; المجتمع الثقافي (1465) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1465)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 25-أغسطس-2001

مشاهدات 79

نشر في العدد 1465

نشر في الصفحة 50

السبت 25-أغسطس-2001

عولمة المهرجانات الفنية

عبد الناصر محمد مغنم

بعد عولمة المهرجانات الرياضية في العالم، وفرضها على عالمنا العربي تأتي مرحلة عولمة مهرجانات الفن الرخيص بكل أشكاله.

 فضمن إطار فرض الميوعة واللهو الماجن، وعولمة الفن الإباحي وتمجيد نجومه، تأتي صرعة إلهاء الشعوب في عملية منظمة، وتيار جارف يتميز بعقد المهرجانات والاحتفالات الجماعية المختلطة بكثافة، وتأتي هذه المهرجانات متتابعة بصورة متجددة لم تشهد لها الإنسانية مثيلًا من قبل.. كل ذلك تحت شعار الثقافة والتنمية والانفتاح، وربما بلغت هذه الظاهرة أوجهها في السنوات الأخيرة تمهيدًا لدخول الألفية الثالثة..

ففي أرض الكنانة مصر، تعقد مهرجانات فنية وسينمائية وشعبية في مدن عدة، مثل مهرجان الإسماعيلية للفنون الشعبية، والذي بدأ أعمال دورته الثانية عشرة أمس ٢٤ أغسطس بمشاركة ٣٣ دولة، وفي صيف عام ۱۹۹۸م استخدمت خمس شاشات عملاقة في الشوارع والميادين الرئيسة لإتاحة الفرصة للناس لمشاهدة فعاليات المهرجان في الطرقات هذا عدا مهرجانات القاهرة والإسكندرية التي تقام سنويًا خلال فصل الصيف.

وفي فلسطين - التي ما زالت جراحها تنزف بغزارة - تقام مهرجانات الفن الرخيص تحت رعاية وزارة الثقافة التابعة للسلطة الفلسطينية لإلهاء جيل الانتفاضة وتعميم الفساد، وتحقيق ما لم يستطع اليهود تحقيقه مثل مهرجان رام الله الذي أطلق عليه سنة ۱۹۹۸ «ليالي صيف ۹۸» ولا ننسى مهرجان «الغناء الإسرائيلي»، الذي أقيم في نابلس والذي أحيته المغنية اليهودية «زهافاين» باللغتين العربية والعبرية.

أما الأردن فمهرجان جرش خیر شاهد، فهو بالرغم مما يعرض فيه من اللهو والعبث والغناء والرقص المبتذل، وبالرغم من الخسائر المادية التي تتحملها الدولة في استضافتها لمئات الفرق من شتى الدول فإنه ظل ينعقد حتى في أحلك الظروف التي منها حرب الخليج الثانية، حيث تم بالرغم من المعارضة الشديدة من قبل كافة الأوساط السياسية والاجتماعية.

بل إن الأمر تعدى ذلك المهرجان لتقام على غراره مهرجانات أخرى في الفحيص والبتراء ومأدبا والبحر الميت ومهرجان شبيب في مدينة الزرقاء.

ولم تكن سوريا بمنأى عن هذه الظاهرة، إذ يقام سنويا في أغسطس على شواطئ مدينة اللاذقية مهرجان المحبة الذي تشارك فيه فرق للغناء والرقص من دول عربية وأجنبية مختلفة، وتقدم في المهرجان عروض مختلفة ومتنوعة بعيدًا عن الحشمة والحياء.

 ومن أغرب التعليقات على هذا المهرجان ما صدر عن الدكتورة نجاح العطار وزيرة الثقافة سنة ۱۹۹۸م حيث قالت: «... المحبة في تجذرها الأصيل تهزم البغض فالحقيقة تهزم الباطل أبدًا، لأن الباطل كان زهوقًا وهذا من التنزيل الإلهي لقوم يعقلون»؟ 

ولست أدري كيف وصلت إلى هذا التأويل، وكيف صارت مهرجانات الابتذال والتقاء الجنسين على الخنا حقًا يهزم الباطل، ولا أعلم المراد بالباطل في اعتقادها، أما في العراق التي تعيش حالة من الفقر والبؤس لم تصل لمثلها من قبل، فهناك مهرجان بابل الثقافي الذي بدأ عام ۱۹۸۷، وهنيئًا لشعب العراق بملهاته التي ستخفف كثيرًا من معاناته في ظل حكامه المغاوير.

