العنوان منطلقات تربية البيت المسلم (1)
الكاتب أبو اليزيد العجمي
تاريخ النشر السبت 06-يوليو-2002
مشاهدات 66
نشر في العدد 1508
نشر في الصفحة 66
السبت 06-يوليو-2002
لا يختلف عاقلان على أن التربية -بمعناها الواسع والمستمر أساس لابد منه للتغيير نحو الأفضل والأمثل وأساس كذلك لإنجاح المشروع الإسلامي الذي نراه ضرورة لإنقاذ الأمة من تأثير المشروع الغربي ومضاعفاته في حياتنا.
كذلك بات موضع اتفاق أنه لابد من استلهام مصادرنا وتراثنا في تربية جيل مسلم يثق في دينه وينطلق منه ليعمر دنياه وفق منطلقات أساسية تعيد للمسلمين دورهم الحضاري وسط عالم لا يعترف إلا بمن أسهم وأفاد.
ومنذ أن برزت نداءات بضرورة العودة إلى الإسلام نقيًا كيوم جاء به محمد ﷺ عقيدة وعبادة ومعاملة وآدابًا، وحضارة تنتج من كل ما سبق أقول منذ أن بدأ ذلك من دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب ومن جاء بعده من الدعاة والمصلحين والإسلام تتنامي حتميته في مشروعات النهضة حتى كانت الصحوة الإسلامية التي بدأتها الأمة منذ نصف قرن أو يزيد.
وهنا تنادى الجميع بضرورة التربية الإسلامية إيقافًا للانهيار وتهيؤًا للانطلاق نحو حياة إسلامية رشيدة، وتعددت الجماعات التي تهتم بالتربية والإعداد لله ثم للوطن والأمة.
ولأن هذا الأمر ضروري من جهة، ولأنه قد تبدو بعض الاختلافات في التركيز على جانب دون آخر من جهة، رأيت أن أضع بين يدي المربين في كل الجماعات والهيئات والمؤسسات هذه المنطلقات إسهامًا مني في محاولة التوجيه والالتقاء مادام الهدف واحدًا، والغابة نبيلة.. والله المستعان.
المنطلقات اللازمة لتربية المسلم المعاصر
قد تبدو هذه المنطلقات بدهية وواضحة لكنها ضرورية من حيث إن الوعي بها يمثل ركيزة مهمة في حفز الهمم وتحمل المسؤولية، وبقدر استحضار هذه المنطلقات ووضوحها في قلب المسلم وعقله يكون الوعي بالمفاهيم التربوية والتحمس للتنفيذ، والإبداع في إضافة وسائل جديدة تناسب الأهداف ثابتها ومتغيرها.
المنطلق الأول: الإسلام دين الله الذي ارتضاه للبشرية من لدن آدم عليه إلى أن يرث الأرض ومن عليها و﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران :۱۹)
وبعد أن أتمه الله وأكمله بالرسالة الخاتمة مستوعبة كل الرسالات السابقة ومضيفة مقتضى العالمية والخاتمية قرر سبحانه ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3).
كما حسم الأمر في قوله ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:85)
ودين هذه طبيعته يحقق للبشرية ما يسعدها في الدنيا وينعمها في الآخرة، الأمر الذي يتضح حين تدخل في تفصيلات محتوى هذا الدين من عقيدة تمثل المنطلق وجمع الهمة وعبادة تمثل المظهر العملي للاعتقاد في إله واحد له صفات الجلال والكمال، ومعاملات تتسع لتنظم كل ما تحتاجه الحياة والأحياء بكل أنواعها، وأخلاق تظلل كل جوانب الإسلام في عقيدته وعبادته ومعاملاته، وتبرز إنسانية الإنسان في تميزه بعلاقة مؤمن عاقل بربه وعضو في دنيا المخلوقات له صفاته في تعامله مع بني جنسه ومع كل الكائنات.
والإيمان بهذه الفكرة مع بداهتها وفطريتها أمر له ما بعده، حيث يوجه المسلم كل همته ليتمثل هذا الدين في عقله وقلبه وسلوكه، ثم يساعد غيره على تمثله وفهمه!.
﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (الزمر: ۲۹).
والاستقرار النفسي ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28) والتوفيق العلمي الناتج من هذا الاستقرار ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ۲۸۲).
ناهيك عن حكمة الله في تشريعاته فيما بخص المعاملات والأخلاق اللذين بهما ساد الإسلام وغزا القلوب والعقول.
وفهم المسلم لطبيعة هذا الدين من حيث إنه جمع بين العقل والنقل دون تعارض، إذ هما نوران من عند الله الأمر الذي أنتج علمًا وحضارة متميزة في تاريخ الإنسانية قدمها المسلمون للعالم دون منٍّ أو كتمان للعلم، ودين جيَّش العلماء للحضارة والعمران قادر على أن يعيد المسلمين والعالم مرة أخرى إلى ما كان عن أمن وسكينة.
هذا المنطلق ضروري لأن من لا يؤمن به لا يرى أهمية للدعوة ولا حاجة إليها.
(*) أستاذ العقيدة بكلية الشريعة- جامعة الكويت