العنوان السيرة الذاتية للشيخ أبي الأعلى المودودي وزوجته(11).. تلفيق.. تزوير.. تعذيب ثلاث«تاءات» مستبدة !
الكاتب حميراء المودودي
تاريخ النشر السبت 15-نوفمبر-2008
مشاهدات 91
نشر في العدد 1827
نشر في الصفحة 34
السبت 15-نوفمبر-2008
ترجمة: نور محمد جمعة([2])
- كان المودودي يحارب على جبهات عدة في معارك حامية الوطيس.. ويقوم بما قد تعجز عنه مؤسسات كبرى ذات ميزانيات ضخمة.
- المودودي للرئيس بوتو بعد تزوير انتخابات ۱۹۷۷ م: قد تعديت حدودك وتجاوزت صلاحياتك.. قدم استقالتك وخض انتخابات نزيهة.
وقف الوالد في وجه الفئة الحاكمة الظالمة التي أشهرت سيوف الطغيان والجبروت في وجهه.. كما كان يقف سدًا منيعًا أمام تجار الدين الذين وجدوا أن نشاطه وبرنامجه يزلزل أركان سوقهم، ويكشف سوء بضاعتهم.. ودفع بصدره سهام الطائفة «القاديانية» الضالة التي نبتت في كنف الاستعمار، وكانت تتصف بأرذل الأخلاق، وتصدر منها أخبث الشتائم.. ولم يغفل عن المستشرقين وذيولهم الذين بدؤوا يطعنون في القرآن والحديث، وسيرة الرسولﷺ بكل وقاحة وهمجية!.
هكذا كانت المعارك حامية الوطيس, فوقف الوالد الذي أضعفته الأمراض والجهود المضنية، والمساعي المستمرة يحارب كل تلك الفئات، ويقوم بما قد تعجز عنه مؤسسات كبرى ذات ميزانيات ضخمة.. ولا غَرُو، فقد جعله الله عالمًا جديرًا، ومحققًا قديرًا، ومفسرًا متقنًا، ومفكرًا جليلًا، ومؤرخًا فريدًا، وداعيةً نشطًا، وصحفيًا بارعًا، وأديبًا أريبًا، وسياسيًا محنكًا.
يمكرون.. ويمكر الله !
في إحدى ليالي رمضان عام ١٩٦٦م، في عهد حكم الجنرال «أيوب خان»، وبينما كان الناس يستعدون لصلاة التراويح، ظهر أمام بيتنا مدير مركز الشرطة يرافقه جنديان, وأخبرنا بأنه يريد أن يرى الوالد وحده لأمر مهم جدًا، فطلبه الوالد في مكتبه الخاص.. ترك مدير الشرطة مرافقيه أمام الباب ودخل مكتب الوالد، وقال له: «جاءني أمر من القيادة العليا بأن أقتحم بيتك مع فريق من الشرطة والشرطيات، وقالوا :إننا سنجد في قسم الموظفين من بيتك بنتًا قد اختطفت، وأمرنا بأن نأخذ معنا مجموعة من المصورين والمراسلين ورجال الصحافة والإعلام لينشروا تفاصيل الخبر في جرائدهم صباح الغد».
وأضاف: «يا سعادة الشيخ، والله إنني حريص على شرفك وكرامتك، فاستعجلت إليك لتتكرم وتفتش قسم الموظفين عندك، وتطرد هذه البنت من هناك.. وسأنصرف الآن، ثم أعود بعد لحظات ومعي فريق من الشرطة والمصورين والمراسلين».
دخل والدي البيت، وهمس في أذن الوالدة بتفاصيل المؤامرة، ووصلت إلى آذاننا بعض هذه الهمسات وعرفنا الحكاية.. خرجت والدتي مباشرة إلى قسم الموظفين, وأخبرتهم بأن هناك بنتًا غريبة في القسم, فبدؤوا يحلفون وينكرون ويقولون: كيف يكون ذلك ونحن خدّامكم، وشرفكم شرفنا، وعزتنا وكرامتنا فداء لكم؟ نحن نضحي بأنفسنا ودمائنا في سبيل الدفاع عن كرامتكم وشرفكم.