 وللقاري أن يتساءل عن حجم الإنفاق على مثل هذا المهرجان في الوقت الذي يشيع الناس هناك كل يوم عشرات من الأطفال الذين يموتون نتيجة سوء التغذية وانعدام الحليب وندرة الأطعمة.

أما مهرجانات لبنان فحدث ولا حرج حيث المهرجانات الفنية في بعلبك وشواطئ بيروت بمشاركة عشرات الفرق العربية والأجنبية، وما يتخللها من عروض وغناء ورقص.

ومن أشد هذه المهرجانات غرابة مهرجان دير القمر، الذي يعدونه احتفالا صوفيًا نغميًا مشرقيا تحت عنوان «سماع من بشارة مريم» ينطلق من نصوص من القرآن والإنجيل والأحاديث القدسية، ونصوص صوفية من «أفرام السرياني ومكسيموس المعترف وابن عربي وابن الفارض والمعلم إيكهارت»، أي من الإسلام والمسيحية في خلطة عقدية وتخبط فكري لم يعرف مثله من قبل، حيث يزعمون أنه «حفل تصوفي يقارب السر الذي بشرت به مريم العذراء ويتخذ منه نموذجًا للنفس البشرية المتلطفة التي تتوق إلى الاتحاد بنور الله. أي عقيدة الحلول والاتحاد الفاسدة - وقد تمت فعاليات المهرجان لأول مرة يوم ١٣ أغسطس ۱۹۹۹م.

والغريب في بلادنا أن هذه المهرجانات تعد إنجازات حكومية عظيمة لا يمكن التراجع عنها مهما ألم بالأمة من مصائب ومهما لحق بها من هزائم والهزيمة الحقيقية في اعتقادهم تكمن في إلغائها استجابة للعلماء والدعاة الحريصين على مصلحة البلاد والعباد.

ولم يقتصر الأمر على عقد مثل هذه المهرجانات في بلادنا فحسب، بل تعداه لإرسال فرق «الفن العربي» لأوروبا وأمريكا والكيان الصهيوني، وذلك لتحقيق الانفتاح بشكله المطلوب، ولتنفيذ مخطط عولمة الفن.. حيث تفخر فرقنا الفنية الراقصة بالمشاركة في مهرجانات عالمية، تعلم من خلالها الأوروبيون الرقص الشرقي. والمضحك المبكي أن ذلك يتم بحجة إطلاع الأمم والشعوب على ميزات ثقافتنا ومعالم حضارتنا الفنية.

ومن هذه التجمعات مهرجان لشبونة العالمي، ومهرجان شاطئ كوستا دا كابريا العالمي في البرتغال، حيث تقام الحفلات الغنائية والراقصة التي تقدمها فرق من ۱۲۳ دولة، ويحدث خلال العروض ما تمجه النفوس السليمة ولا ترضى به العقول السوية.

وهناك عشرات المهرجانات العالمية في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا.. وغيرها.

وكل ذلك بحجة إزالة الحواجز وإذابة الفوارق، ولكن الحقيقة تكمن في أنهم يخططون لإزالة العقبات أمامهم للهيمنة على دولنا، وقسرها على التبعية للغرب في كل مفاسده، ليسهل بعد ذلك تحقيق مبدأ النظام العالمي الموحد الذي سيهيمن عليه اليهود.

إضافة إلى ذلك فإن هذه المهرجانات تحدث في الوقت الذي يقيم فيه الكيان الصهيوني وحلفاؤه استعراضات ومناورات عسكرية ضخمة في جبهات شتى، ليختبر قوته وإمكانيات الزحف لديه، ويجرب الأسلحة الحديثة المتطورة استعدادا لمراحل جديدة، وخطوات مقبلة لإحكام السيطرة على المنطقة.

