; الأصول الفكرية لعلاقة الغرب مع نبي الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان الأصول الفكرية لعلاقة الغرب مع نبي الإسلام

الكاتب باسم خفاجي

تاريخ النشر السبت 13-مايو-2006

مشاهدات 59

نشر في العدد 1701

نشر في الصفحة 34

السبت 13-مايو-2006

  • ظل الغرب عبر تاريخه الطويل من المواجهة الفكرية والدينية مع العالم الإسلامي يميل إلى الطعن في شخص النبي ﷺ

  • من حرفوا دين المسيح نجحوافي إقناع المسيحيين بأن لهم أن يجمعوا بين كل متع الدنيا.. لكن دين محمد ﷺ يطلب من الإنسان الكثير فكيف إذن لمن يعتنق الفكر النفعي أن يحب محمداً؟

شهدت الفترة الماضية ارتفاع نبرة المواجهة مرة أخرى بين العالم الإسلامي من ناحية، وبين أوروبا من ناحية أخرى فيما يتعلق بالهجوم على شخص النبي محمد ﷺ.

ورغم أن هذا الهجوم تكرر كثيراً خلال الأعوام الماضية، وبصور متعددة، إلا أن العالم العربي والإسلامي. لا يزال مصراً على التعامل مع كل حالة من تلك الحالات التي يهاجم فيها خير البشر، وكأنها حالة منعزلة وفردية، ويجب أن تعامل في هذا السياق. ويغيب عن الكثير من أبناء الأمة أن الموقف الفكري الغربي من النبي ﷺ في مجمله عبر التاريخ موقف عدائي، وإن اختلفت صور التعبير عن هذا العداء.

قصور في الفهم

ويلقي البعض باللوم على الأمة الإسلامية لتخاذلها وضعفها من ناحية أو لتكرار حوادث العنف التي تتبناها بعض فصائل الأمة تجاه الغرب، ويرى أن ما يسمى بالإرهاب الإسلامي هو سبب هجوم الغرب على الإسلام وعلى نبي الإسلام، ونسأل هؤلاء.. وهل كان الغرب يمدح النبي ﷺ ، أو حتى يسكت عن إيذاء شخصه الكريم وإهانته عندما كانت الأمة الإسلامية في حالة وفاق وسلام تام مع دول الغرب؟ إن الغرب لم يتوقف عن الهجوم على رسول الإسلام- فكرياً وعقدياً طوال القرون الماضية، وهو موقف عام لم يشذ عنه إلا القليل من المفكرين والمتدينين.

ويرى البعض الآخر أن الهجوم على الإسلام أو على نبيه الكريم ليس إلا حالات فردية لمن يبتغون الشهرة، أو من يحملون أحقاداً على الإسلام، ويقوم هؤلاء بسرد بعض النقولات التاريخية أو المعاصرة لمفكرين غربيين يمدحون شخص النبي ويعتبرون أن وجود هؤلاء يقدح في فكرة وجود عداء فكري عام في الغرب تجاه الإسلام أو شخص الرسول الكريم.

والحقيقة أن الاستشهاد ببعض الأقوال مع حذف السياق التاريخي لها- يمكن أن- يكون مقنعاً بوجود إعجاب من بعض المفكرين الغربيين بشخصية النبي ﷺ . ولابد أن نلاحظ هنا أن معظم الاقتباسات الإيجابية من المفكرين الغربيين حول نبي الأمة إنما تصف مواقف النبي وعبقريته الإدارية والعسكرية والقيادية، ونجاحه في إقامة الحضارة الإسلامية، ولكنها لا تقدم هذا النبي الكريم بصفته مرسلاً من رب العالمين، أو يحمل رسالة سماوية يدين بها اليوم أكثر من مليار نسمة. إن معظم الثناء على الرسول في الفكر الغربي إنما هو ثناء على رمز سياسي أو اجتماعي.. وليس قبولاً أو إقراراً بأحقية الإسلام ونبيه الكريم في التنافس الحضاري الإنساني.