كان الوقت يمر بسرعة، فبادر أخواي «حسين فاروق»، و«محمد فاروق» بدخول قسم الموظفين، وبدأا يفتشان المكان، فوجدا قريبة للطباخة مختبئة! فأخرجا الطباخة وقريبتها من الباب الخلفي، بينما كان أفراد الشرطة يدخلون من الباب الأمامي.. وقد قلبوا البيت وسكن العمال رأسًا على عقب ولم يجدوا أي بنت.
هذا الموقف الجريء من مدير الشرطة جعلنا ندرك أنه مازال في الشعب قلوب يغشاها الإيمان، وأنه مازال هناك رجال مؤمنون يعتزون بكرامتهم، ويحرصون على شرف إخوانهم حرصهم على شرفهم.. فماذا كان سيحدث لو لم يعرض هذا الشرطي الطيب مستقبله ووظيفته للخطر، بكشفه عن المؤامرة القذرة التي حيكت ضد الوالد في الوقت المناسب؟! وماذا لو كان ذلك الشرطي من الخونة وبائعي الضمائر ومن عبيد الدنيا والمناصب؟!
«بوتو»... في بيتنا!
زوّر «حزب الشعب» الحاكم الانتخابات في عام ۱۹۷۷م، مما جعل الأحزاب الوطنية تتحد وتعلن عن إضراب عام على مستوى البلد كله «خلال الأشهر من مارس إلى يوليو» لإسقاط حكومة الرئيس «ذو الفقار علي بوتو»، فنصحه الوالد في الثاني من أبريل- حفاظًا على مصالح الشعب والبلد- بأن يلغي نتيجة الانتخابات، ويعلن عن إجراء انتخابات جديدة، لكن الرجل أخذته العزة بالإثم، وزعم أن كرسيه ثابت لا يزعزعة شيء، فسلط عصاه على رؤوس الشعب، وصوب رصاصه إلى صدورهم!
وأخيرًا، في منتصف أبريل، جاء بنفسه إلى بيتنا في «أجهره»، فامتلأت الأزقة والشوارع بالناس وهم يهتفون ضده، فخرج الوالد إلى الناس وقال لهم: «الرئيس بوتو الآن في ضيافتي، واحترام الضيف من احترام المضيف، فأرجو أن تكفوا عن هذه الهتافات».
وفي تلك الزيارة قال له «بوتو»: «أنا أثق بحضرتك كثيرًا، وأنا على استعداد تام أن أوقع على ورقة بيضاء لحضرتك، فلتمل عليّ ما تريده من الشروط، وسأخضع لها دون أدنى اعتراض».
فأجابه الوالد: «قدم استقالتك! فقد تعديت حدودك، وتجاوزت صلاحياتك، ولا يرضى الشعب بأقل من الاستقالة.. ثم ادخل حلبة انتخابات نزيهة، فإن فزت فيها رجعت إلى الحكم، لكن في الظروف الحالية لا أرى حلًا غير هذا«.
تحدث الرئيس «بوتو» في هذا اللقاء أكثر من خمس وأربعين دقيقة، فكان مما قاله: «إن الظروف في «أفغانستان» كذا، والأحداث تجري في «الهند» على كذا ، وإقليم «بلوشستان» ثورة من الطغيان، و«إيران» تعيش على النار, ففي هذه الظروف الخطيرة الشعب بحاجة ماسة إليّ»، ثم تساءل: «بالله عليك، ما واجبي في هذه الظروف الحرجة؟».
فكان جواب والدي: «هذه الظروف الحرجة تقتضي أن تقدم استقالتك، وتدخل في انتخابات نزيهة، فإذا فزت عدت إلى الحكم والشعب معك، وكل المعايير الأخلاقية والقوى السياسية ستُعيدك إلى الحكم، وبهذا تحافظ على مصالح الشعب والبلد، وهذه هي الطريقة الوحيدة لمواجهة التحديات الخارجية والداخلية».. لكن الرئيس «بوتو» لم يكن يريد أن يقترب من هذه النقطة.
