤاد أن الشباب في هذه المنطقة بدأوا يقطنون بالدور البناء الذي قد لعبه الزعماء الصوفيون، وبدأت مظاهر الصحوة الإسلامية تلوح في الآفاق؛ وذلك لإدراكهم التام أن الدين عند الله الإسلام، غير أن المسلم الإفريقي بصفة عامة ما زال بحاجة إلى مزيد من الوعي الديني والثقافي، الأمر الذي لا يتمناه أعداء الإسلام الذين أقسموا على إخراج المسلمين من نور الإسلام إلى ظلمات الجهل، ولكن المسلم الإفريقي موقن بأن الإسلام هو الدين القيم، والحقيقة جاءت في القرآن الكريم: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (سورة الإسراء: 81). صدق الله العظيم.

 

الرابط المختصر :