ويقع بعض أبناء الأمة من الدعاة والمصلحين في لبس بشأن ذلك، وهم يدافعون عن الغرب بوصفه معتدلاً أو متعدد الرؤى فيما يتعلق بنبي الإسلام صلوات الله وسلامه عليه، وما يغيب عن هذه الرؤية، ويعيبها أيضاً.. هو إدراك أن الفكر الغربي يتحرك وفق مجموعة من المسلمات الأساسية التي تخالف بقوة الدعوة الإسلامية في المبادئ والمسلمات، وبالتالي فإن الأصل في العلاقة الفكرية بين الغرب وبين الإسلام لم يكن يوماً ما التوافق وإنما كانت العلاقة دائماً من النواحي الفكرية تميل إلى المواجهة وعدم الاتفاق.

من المهم أيضاً في هذا المقام أن نفصل بين أمرين: الأول هو العلاقات بين الشعوب، والتي كانت في كثير من الأحيان تميل إلى السلام والوئام، وكذلك العلاقات السياسية التي تتبدل وتتغير وفق المصالح. أما الأمر الثاني فهو الرؤى الفكرية تجاه النبي ﷺ ، والتي لم تتغير كثيراً في الغرب منذ بعثة النبي ﷺ  وحتى التاريخ المعاصر وكانت في مجملها رؤى ومواقف معادية وصدامية.

إن الأحكام الفكرية لابد أن تنطلق من الرؤى المشتركة والمستمرة عبر فترات زمنية طويلة، ولا تقاس على ما شد من الأقوال أو الأفكار. والغرب عبر تاريخه الطويل من المواجهة الفكرية والدينية مع العالم الإسلامي كان دائماً يميل إلى الطعن في شخص النبي، وهو ما لم يتغير عبر قرون طويلة من العلاقة مع الغرب، ولذلك أسباب سيأتي بيانها في هذا المقال.

هل الغرب كيان فكري واحد؟

نرى قبل الحديث عن الموقف الفكري الغربي من النبي ﷺ أن نؤكد إدراكنا أن الغرب ليس كياناً واحداً فيما يتعلق بالسياسات وطبائع الشعوب، ومواقف دول الغرب السياسية من العالم العربي والإسلامي. كما أن الغرب ليس كياناً واحداً أيضاً فيما يتعلق باهتماماته الدينية ومدى اقترابه أو ابتعاده عن دعوة ورسالة نبي الله عيسى عليه السلام أو الأديان بوجه عام. فليس كل الغرب متديناً وليس كل الغرب علمانياً أيضاً، وهناك فوارق كبيرة بين المدارس والمذاهب الدينية المختلفة داخل المسيحية في الغرب.

لكن رغم كل هذا التباين والاختلاف في السياسات والطبائع والتوجهات، إلا أن الغرب يكاد يكون كياناً واحداً عندما يتعلق الأمر بالجوانب الفكرية المتعلقة بعلاقاته مع الحضارات الأخرى والديانات التي تختلف عن ديانات الغرب. فرغم تعدد المدارس الفلسفية والفكرية في الغرب، إلا أن هناك قدراً مشتركاً وواضحاً من المفاهيم الفكرية الأساسية عندما يتعلق الأمر بالرؤى المقابلة حول مستقبل البشرية وهدف الإنسان من الحياة على الأرض. لذلك فإن من الممكن أن يتم الحديث عن الغرب بوصفه كياناً واحداً عندما يتعلق الأمر بالحياة الفكرية الغربية في مقابل الحضارات الأخرى.

وسوف تتعامل هذه الدراسة مع الغرب ككيان فكري واحد من ناحية المنطلقات الأساسية للحضارة الغربية، والمبادئ التي قامت هذه الحضارة عليها، وعلاقة ذلك بموقف الغرب من النبي ﷺ .

مشكلات الفكر الغربي مع نبي الإسلام

لكي ننجح في فهم علاقة الغرب فكرياً بنبي الإسلام ، فلابد أن نبتعد قليلاً عن المواقف، وندرس المبادئ إن المواقف ليست إلا تعبيرات واقعية عن الأفكار الكامنة في الشخصية الغربية، والتي تكونت عبر قرون طويلة من التأثير الفكري الذي كون قناعات راسخة لا تتزعزع داخل الشخصية الغربية فيما يتعلق بعلاقتها بالخالق، وعلاقتها بالكون والطبيعة والآخرين. وهذه القناعات تتصادم بشدة مع ما جاء به النبي ﷺ ولذلك نشأ العداء وليس من المتوقع أن يقل أو ينتهي في القريب. وهذه مجموعة من الأسباب الفكرية التي ساهمت في تكوين علاقة العداء على المستوى الفكري.