واحة الشعر

قناديل على مآذن القدس

شعر: صالح عبد الله الجيتاوي

لي في هواك مدائن ومرابع 

 

وعلى شجاك سحائب تتدافع

 

وعلى جبينك قبلتي وأهلتي

 

 للبشريات عزائم وطلائع

 

 يا قدس يا فرح الحياة، إذا ارتوى

 

 ظمأ، فمن عينيك فيه نوازع

 

 وإذا شدا في الأيك صب فهو 

 

في سر ابتسامتك الحزينة خاشع

 

وعلى مدى إيماء عينك قائم 

 

وعلى شذاك مرابط ومقارع

 

 في راحتيك حمائم وولائم 

 

وكتائب ومواكب ومصارع

 

حلاك بدر والبدور أهلة 

 

حدبت عليه مبارك ومبايع

 

حفلت به الدنيا لديك وأشرق 

 

المسري وقامت للخيال مجامع

 

 جلى جبينك ما الخيال وما السرى

 

 صنعا، فما بخلا وجل الصانع

 

 وهج الكرامة كعبة للعاشقين

 

 إقامة وشفاعة ومدامع

 

 فضل العلي على الصفي ولاية 

 

والكون بالأمر المهيمن صادع

 

 تبقى القلوب حيالها مشبوبة

 

 وإذا غفت فعلى رؤاك هواجع

 

يا قدس مالي في هواك تقية

 

 فالعمر دونك أجدب وبلاقع

 

يرضى الذي يرضى، ويسخط ساخط

 

 سيان عندي لست فيك أصانع

 

ما ظل غير حشاشة أرمى بها 

 

ولئن رميت بها فإني بائع

 

حطم الزمان عمود روحي وانثني

 

 الضلوع مملكتي، ولج الطامع

 

 فأنا الغريب على حياضك، 

 

والمدى لمع السراب، وأعبد تتصارع

 

 جاسوا بأنفاس الصدور وما 

 

رعوا إلا وأوحى شيخهم فتبايعوا

 

من تاجر شرب الدماء رواحلا

 

 أو خانع أدمى قفاه الصافع

 

 أو فاجر ألقته أقبية الردى

 

 بين الضلوع وما عساه الضالع

 

هزلت على سوح الطماح قضية 

 

فرسانها عوارها المتدافع

 

قالوا السلام، قل السلام على 

 

السلام، وقل على هذا السلام زعازع

 

 أأنا الملوم إذا رفعت عقيرتي

 

 فهفت إلى بلابل وسواجع

 

 أأنا الملوم إذا رجمت خطيئة

 

 أط الحطيم لهولها والجامع

 

القدس قدسي والقباب صوامعي

 

 ولهم كهوف للخنا وصوامع

 

يا قدس لا تهني فانت حظية 

 

الدنيا، وللبشرى عليك طوالع

 

كفي الدموع فما المريد بكاذب

 

 كلا ولا ساري الشهادة راجع

 

 في جيدك العشاق عقد مآثر

 

 خشع الزمان لحسنها يتواضع

 

 تلك المهور على هتافك تنتخي

 

 جن الهيام فحمحمت تتسارع

 

 شدت «حماس» سروجها فكأنها 

 

قدر يموج وأنجم تتدافع

 

 همم على مهم النجوم عجاجها

 

 تتثاءب «الزهراء» وهي طوالع

 

تستنبت الحسنات في نار الردى

 

 والمرجفون على الهوان أشايع

 

تتربص الأيام وهي كواسر

 

 وتصابر الأحلام مدامع

 

ترنو لموعدها وتزرع طفلها

 

 نخلًا، ويرعاه الخيال الواقع

 

اليوم للغد آية فإذا استوى

 

 قدر، فللزفرات بون شاسع

 

 وعد على الأحداق يرسم ظله

 

 ما شد طفل أو تف يافع

 

 صدق وتعرفه اليهود وإنه

 

 رعب يهيمن في القلوب مضارع

 

يحدو له حجر الطفولة في المدى

 

 نهدت إليه سوادس وسوابع

 

 هذي الدماء عجالة أو «جاهة»

 

 والملتقى يا قدس بحرك واسع

 

فيك الرضى ولك الرضى ولكحل

 

 عينيك الفضاء جماجم وأصابع

 






حورية بني كنعان

علي محمد الغريب

«مسرحية من فصل واحد»

 

 «1»

الزمان: سنة ٣٠٠٠ قبل الميلاد. 