ثم بدأ مرةً أخرى يذكر الوالد بجهوده وإنجازاته الضخمة، وخدماته الرشيدة للشعب والوطن(!!) فقال له الوالد: «لا أحد ينكر الجميل، لكن الخطأ لا يُزال بتذكر الماضي.. ولا أريد أن يقع الشعب في مهلكة وورطة، لهذا قبلت الجلوس معك؛ لأقول لك هذا الكلام، فهذا الشعب الذي يهتف اليوم في الشوارع مطالبًا باستقالتك قد يثور غدًا فيطالب بأكثر من ذلك، وإذا زادت المشكلات والنعرات فلا يُستبعد أن يتدخل الجيش؛ فيسيطر الحكم العسكري المشؤوم على البلد, والحكم العسكري- كما تدرك جيدًا- ليس إلا بداية للدمار الشامل».
بعد هذا اللقاء، شارك الوالد في مؤتمر صحفي، وكشف عن تفاصيل هذا اللقاء للشعب. وبعد ستة أيام فقط أعلن «بوتو» الأحكام العرفية وحالة الطوارئ في مدن «لاهور»، و«كراتشي», و«حيدر آباد»، وبذلك فتح الباب أمام الجيش على مصراعيه.
أخبار «الإخوان المسلمين«
كان والدي يسألني عن تفاصيل أخبار «الإخوان المسلمين» كلما عدت من مدينة «جدة» السعودية إلى «لاهور»، وكنت أطلع على أخبارهم من خلال زميلاتي من الأخوات المسلمات اللاتي كن يدرسن معي في الكلية ذاتها .
وذات مرة، قالت لي سيدة منهن كانت أستاذة للغة الإنجليزية: «إن زوجي كان ابن عم الجنرال «اللواء» «محمد نجيب»، وكان رابطًا بينه وبين جماعة الإخوان المسلمين.. وعندما سيطر«جمال عبد الناصر» على الأمور، تم إلقاء القبض على زوجي، وعذبه رجال الأمن تعذيبًا يشيب من هوله الولدان, ليخبرهم عن أسماء الإخوان وعلى عناوينهم, كما تم القبض على أناس كثيرين آخرين، وبما أننا كنا من أسرة مرموقة ومشهورة في مصر, فقد جرينا طويلًا وراء قضية زوجي، وقدمنا رسالة اعتذار للرئيس، وتعبنا كثيرًا حتى استطعنا بعون الله أن نخرجه من السجن».
واستدركت قائلة: «لكننا لما أخرجناه من السجن شعرنا بأنه ليس ذلك الرجل الذي كنا نعرفه، فكان إذا تحدثنا معه يرد علينا بخوف, ويرجونا قائلًا: اضربوني! سأخبركم بكل شيء! وفي وسط الليل كان يقفز من نومه مذعورًا، ويصرخ: لا تقتلوني! فقد أخبرتكم بكل شيء، ولا أعرف أكثر من ذلك! وعندما كنا نضع أمامه شيئًا من الطعام كان يقول: «كانوا يعطونني في كل يوم وليلة رغيفًا واحدًا، وكانوا يرمون أمامي رغيفين لكلبهم, فإذا ترك الكلب شيئًا من خبزه كنت أكله! فلماذا تقدمون لي الطعام مرة بعد أخرى؟!».
وتابعت، والألم يعصر قلبها: « بعد خروجه من السجن لم يتعرف عليّ ولا على أحد من أولاده الثلاثة ولو للحظة قصيرة، فقد ضعف كثيرًا، وهزل جسمه، فقد دمروا صحته تمامًا.. ولم يبق بيننا إلا أيامًا، ثم توفي إلى رحمة الله»!!
انتبهت فجأة إلى وجه والدي، وأنا أحكي له هذه التفاصيل، فوجدته وكان هموم الدنيا كلها نزلت عليه، وكأن ذلك القتيل ابنه، فقد أسود وجهه من شدة الغيظ والحزن لدرجة أنني لا أستطيع أن أنساه حتى اليوم.. وبعد أيام عندما أردت أن أعود إلى عملي في «جدة»، دعاني والدي، وقال لي: «أبلغي سلامي لهذه السيدة الفاضلة».
[1])) كبرى بنات المودودي، ولدت في ٢٢ يوليو ١٩٤٥م بالهند، وتعيش الآن بمدينة «لاهور» في باكستان
[2])) أستاذ بكلية اللغة العربية والحضارة الإسلامية بـ«الجامعة الإسلامية العالمية» في العاصمة الباكستانية «إسلام آباد»