إن المشكلة الرئيسة في علاقة الغرب فكرياً بالعالم الإسلامي، وعداء الغرب للنبي ﷺ ، هو مركزية الله تعالى في الكون لدى المسلمين، والتي تتجسد في دعوة محمد ﷺ ، وفي دين الإسلام وفي واقع الأمة الإسلامية بصرف النظر عن درجة تدين والتزام أفراد هذه الأمة.

المشكلة الرئيسة مع الغرب هي أن رسول الإسلام قدم مفهوماً يمكن أن يهدم الفكر الغربي من أساسه.. وهو مركزية الله تعالى في حياة البشرية مقابل نظريات الغرب التي تقوم على مركزية الإنسان

إن الغرب في المقابل ينطلق فكرياً- وبكل فئات مجتمعاته وكل مفكريهـ من فكرة مركزية الإنسان في الكون، وأن الفرد هو مركز الاهتمام الرئيس، وأن تطلعات الفرد وحقوقه وحرياته تقدم على أي أمر آخر، وحتى أمور العبادة وعلاقة الفرد بالإله.

لذلك اختار الغرب أن يجعل عداء الإسلام ضمن منظومة قيمه الرئيسة لأنه بذلك يتمكن من إبقاء الفرد مركزاً للكون في مواجهة دعوة محمد ، التي حافظت على مكانة الخالق جل وعلا ومركزيتها في حياة البشر.

وحول ذلك تحدثت المؤلفة البريطانية كارين أرمسترونج- صاحبة كتاب «محمد» قائلة: «علينا أن نتذكر أن الاتجاه العدائي ضد الإسلام في الغرب هو جزء من منظومة القيم الغربية، التي بدأت في التشكل مع عصر النهضة والحملات الصليبية وهي بداية استعادة الغرب لذاته الخاصة مرة أخرى، فالقرن الحادي عشر كان بداية لأوروبا الجديدة وكانت الحملات الصليبية بمثابة أول رد فعل جماعي تقوم به أوروبا الجديدة (1).

بین محمد والمسيح

تمحور الفكر الغربي حول شخصية المسيح عليه السلام وتحولت شخصية المسيح بعد تحريف الدين المسيحي إلى تجسيد للفكر الغربي حول مركزية الفرد في الكون، فقد تحول الإله في نظر المتدينين إلى شخص.. إله في صورة فرد.. خطاياهم دفع دمه ثمناً مقدماً لجميع القادمة. وعندما سيطر الفكر النفعي على الشخصية الغربية، أصبح التعلق بشخص المسيح يمثل قمة النفعية لمن اختاروا التدين، فهو قد قام بدفع فاتورة خطاياهم حتى قبل أن يقعوا فيها، وأبقى لهم الحياة لكي يمارسوا فيها ما شاءوا من أفعال طالما أن محبة المسيح  كفرد وكإله- تسيطر على مشاعرهم. أما من تركوا الدين المسيحي بأكمله، وأصبحوا لا دينيين أو ملحدين، فقد كان المسيح- بعد تحريف الدين– أيضاً مركزياً في مواقفهم الفكرية.. فهو فرد وبالتالي لا يمكن أن يختلف عن غيره من البشر، وبالتالي فليس هناك إله- بزعمهم. كما أن المسيح بصورته التي قامت الكنيسة الغربية بتصويرها رحيم منعزل عن حياة الناس.. يقبل بكل معايير الحياة الإنسانية ولا يدعو إلا إلى الحرية والمساواة.. وهي أهم قيم العلمانية ولا تصادم من تركوا الدين، وبالتالي فلا حاجة إلى مصادمة المسيح.