المكان: مدينة أورسالم

المنظر: نرى جماعة من الفلاحين الكنعانيين يحصدون القمح في بيدرهم وهم يغنون أهازيج الحصاد في فرح.. الأطفال يتقافزون من حولهم فرحين بموسم الحصاد، يطاردون الفراشات والحشرات الحقلية.. يهجم جماعة من اللصوص ذوي الملامح البشعة بأسلحتهم على الفلاحين وأطفالهم ويأخذون في قتلهم وإبادتهم بلا رحمة.. زعيمهم تقع عيناه على صبية كانت تلهو مع الأطفال.

الزعيم كفوا أيديكم.. يكفينا ما حصدناه اليوم «يشير إلى الفلاحين الناجين من القتل» وقد أعفيت هؤلاء من أجل هذه الصبية الفاتنة «للصبية الخائفة»: ما اسمك؟

الفتاة: ماذا تريد من اسمي أيها اللص؟! 

الزعيم: «يهم بصفعها لكن أمها تخطفها من أمامه وتحتضنها».

المرأة «ترتجف»: فلسطين... اسمها فلسطين لا تؤاخذها فما زالت صغيرة.

الزعيم: «يضحك ويقهقه»: أهنئك على أمومتك لهذه المهرة «يكشر عن أنيابه» ابنتك وأنت وكل الفلاحين - حتى الذين قتلناهم - ملك لنا.. «الرجالة» احملوا هذه الفتاة إلى داري.

أحدهم: «يحاول أن يمسك يدها فتتملص منه». الخوف يتملك جميع الفلاحين.

الزعيم: لا ترغبي صحبته؟.. سأصحبك أنا إلى داري «يجذبها من يدها ويضمها إلى صدره في وحشية».

فلسطين: «تبصق في وجهه».

الزعيم: «يزمجر ثم يسحب خنجره ويطعنها في قلبها فتتهاوى بين يديه مضرجة في دمائها» هذا مصير كل من سيتمرد على «يلوح بالخنجر الذي كسته دماء فلسطين في وجه أمها وجميع الفلاحين» هل سمعتم لقد جئناكم نريد سلامًا لكن يبدو أنكم يا بني كنعان لا تفهمون إلا لغة الدماء.. كم مرة حاولنا معكم لكنكم لا تتغيرون.

 يعرب «في عصبية» تسرقون قوتنا، وتهتكون أعراضنا، وتدعون السلام؟

أبوه «يجذبه من ملابسه» اسكت ما زلت غرًا

الزعيم «ليعرب»: من أنت؟ 

أبوه صبي لا يعرف ما يقول...

الزعيم «يوكز الرجل بقاعدة الخنجر في صدره علمه كيف يتحدث إلى الناس حتى لا يجني عليك وعلى أهله «في طريقه للتحرك هو ورجاله» سنلتقي قريبًا «يخرج هو ومن معه». 

أم فلسطين: «تنكفئ على ابنتها الغارقة في دمائها» فلسطين.. يا حبة القلب أنا أمك.. هل تسمعين؟ «تنتحب والنسوة من حولها يواسينها». 

يعرب: «ثائرًا» قتلها المختار.. قتلها المختار.

أبوه: «محذرا» اسكت.. اسكت.

يعرب لو أنه ترك شباب المدينة يكافحون هؤلاء اللصوص لأهلكناهم، لكنه آثر مفاوضتهم فعلوا ظهورنا واستباحوا حرماتنا.