أما العلاقة مع محمد فهي علاقة تصادمية مع كل من التيار الديني والعلماني في الغرب على المستوى الفكري. فمحمد - حرص على أن يكون فرداً.. إنساناً بكل معاني الإنسانية، ورفض أن يكون إلها في صورة إنسان، وبالتالي فهو يناقض فهم المتدينين من الغرب للإله الذي عرفوه وبالتالي تكونت الكراهية والضيق من كل ما يمثله محمد ﷺ فهو ليس على شاكلة المسيح.. في نظرهم. وهو يناقض أيضاً مشاعر ورغبات غير المتدينين، لأنه يطلب من البشر- كما أمره خالقه- بالكثير من العبادات والأعمال والالتزامات، ويقدم حرية المجتمع على حرية الفرد، ويضحي بالمساواة من أجل العدالة ومن أجل صلاح المجتمع. كل ذلك ساهم في تكوين صورة سلبية وقاسية عن نبي الإسلام.

إن المتدينين في الغرب- كما في الشرق أيضاً- يعشقون فكرة المعجزة لأنها خلاص من مواجهة واقع يطحن أحلامهم.. لذلك انتشر في التدين الغربي قصص المعجزات والخوارق وكرامات القديسين، وأصبح ذلك مكوناً رئيساً من مكونات التدين المسيحي الغربي. أما محمد ﷺ فقد جسد إمكان انتصار الإنسان دون حاجة إلى المعجزات. لقد كانت حياة الرسول- في نظرهم- خالية من المعجزات والحياة الغربية قاسية، والتدين فيها يسمح للفرد أن يحلم بالمعجزة للفرار من الواقع، ونبي الإسلام لا يعد بالمعجزات، وإنما بحياة مليئة بالجهد والجد والمعاناة من أجل آخرة يمكن فيها الاستمتاع بالجنة.

لقد نجح من حرفوا دين المسيح في أن يقنعوا أنصار المسيح في الفكر الغربي، أن لهم أن يجمعوا بين كل متع الدنيا- فقد دفع ثمن ذلك المسيح- وأن يجمعوا معها أيضاً النجاة في الآخرة لأنهم أحبوا المسيح. وهكذا يتفرغ المتدين للحياة دون الحاجة الحقيقية للعمل فإن محبة المسيح كافية للجنة. أما محمد فإن دينه ودعوته تطلب من الإنسان الكثير، ولا تعد بالمقابل إلا بأمل في رحمة الله كيف إذن لمن يعتنق الفكر النفعي أن يحب محمداً ؟

ويروي الكاتب العربي هشام جعيط في تحليله للشخصية الأوروبية كيف أنها نظرت للعالم الإسلامي ولدعوة النبي ﷺ فيقول: يسير تاريخ الإسلام لا وفق ديناميكيته الخاصة، بل كانعكاس شاحب ومعكوس لتاريخ الغرب لنأخذ مثلاً على ذلك: شخصية محمد نلاحظ أنه ضمن كل تحليل لهذه الشخصية تنساب عملية مقارنة مع المسيح. إذا كان محمد غير صادق فذلك لأن المسيح كان صادقاً؛ وإذا كان متعدد الزوجات وشهوانياً، فلأن المسيح كان عفيفاً، وإذا كان محمد محارباً وسياسياً فذلك استناداً إلى يسوع مسالم، مغلوب ومعذب (۲).

تجذر فكرة النبوة الكاذبة

قامت الكنيسة الغربية تحديداً منذ بداية الإسلام بالطعن في صدق نبوة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا يزال هذا الموقف هو السمت المشترك لمعظم المفكرين المتدينين الغربيين، رغم أن بعضهم قد تنازل ووصف النبي ببعض الصفات الإيجابية كقائد سياسي، أو مصلح إنساني، أو إنسان طموح، ولكن ليس كنبي يوحى إليه. وأخطأ كثير منا في فهم دلالة العبارات التي تطير بها وكالات الأنباء العربية والإسلامية وكأنها تمثل تحولاً فكرياً في نظرة الغرب للنبي. فكم تغنينا بعبارة أن العظماء مائة وأعظمهم محمد وغيرها من العبارات التي يكثر تقديمها في هذا السياق.

كما تسببت هذه الرؤية في كذب نبوة محمد ﷺ في تكوين فكرة مسيحية استقرت في أذهان الكثير من المفكرين الدينيين في الغرب هذه الرؤية تتصور أن هذه النبوة الكاذبة في ظنهم قد أوقفت تطور الإنسانية باتجاه المسيحية. يقول أحدهم: «لقد أمكن لمحمد أن يكون إمبراطورية سياسية ودينية على حساب موسى والمسيح (۳) .

ويلحظ أحد المفكرين أن فكرة أن النبي لم يكن نبياً حقيقياً صادقاً قد تجذرت دون أن يصدها أي ريب أو شك أو حتى محاولة للتفهم الحقيقي للرسالة الإسلامية عند مفكرين عديدين من القرون الوسطى أمثال ريمون مارتن، وريطولدو، ومارك دي تولاد وروجيه بيكون وتحولت دعوة الإسلام في نظر هؤلاء إلى رسالة ناسوتية أملتها مشاريع المصالح السوداء الدنيوية والشخصية، أما القرآن فليس سوى مجموعة من الخرافات مستعارة من التوراة وبشكل مشوه في نظر هؤلاء.

ولذلك يبقى الإسلام في نظر الغالبية العظمى من مفكري الغرب ديناً زائفاً مهما بلغت نجاحاته، ومهما ادعى أنه أفضل من الدين المسيحي الذي تركه معظم الشعب الأوروبي عملياً، ولكنه لا يزال يحرك معتقداته الفكرية في التعامل مع الآخرين بقوة.

هوس فكري

إن كل تساؤل وانشغال كبير بالآخر إنما يعكس في طياته هوساً بهذا الآخر. وقد قدم الإسلام منذ ظهوره ذلك «الآخر» الذي عرفت أوروبا نفسها وطموحاتها من خلال مقابلته والمصادمات معه، فرغم أن الإسلام في بداية انتشاره لم يول الغرب أي اهتمام- لتخلف الغرب حينها- إلا أن الإسلام وشخصية النبي محمد بوصفها تجسيداً للكمال الإنساني لدى أنصار الإسلام قد أصبحا محور الهجوم المستمر لمفكري الغرب لتأكيد فكرة أن الغرب أفضل من الشرق. حقاً إن أوروبا قد تخلت عن الفكرة المسيحية، ولكنها لا تستطيع أن تتحرر مطلقاً من أثر الفكر المسيحي على شعوبها. وهذا الفكر المسيحي الغربي قد توحد عبر القرون الماضية حول فكرة معاداة الإسلام وتقديم نموذج شخصية المسيح عليه السلام بعد تحريفها - في مواجهة شخصية النبي محمد ﷺ ، وهو ما يفسر الهوس الغربي بالهجوم على النبي .

أما بالنسبة للاتجاه غير المتدين- كما يذكر أحد المفكرين العرب- الذي يؤثر أكثر فأكثر في الحقيقة الاجتماعية الأوروبية بمرور الزمن، فمنذ أن تحررت الفكرة العلمانية من الضغط المسيحي على التأمل العقلاني وعلى الممارسة السياسية، انفتحت نظرة جديدة للكون، هذه النظرة الجديدة مكنت من رؤية الإسلام بعمق، كجزء متمم ومهم من الحياة الإنسانية، ولكنه أيضاً خصم سياسي وعسكري عنيد تمثل في ذلك الوقت في الإمبراطورية العثمانية.

لذلك استمر العداء رغم اختلاف القوى المحركة له واستمر الهوس بالعالم الإسلامي، وظهرت الانتقائية الفكرية الغربية التي ترى أن الإمبريالية ليست إلا مهمة حضارية للارتقاء بشعوب الأرض، وأن مقاومتها من قبل المسلمين الذين يتمثلون شخصية نبيهم ليسوا إلا برابرة يجب القضاء عليهم من أجل استمرار المهمة الحضارية نحو هدفها في تنقية الجنس البشري من كل أنواع البرابرة، وعلى رأسهم أنصار محمد.

مرأة داكنة لواقع الغرب

يرى البعض في الغرب في شخصية النبي ﷺ نموذجاً متكاملاً لنوع من الكمال الإنساني الذي لا يمكن للغرب بأفكاره ونظرياته وممارساته أن يصل لها. وعند هذا الفريق من الغربيين، يصبح القضاء على هذا النموذج هماً حقيقياً بذاته. فكأن حياة النبي محمد ﷺ تمثل ذلك الضمير الذي يوخز الغرب في جنباته، وكأنه مرآة داكنة توضح لهم بالدليل الواقعي مدى التردي الذي وصل إليه حال الشخصية الغربية نتيجة لابتعادها عن النموذج المحمدي.