أبوه: «غاضبًا» قلت لك اسكت وإلا سمعك رجال المختار، فنلت ما لا تحب.

يعرب «ينظر إلى فلسطين والنسوة يحطنها وأمها وهن يولولن» قسمًا لأثأرن لك من البغاة يا فلسطين «ينادي في الشباب» أيها الشباب من يبايعني على الثأرة؟

 الشباب: لبيك يا يعرب.

أحد الرجال: ما زلتم قليلي الخبرة إن غلبتم اللصوص عليكم المختار ورجاله، ونحن الخاسرون في كل الحالات.

رجل آخر: دعوا المختار يرتب شؤوننا لئلا نخسر كل شيء.

يعرب: لسنا أقل من فلسطين التي تحدت زعيم العدو «يتوجه ناحية النساء فيحمل فلسطين ويسير بها والشباب من خلفه».

 «2»

نهر أورسالم.. أشجار الزيتون والرمان والتين قد انتشرت بكثافة على شاطئ النهر.. يبدو أحد العابدين وقد اتخذ لنفسه صومعة تحت شجرة زيتون ضخمة.. تدخل أم فلسطين ومعها ثوب ابنتها الذي قتلت فيه فتمر من أمام العابد، ثم تلقي الثوب في النهر فتتلون صفحته بالدماء.

 أم فلسطين يا رب.. هذا دم ابنتي فلسطين. حورية بني كنعان وأجمل بناتهن.. اللهم لا تضع دماءها سدى.. اللهم اجعل كل من شرب من هذا النهر - وقد اختلط ماؤه بدمها - من إنسان أو طير أو شجر أو حيوان أن يكون حربًا على كل من أراد أورسالم بسوء إلى أن ترث الأرض ومن عليها.. اللهم تقبل دم ابنتي الوحيدة واكتبني في الصابرين.

العابد «من بين دموعه وقد سمعها» اللهم تقبل من أمتك الصالحة.

 أم فلسطين «تفاجأ به»: هل عرفت بمقتل ابنتي الوحيدة أيها العابد؟

العابد: نعم يا أم الشهيدة النبيلة.

 أم فلسطين: قتلها اللصوص.

العابد: اللصوص لم يقتلوا ابنتك.

 أم فلسطين: أنا رأيتهم بأم عيني وكبيرهم يطعنها بخنجره.

العابد ليس خنجره هو.. إنه خنجر المختار «في غضب مكتوم» من يثار لها ولنا؟ «تخرج أم فلسطين باكية».

يعرب: «يدخل ومن خلفه بعض الشباب» نحن الذين سنثأر لها وللجميع.. لقد جاوز اللصوص الحدود، واستباحوا كل الحرمات، فتعاهدت وإخواني على الثأر من الذين يريدون لنا المهانة.

 العابد: لا سبيل للخلاص إلا ما ذهبتم إليه... الثأر والجهاد.. سأتضرع إلى الرب لينصركم.

يعرب: اطمئن سنجالد اللصوص حتى يتمنوا الموت فلا يجدونه.

العابد: انفوا خبثكم قبل أن تجالدوا اللصوص.

يعرب: لم أفهم.

العابد: انفوا خبثكم فالأرض من عامها هذا لن تبقي على محتل، ستتحول حبات زيتونها إلى جذوات من اللهب المستعر، وغصون رمانها إلى رماح مسنونة، ومناقير طيورها إلى خناجر مسموعة، وسهولها ووديانها إلى أخاديد تنشق فتبتلع عتاة البغاة.

يعرب «متحيرًا» ماذا تقصد؟

 العابد: الأرض كفيلة بالدفاع عن نفسها.. لكن بعد أن ينفي أهلها حيث أنفسهم. 

يعرب «كأنه فهم» سننفي خبثنا اليوم.. هيا يا إخواني «يخرجون»

 «3»

«صحراء قاحلة».. يعرب ومن معه وقد انتهوا لتوهم من شق أخدود كبير يدخل مجموعة من رفاقه وقد قبضوا على مختار المدينة وبعض مستشاريه معصوبة عيونهم.. يوقفونهم على حافة الأخدود.. يعرب يتقدم ويفك عصاباتهم.. ثم يلقيهم في الأخدود الواحد تلو الآخر.. والشباب يحثون في وجوههم التراب.