قد يعترض بعض المفكرين العرب، بل المسلمين على تصوير واقع الشخصية الغربية بهذا الشكل المأساوي، ولكن الحقيقة أن هناك فراغا روحيا ضخم في الغرب بالعموم، ويظهر ذلك من ارتفاع معدلات الجريمة والإدمان والانتحار وانتشار الرذائل، بل تصديرها إلى كل أنحاء العالم. وفي المقابل تظهر الشخصية المسلمة التي يمثلها النبي ﷺ كمقابل حاد في مواجهته لتلك الشخصية الغربية. ومنها هنا نجد الهجوم الشديد والمتكرر على شخص النبي .

مشروع مواز للغرب

إن إحدى مشكلات عداء الغرب التاريخي للنبي ، أنه جاء بنظام سياسي وفكري متكامل ينازع الغرب في المسلمات الأساسية، وكذلك في طرق التنظيم والإدارة وسياسة المجتمعات، وأخيراً في نمط العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع وبين المجتمعات المختلفة. إنه ببساطة نظام متكامل مواز للنظام الغربي، ولا يلتقي معه وإنما يقدم بديلاً قوياً وخطيراً له.

وكما يذكر أحد المفكرين العرب فإن الخوف من قوة الإسلام المحركة يأخذ في اللحظات التراجيدية شكل الدفاع والصراع والمشاجرة، أحد أكثر الأشكال الانفعالية في التاريخ لقد أبرز مفهوم الإسلام السياسي كتهديد متواتر، ومفهوم الدين السياسي كبنية تاريخية في أصول الإسلام. يقول جولديهر: إن الإسلام قد جعل الدين دنيوياً، لقد أراد أن يبني حكماً لهذا العالم بوسائل هذا العالم (٤).

لذلك هاجم المفكرون الغربيون بشدة المشروع الحضاري الإسلامي، واعتبروه خطراً كبيراً يهدد سيادة الفكر الغربي وانتصار الحضارة الغربية، ونهاية التاريخ ولم يبدأ هذا الأمر مع أحداث سبتمبر، أو مع نشوء فكرة صدام الحضارات أو نظرية نهاية التاريخ، وإنما سبق ذلك بقرون عديدة، واستمر يغذي الشخصية الغربية بمبررات العداء للعالم الإسلامي ولشخصية النبي محمد ﷺ. وانظر إلى أحدهم عندما يقول منذ أكثر من قرنين من الزمان: يجب القول إن من بين كل الذين تجرأوا على سن القوانين للشعوب لم يكن واحد منهم أجهل من محمد. وبين كل الإبداعات الخرقاء للفكر الإنساني، لم يكن هناك أتعس من كتابه. وما يحدث في آسيا منذ ألف ومائتي سنة يمكن أن يكون البرهان، لأننا لو أردنا الانتقال من موضوع خاص إلى ملاحظات عامة، لكان من السهل البرهان أن الاضطرابات في الدول وجهل الشعوب في هذه المنطقة من العالم إنما هو تأثير مباشر، إلى حد ما، للقرآن ولأخلاقه (٥).

المراجع

(1) كاتبة بريطانية تدين الغرب وتتهمه بالتجني على الإسلام القاهرة: جمال شاهين الشرق الأوسط، الأربعاء ۱۸ ذو الحجة ١٤٢٦ هـ ١٨ يناير ٢٠٠٦ العدد ۹۹۱۳.

(۲) «أوروبا والإسلام»، «صدام الثقافة والحداثة»، هشام جعيط دار الطليعة ٢٠٠١ ، ص. ٤٠.

(3و4) «أوروبا والإسلام»، «صدام الثقافة والحداثة، هشام جعيط دار الطليعة ۲۰۰۱، ص 85.

(5) Voyage en Syrie et en Egypte Pen- dant les annees 1783-1785.Paris - 1787.PP. 301-310.

الرابط المختصر :