 المختار «من قاع الأخدود وقد غير التراب وجهه»: أيها الشباب لا تدعوا الحماس يدفعكم لما قد تندمون عليه يومًا ما.. نحن لم نخن مدينتنا كما توهمتم.. العدو كان أقوى منا «أحد الشباب يصفعه بحفنة تراب فيسكت». أحد مستشاريه: صدق سيدي المختار ثم إننا لم نستسلم ولم نهادن.. لقد بذل أبناء مدينتنا أرواحهم دفاعًا عن أرضنا غير أن العدو كان صاحب سطوة، ونحن بدورنا دافعنا بشرف و... «يتلقى حفنة تراب هو الآخر فيخرس».

 مستشار آخر من أخدود الصمود أناشدكم أن تستمعوا إلى وألا تعاجلوني بحفنة تراب قبل أن أتم كلامي أيها الشباب طالما أرهقت نفسي في المطالبة بحقوقكم غير عابئ بالصعاب التي واجهتني وأنا من موقعي هذا أعدكم بتكثيف المفاوضات حتى يجلو المحتل عن أرضنا في أقر.. «يصفعونه بحفنة فيمتلئ، فوه بالتراب».

المختار «في غطرسة» ماذا تريدون؟

يعرب: الثأر.

المختار: هل تثأرون ممن يدافع عن حقوقكم.

يعرب: أنتم الذين أضعتم حقوقنا.. سلمتمونا غنيمة باردة لأعداء مدينتنا.

المختار: نحن لم نسلمكم لهم.. نحن نفاوضهم حتى يخرجوا من مدينتنا بأقل الخسائر.

يعرب: أي الخسائر تقصد؟ 

المختار الخسائر التي قد تلحق بالمدينة. 

يعرب: تقصد خسائرك وأذنابك.. أليس كذلك؟ 

المختار: «غاضبً» كيف تكلمني بهذه اللهجة؟

هل نسيت من أكون؟!

يعرب «يقذفه بحفنة تراب» لم أنس يا سوط المحتل.. ولم ينس الناس أقبيتك التي أعددتها للزج بكل من قال أورسالم حرة.

المختار: كان الأولى بكم أن تتعاونوا معنا للتخلص من المحتل، بدلًا من استئسادكم علينا.

 شاب آخر: نتعاون معكم للتخلص من المحتل أم لنكون عمال جباية نقتص من قوت العباد وتقذفه في جوفكم الذي لا يملؤه إلا التراب يقذفه بحفنة تراب».

المختار «يغير لهجته»: أيها الشباب.. أنتم أملنا جميعًا.. ندرأ بكم في نحور العدو وبسواعدكم نبني نهضة مدينتنا.. لقد قطعنا شوطًا طويلًا في المفاوضات فلا تضيعوا علينا فرصة تحرير مدينتنا.

يعرب لم يعد لدينا وقت لنضيعه معكم فالأرض تريد التخلص من رجسها لتثور على المحتل «يومئ، لرفاقه فيهيلون التراب عليهم وهم يصرخون ويستغيثون».

 «4»

«شجرة الزيتون الضخمة حيث صومعة العابد، وقد تسلح أهل المدينة في انتظار الأعداء». 

يعرب: أيها الرجل الصالح.. لقد نفينا خبثنا وعدنا كنعانيين أقحاحًا، وفينا بوعدنا فهل توفي الأرض بوعدها؟

العابد: لا ريب في وفائها يا بني فدماء فلسطين قد غذت كل حي في أورسالم، وسينار لها كل من غذي من دمائها «ينظر في الأفق متهللًا» ربي لله الحمد.. إني أرى بوادر ريح عاصف اللهم حوالينا ولا علينا «للناس» أسرعوا.. أسرعوا واجلسوا تحت أقدام شجرتي هذه «الجميع يهرعون إلى شجرة العابد ويحتمون بها.. صوت رياح عظيمة».

أحد الرجال «يحدق في الأفق»: أيها الناس... إني أرى كبير اللصوص ورجاله مقبلين علينا.. ها هم يصارعون الريح والغبار.. إنهم أقوى من كل شيء الناس: «تخاف وتهم بالهروب»

العابد: «يصرخ فيهم» إني أحذركم.. إياكم أن تغادروا ظلال شجرة الزيتون هذه النار والسعير من خلف هذه الظلال.. انظروا ألا ترون الريح العاصف والغبار الهائج... إنها عاصفة الغضب.

 الرجل يا قوم.. زعيم اللصوص يقترب.

الزعيم يقترب.

يعرب: «ثائرًا»: لا تهلك الناس بحماقتك.

الرجل: «متوترًا»: لا عليكم من هذا الشاب المتهور... إنه يريد هلاككم الزعيم سوف يقتل الجميع، لن يبقي وأن يذر.

أم فلسطين: كذبت ورب الأكوان وصدقت دماء ابنتي فلسطين فاليوم يوم الغضب.

الرجل أيها الناس من أراد النجاة فليتبعني «يجري ومن خلفه بعض الخائفين» «الناس يتابعون الأحداث من تحت ظلال الزيتونة الرياح والأعاصير والغبار الثائر يجعل الرؤية ضبابية... الرجل الهارب هو ومن معه يلتقون كبير اللصوص فيقتلهم.. ويمضي في طريقه يريد الناس تحت الشجرة».

العابد: «يطمئن الناس، وهو يدعو وينظر في الأفق» اشكروا الرب.. إني أرى أسراب الطيور تحوم فوق رؤوس الأعداء. 

الناس: «تلهج بالشكر»: شكرًا للرب.. شكرًا للرب.

 «الطيور تحط على الأعداء وتنقر عيونهم ورؤوسهم.. الرياح تحرك أغصان شجر الزيتون والرمان فتمتد لتطيح بالأعداء يمنة ويسرة.. حبات الزيتون تهطل عليهم كالحجارة المسومة فتقتلهم... بعد مدة تهدأ العاصفة ويصفو الجو، وقد قتل جميع الأعداء».

العابد: يا ربنا لك الشكر على أن خلصتنا من هؤلاء الطغاة.

رجل: شكرًا لك أيها العابد الفضل لك.. كل الفضل.

العابد: الفضل للرب أولًا ثم لدماء فلسطين حورية بني كنعان أما أنا فأدعو الله أن يتقبلني في أتباعها اشكروا أم الشهيدة.

الناس: شكرًا لك يا أم فلسطين.

أم فلسطين: الشكر للرب الذي ألهمني بث دماء الحورية في النهر، لتكون حربًا على كل معتدي.

يعرب: لا بد من تكريم فلسطين الشهيدة.

 شاب: كيف نكرمها، إنها أكبر من كل قيمة؟

يعرب نحن مقبلون على عهد جديد، وحياة جديدة.. لم لا نغير اسم مدينتنا من أورسالم إلى فلسطين تيمنًا باسم الشهيدة، ووفاء لروحها الطاهرة؟ العابد: نعم الرأي.. ما رأي القوم؟

 الناس الرأي ما ذهبتم إليه أيها الرجل الصالح.

العابد: إذًا سيكون اسم مدينتنا بدءًا من اليوم فلسطين، لتكون سيرتها ماثلة في ذاكرتنا نورثها الأجيال، نقاوم بها كل من أرادنا بسوء، وندرأ بدمها الزكي في نحره أيها الناس: عودوا إلى حقولكم.. أفلحوا أرضكم واسقوها من نهر تعطر بدماء حورية بني كنعان، لتنمو ثماركم عليه وتنبت لحومكم ولحوم ذراريكم على العزة والكرامة.

الناس: «يغادرون شجرة العابد وهم يغنون أهازيج الحصاد ويغنون لمدينتهم الجديدة فلسطين».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل