العنوان ملف العدد (5): المجتمع (2186)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الجمعة 01-ديسمبر-2023
مشاهدات 67
نشر في العدد 2186
نشر في الصفحة 46
الجمعة 01-ديسمبر-2023
اليهود.. البداية والنهاية (1)
النفسية اليهودية
الشيخ خالد آل عبد اللاه
الصراع بين الحق والباطل، وبين قوى الخير والشر، صراع قديم ضارب بأطنابه في عمق التاريخ، كما أنه مستمر وممتد إلى قُبيل قيام الساعة، وهو من سنن الله في كونه يعرف بـ«سُنة التدافع»، حيث يقول ابن خلدون: «اعلم أن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليقة منذ برأها الله»، وقال: «وهو أمر طبيعي في البشر لا تخلو عنه أمة ولا جيل»(1)، فالذي يحلم بأن ينتهي الصراع من العالم تماماً، هذا يعيش في وهْم، لا حقيقة له، اللهم إلا ما يكون قبيل قيام الساعة زمن عيسى عليه السلام.
واليهود منذ أن وجدوا على الأرض يمثلون حلقة سوداء في سلسلة الصراع العالمي، بل ويمثلون قوة الشر على مر التاريخ أينما وجدوا، والسر في ذلك إنما يكمن في طبيعة نفس معقدة خبيثة يحملونها بين جنباتهم.
يقول د. صلاح الخالدي: «إن المتأمل للتحليل القرآني الكاشف للنفسية اليهودية يدرك أنها ركبت تركيباً خاصاً، وأن أوضح وصف لها هو الالتواء والتعقيد»، وأضاف: «فجاءت النفسية اليهودية معقدة، تداخلت خيوطها، وتعمق فيها الغدر، والحقد، والحسد، واللؤم، والمكر والخديعة، والتآمر والأنانية، والتكبر والافتراء، والكذب والزعم، والتحريف والتبديل والتحايل، كأنها مزجت من هذا المزيج المريض فكانت نتاجاً مراً شائهاً له»(2).
فالنفس اليهودية -بشهادة مَنْ خلقها- جاءت ممزوجة بهذه الطباع السيئة، جامعة لكل نقيصة، ومجسمة لكل رذيلة، نفس ترى أنها فوق البشر، وأن الله خلق البشر ليكونوا خدماً لها، وهذا مرض عضال يسميه علماء النفس بمرض «البارانويا»؛ وهو ما يعرف بـ«جنون العظمة»، حتى قال فرويد: إن اليهود مصابون بمرض «البارانويا».
ولمَ لا قد جاء في توراتهم المحرفة ما يحرضهم على ذلك: «أنتم أولاد للرب إلهكم؛ لأنكم شعب مقدس للرب إلهكم، وقد اختاركم الرب لكي تكونوا له شعباً خاصاً فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض»(3)، وهو زعم مدحوض بنص كلام الله تعالى: (بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ) (المائدة: 18)، فالحق أن لهم ما لسائر البشر وعليهم ما عليهم، لكنه الداء الذي جُبلوا عليه واستشرى فيهم.
وجنون العظمة أخطر ما يصيب النفس من أدواء، وأعضل ما ينتابها من أمراض؛ لذا نراهم يرفضون التعامل النافع المبني على الندية مع الآخرين، ويتفننون في إيقاع السوء بهم، ومقابلة الإحسان بالسوء والإيذاء والتخريب.
ويقول د. خضر عباس، أستاذ علم النفس بجامعة الكويت: «إن الشخصية اليهودية الصهيونية مريضة نفسياً، وهي تحمل في ذاتها أمراضاً عديدة، من بينها: الاضطرابات الطفيلية، البارانويا (جنون العظمة)، كما أن الاضطرابات السلوكية في الشخصية اليهودية واضحة؛ كالعدوانية والانطوائية والتمركز حول الذات، والتشاؤم، والحذر التوجسي بالآخرين (الشك)، وانعدام الانفعال، والنقص في الحس الاجتماعي والأخلاقي (التوحد)، والإغراق في المادية، والحرص على التعلق بالحياة»(4)، أمراض خطيرة وطباع دنيئة أنتجت لنا شخصية مذهلة جديرة بالوقوف أمامها طويلاً!
وإن المتأمل في طبيعة هذه الشخصية اليهودية ليدهش ويذهل من طبيعتها وسماتها المتمحضة للشر، وكأنها ما خلقت إلا للإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل! ولا يكاد العاقل يصدق أن بشراً من الممكن أن يكونوا بهذه الطبيعة، لولا أن الوحي قد حكى ذلك عنهم، والتاريخ فضحهم، والمعاشر لهم قد تأكد من ذلك.
يا ليت إخواننا المتعاطفين مع اليهود يعلمون، يا ليت إخواننا المخدوعين والمطبعين معهم يعلمون، يا ليت ساستنا وقادتنا ومن يجلسون للتفاوض مع اليهود يعلمون، يعلمون طبيعة من يفاوضون، وشخصية من يعاهدون، وحقيقة من معهم يطبعون، فلو أن الدبلوماسي المسلم انطلق في تفاوضه معهم وهو يؤمن بأن هذه جبلتهم وتلك أخلاقهم، لما كانت هذه حال أمتنا وقدسنا وأقصانا.
الهوامش
(1) مقدمة ابن خلدون، ص 135.
(2) الشخصية اليهودية، د. صلاح الخالدي، طبعة دار القلم، ص 120.
(3) الدرر السنية، موسوعة الأديان، اليهودية وما تفرع عنها.
(4) مدونة د. خضر عباس، مقال بعنوان «خصائص الشخصية اليهودية لدى علماء النفس».
غزة.. وصناعة النَّخوة
أسماء السيد خليل
أظهرت الحرب على غزة، التي اشتعلت عقب عملية «طوفان الأقصى»، الوجه المشرق لخُلُق «النخوة»؛ فمن كان يظن أن مجتمعاً فقيراً وبهذه الكثافة السكانية العالية يصبر على احتمال الآلة العسكرية الصهيونية وما أحدثته من خسائر في الأرواح والمباني والممتلكات لا يحصيها العدُّ، إلّا أنه مجتمع فيه مروءة وإيثار وقدرة هائلة على الاحتمال، وهي ذاتها علامات النَّخوة ودلائل الرجولة.
لم نسمع شكاوى للسكان كالتي تُسمع عادة في أجواء الحروب، ولم نرَ هلعاً ولا جزعاً ولا أسى رغم الحصار وشح الطعام وندرة مياه الشرب والحرمان من العلاج وهدم المأوى وفقد الآباء والأبناء، بل رأينا تعاوناً وتضافراً يُعجزان الواصفَ عن وصفهما.
فالنازحون من أبناء أحياء الشمال يقابلهم أبناء الجنوب بالطعام والماء والدواء والمأوى والغطاء، والكلُّ متعايشون مع الأوضاع الكارثية؛ ففي المدرسة الواحدة أو المشفى الواحد هناك آلاف من المهجّرين تستوعبهم أماكن محدودة ودورات مياه معدودة، ورغم ذلك تسير الحياة؛ ما يؤكد أن هؤلاء ليسوا ككل البشر، وإنما شعب رائد فريد، سمتُه الرجولة والشهامة فلا يعرف التضعضع والوهن، ولا يأسى على ما فاته من ولدٍ أو متاع.
فهناك أخٌ يسرع لتغطية رأس شقيقته التي خرجت للتو من تحت الأنقاض بعد أن استُهدف بيتها بصاروخ مدمّر، شابّان يحملان مسناً ويخرجان به من موقع يتعرّض للقصف غير آبهيْن لما قد يصيبهما من القذائف المتواصلة، شابٌّ يصنع الطعام للنازحين على نفقته رغم إمكاناته المحدودة، صبيٌّ يغني لعجوز جلست حزينة أمام بيتها المدمّر ليسرِّيَ عنها ويذكِّرها بعِوض الله لها، وبالفعل لم يتركها إلا وقد علتها ابتسامة الحمد والرضا..
غيضٌ من فيضٍ من مشاهد وصور حصرية لشعب غزة الأبيّ وهو يجود بنفسه، ويقدم كل ما يملك من دعم مادي –على قلّته- ودعم معنوي، وهو كثير؛ ليظهر المعدن الثمين لهذه الطائفة المعاصرة من المضحين الصامدين، الذين ضربوا المثل في العزّة والوفاء لدينهم ووطنهم.
ولم تحرفهم المجازرُ على مدار الساعة عن التعالي على الجراحات، أو الاستمساك بحقهم في استرداد أرضهم ومقدساتهم المسلوبة، وقد دفعوا بأبنائهم وعائلاتهم فداء لهذه الأرض وتلك المقدسات، وآثروا العيش في الآلام والمعاناة كمعبر للعيش في كرامة مرفوعي الهامة يحدوهم اليقين بتحقق موعود الله لهم بالغلبة على عدوّهم ووراثة الأرض من بعد مغتصبيها الملعونين.
وأظهرت الحرب مروءة شعوبنا العربية والإسلامية، وشجاعتها ونخوتها، التي لا تقلّ عن نخوة إخوانهم الفلسطينيين، لقد هبّت الشعوب –كعادتها- من أول ساعة لنجدة إخوانهم، وما منعها من القتال بجوارهم صفاً واحداً، إلا تلك الحدود التي صنعها المحتلّ وعليها جيوش من حرّاس الأنظمة الذين باتوا حلفاء للصهاينة، ولو شققتَ عن قلوب شعوب العرب والمسلمين لوجدتها تتحرّق شوقاً إلى الجهاد، وبيع كل ما تملك في سبيل الله وفلسطين، ولو فُتحت الحدود والمعابر لتكاثر العرب والمسلمون على الصهاينة أهل البغي والعدوان وهزموهم بإذن الله.
إن هذه الفزعة من الشعوب، واللهفة على مناصرة الأخ الفلسطيني ولجم عربدة العدوّ أثرٌ من آثار العقيدة الإسلامية في النفوس، وهي آثار لا يمحوها الزمن، وقد ظنّ الظانُّون أن الأمة لم تعد سالمة، وأنها فقدت عناصر قوّتها وسرَّ نهضتها، فجاءت هذه الحرب لتخيِّب تلك الظنون، ولتؤكد أن المروءة لم تضع من أمة محمد، وأن خيريتها باقية إلى يوم القيامة رغم مظاهر الضعف والهوان.
وفي مقابل تلك الكرامة والرجولة التي تحلّت بها شعوبنا العربية والإسلامية وعلى رأسها الشعب الفلسطيني، هناك حالة من التردي والضياع لدى الأنظمة الرسمية التي فقدت نخوتها فتخلّت عن القضية، وبات بينها وبين الشعوب فاصل زمني وفاصل أخلاقي من الصعب استدراكهما؛ وبهذا لم تعد هذه الأنظمة تمثل الأمة ولا تعبر عن حقيقتها ومشاعرها، تضنُّ بالإنسانية على الجيران والإخوان من أجل مصالح دنيوية تافهة ألزمتهم الإذعان لعدوّنا، والتذلل والخضوع للقوى الكبرى الداعمة له، فرضخوا لتعليماتهم، وجبُنوا عن قول الحق والوقوف بجانب المظلوم؛ ما أطمع الجميع فينا، وتداعت علينا الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، ليس من قلّة ولا قدرات، ولكن لجُبن الذين غلبوا على أمرنا، ولتخلّيهم عن أنفة المسلمين وحميتهم ونخوتهم ورجولتهم.
طوفان المقاطعة يضرب الشركات الداعمة للاحتلال الصهيوني
هبوط أسهم شركات «بيبسيكو» و«كوكاكولا» و«ماكدونالدز»
دورة إنتاج لا تقل عن 3 أشهر لكشف حجم الخسائر
خسائر الاقتصاد «الإسرائيلي» تجاوزت 30 مليار دولار
كلما زاد تأثير المقاطعة على الرأي العام زادت فاعليته
عبد الله مسعود
مع تواصل القصف «الإسرائيلي» العنيف لقطاع غزة، وسقوط آلاف القتلى من النساء والأطفال عقب انطلاق عملية «طوفان الأقصى»، تصاعدت الدعوات والحملات الشعبية في العالم العربي والإسلامي لمقاطعة منتجات الشركات العالمية الداعمة للكيان الصهيوني.
وتعد حملات مقاطعة منتجات الشركات «الإسرائيلية» والأمريكية وغيرها من الشركات الداعمة لـ«إسرائيل» إحدى وسائل الضغط الشعبي، التي تلجأ إليها الشعوب العربية لدعم القضية الفلسطينية، منذ سنوات.
مع انطلاق عملية «طوفان الأقصى»، في 7 أكتوبر الماضي، وما أعقبها من قصف «إسرائيلي» عنيف على قطاع غزة، تعالت دعوات المقاطعة وحققت رواجاً كبيراً في العديد من الدول دل العالم خاصة الدول العربية.
وشملت حملات المقاطعة جهوداً شعبية ونقابية للتعبير عن دعم الشعب الفلسطيني، ورافق تلك الحملات تحركات سريعة ونداءات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، جعلتها تحقق رواجاً غير مسبوق.
لكن في ظل هذا الحماس الشعبي لمقاطعة منتجات باعتبارها إحدى الأدوات المحدودة التي تمتلكها الشعوب لنصرة إخوانهم في فلسطين، يطرح البعض تساؤلات عن جدوى هذه المقاطعة، وعما إذا كانت وسيلة ناجحة تحقق نكاية فعلية في العدو، لا سيما أن بعض الشركات العالمية التي طالتها دعوات المقاطعة مثل «ماكدونالدز»، و«بيبسيكو»، و«كوكاكولا»، و«ستاربكس»، شهدت هبوطاً في أسعار أسهمها لبعض الوقت.
وفي إجابته عن هذه الأسئلة، قال المحلل الاقتصادي حمدي الجمل: لا يستطيع أي شخص سواء متخصص في الاقتصاد أم لا أن يقول: إن حجم مبيعات الشركات الأجنبية انخفض أو إنها تكبدت خسائر.
وأوضح أنه لا بد من مرور دورة إنتاج لا تقل عن 3 أشهر وقد تصل إلى 6 أشهر لتحديد الموقف من خلال عمل إحصاء يقارن بين حجم المبيعات قبل الحرب على غزة وبعد مرور 3 أشهر على هذه الحرب.
وكان تقرير اقتصادي لشبكة «سي إن إن»، ذكر أن أسهم بعض الشركات التي شملتها دعوات المقاطعة، وهي «بيبسيكو»، و«كوكاكولا»، و«ماكدونالدز»، شهدت هبوطاً في بعض الأوقات بالتزامن مع الحرب الدائرة في قطاع غزة.
تراجع المبيعات
من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح أن دعوات مقاطعة الشركات الداعمة لـ«إسرائيل» أحدثت صدى واسعاً في مصر والسعودية، وجعلت عدداً كبيراً من الشركات ينفي صلته بـ«إسرائيل»؛ ما زاد من فاعلية الرأي العام العالمي.
وذكر أبو الفتوح أن هناك بعض الأدلة على فاعلية مقاطعة منتجات الشركات العالمية الداعمة لموقف «إسرائيل»، وتشمل تراجع مبيعات بعض الشركات العالمية في البلدان العربية والإسلامية بعد إطلاق حملات مقاطعة ضدها.
وضرب أمثلة ببعض الشركات التي تأثرت بحملات المقاطعة، ومنها شركة «أديداس» في السعودية التي تراجعت مبيعاتها هناك بنسبة 20% بعد إطلاق حملة مقاطعة ضدها بسبب دعمها لـ«إسرائيل»، مشيراً إلى أن شركة «نستله» أعلنت عن وقف استثماراتها في المستوطنات «الإسرائيلية» بعد إطلاق حملة مقاطعة ضدها.
وأوضح أن هناك عدة عوامل تؤثّر على فاعلية مقاطعة منتجات الشركات العالمية الداعمة لموقف «إسرائيل»، منها مدى مشاركة المستهلكين في المقاطعة، فكلما زادت هذه المشاركة؛ زادت فاعليتها، أيضاً مدى تأثير المقاطعة على الرأي العام، حيث كلما زاد تأثير المقاطعة على الرأي العام؛ زادت فاعليته.
لكن الخبير الاقتصادي رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية رشاد عبده، يرى أن من شأن خطوات المقاطعة أن تؤثر على المستثمرين الوطنيين، ولا تخدم مصالح الاقتصادات المحلية التي ستتضرر نتيجة لهذه الحملات.
وقال: إنه ينبغي التفريق بين ما إذا كانت الشركة فرعاً أجنبياً أو استثماراً وطنياً حاصلاً على حقوق الامتياز التجاري من الشركة الأم، معتبراً أن عقاب المقاطعة يطال الشركات المحلية الحاصلة على حقوق الامتياز، وليس الشركات الأم المستهدفة.
ورداً على تصريحات عبده، قالت المحللة الاقتصادية ليان الصالحي: إن حملات المقاطعة تؤثر بالتأكيد على الشركات الأم، التي تستفيد بشكل شهري أو سنوي من أرباح ومبيعات الشركات المحلية بمختلف دول ومناطق العالم، مقابل استغلال اسمها التجاري، موضحة أن تأثر الشركات المحلية من مقاطعة منتجاتها، وحدوث أي خلل على مستوى أرباحها؛ يطال الشركة الأم أيضاً.
وكشفت المحللة الأردنية أن لحملات المقاطعة أهدافاً أخرى غير الإضرار مادياً واقتصادياً فقط بهذه الشركات، تتمثل، بحسبها، في إيصال صوت وآراء الشعوب بشأن ما يجري للفلسطينيين إلى هذه الشركات.
تداعيات اقتصادية
أما حسام محمود، أحد مؤسسي حملة المقاطعة في مصر، فقال: إن الاقتصاد «الإسرائيلي» يعاني، في الوقت الحالي، من أكبر أزماته، هذا بجانب مؤشرات الخسائر المبدئية للحرب الحالية، التي تعدت 30 مليار دولار.
وأوضح محمود أن التبعات الاقتصادية للحرب ستكون أكثر ظهوراً، خلال شهرين تقريباً، وسيظهر تأثيرها على المجتمع «الإسرائيلي»، وخاصة بسبب تجنيد جنود الاحتياط بمعدلات هي الأكبر من نوعها.
واعتبر محمود أن كل ذلك سيجعل الاقتصاد «الإسرائيلي» هشاً بشكل غير مسبوق، وهو ما يجعلنا ندعو مجتمعاتنا للمقاطعة، ونؤكد لهم أن أي خطوة في اتجاه مقاطعة المنتجات الداعمة لـ«إسرائيل» سيكون لها تأثير مباشر أو غير مباشر على الاقتصاد «الإسرائيلي».
وعن اختيار الشركات التي يدعو لمقاطعتها، قال محمود: موقفنا معروف؛ وهو مقاطعة أي شركة تدعم انتهاكات الاحتلال «الإسرائيلي»، وممارسات الفصل العنصري، التي تحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي هذا الإطار، ذكرت «حركة مقاطعة إسرائيل» (بي دي إس)، وهي حركة فلسطينية عالمية، أن المقاطعة التي يقوم بها المستهلكون أجبرت الكثير من المحال التجارية على مستوى العالم، على التخلي عن بيع منتجات «إسرائيلية» معينة.
ولفتت الحركة إلى أن جميع الشركات «الإسرائيلية» متورطة بطريقة أو بأخرى في نظام الاحتلال والفصل العنصري «الإسرائيلي».
دعوات «المقاطعة».. وأبعادها الحضارية
المقاطعة أدت إلى تنشيط وإحياء علامات تجارية محلية جيدة
المقاطعة تحمل أبعاداً أخلاقية بالغة ربما تتجاوز في آثارها الحروب الاقتصادية
.. وأسقطت ذلك الانبهار بالغرب وسلعه وأدركنا أننا نستطيع الاستغناء عنها
التحدي الحقيقي الذي يواجه سلاح المقاطعة عدم الاستمرارية والتراخي
فاطمة عبد الرؤوف
تختلف الدعوة لمقاطعة المنتجات الأمريكية وتلك الداعمة للكيان الصهيوني بعد عملية «طوفان الأقصى» وما تبعها من حرب على غزة، عن باقي دعوات المقاطعة التي تم إطلاقها منذ بدء الانتفاضة الفلسطينية.
هذه المرة تبدو الاستجابة كبيرة وغير مسبوقة، ووصلت لقطاعات عديدة، حتى تبناها الأطفال الصغار في المدارس الابتدائية، وأصبح تجار التجزئة يجيبون من لم تصله دعوة المقاطعة بعد، أننا لا نبيع منتجات المقاطعة.
وقد انتشرت الملصقات التي تربط بين شراء منتجات العدو وداعميه، والمشاركة في قتل أهلنا في غزة؛ فانتشرت ملصقات، مثل: «هل قتلت اليوم فلسطينياً؟»، «لا تساهم في ثمن رصاصهم».
وعلى الرغم من أن الثمار الاقتصادية لهذه المقاطعة بدأت تلوح في الأفق مع خسائر متزايدة لهذه العلامات التجارية، فإنه لا يمكن الوصول لنتائج مؤكدة قبل مرور 3 أشهر على الأقل، كما يقول خبراء الاقتصاد.
بعض الغرف التجارية حذرت من أن المقاطعة لن يكون لها تأثير كبير على الشركات الأم؛ لأن الفروع المحلية تعمل بنظام الامتياز التجاري، وهي مغالطة؛ لأن هناك نسبة تدفع للشركات الأم مقابل هذا الامتياز، والسؤال المشروع: لماذا لا يغير الوكيل المحلي تلك العلامات التجارية ويحتفظ بنشاطه وعماله كما هو، كما حدث في روسيا مثلاً بعد الحرب الأوكرانية؟
كما أن هذه المقاطعة أدت إلى تنشيط وإحياء علامات تجارية محلية جيدة لم تكن تمتلك فرصة المنافسة مع الشركات والعلامات التجارية عابرة القارات، ومن ثم أدت إلى خلق فرص عمل جديدة، وتبادل تجاري عربي، وخفض في الطلب على العملات الأجنبية، وهذه كلها مزايا اقتصادية ترتبت على حملات المقاطعة.
إن مقاطعة المنتجات الأمريكية وتلك الداعمة للكيان الصهيوني تتجاوز الأبعاد الاقتصادية، رغم أهميتها الشديدة (يكفي في هذا الصدد أن نذكر أن أحد دوافع الحروب الصليبية ومن بعدها الاحتلال الغربي الحديث هو خلق أسواق جديدة لبضائعهم، والعمل على التسبب بخنق الاقتصاديات المحلية وتحويلها لاقتصاديات عاجزة).
إن مقاطعة هذه المنتجات تحمل أبعاداً أخلاقية وحضارية بالغة القيمة، حتى إنها تتجاوز في آثارها تلك الحروب الاقتصادية التي تؤلم العدو.
كسر دائرة العجز
يمكننا النظر للكيان الصهيوني باعتباره جزءاً أصيلاً من المشروع الغربي الذي هو في حالة صراع حضاري مع العالم الإسلامي، صراع خبيث حد محاولة إقناعنا أنه لا يوجد ثمة صراع ولا مؤامرة إلا في العقول المريضة التي لا تزال تعيش على مخلفات فكر العصور الوسطى.
وكاد مخططهم ينجح مع قطار التطبيع السريع في ظل حالة من اليأس والعجز المكتسبين اللذين ظللا واقعنا، وتحت دعاوى الواقعية الانهزامية والشعور بتضاؤل الذات الحضارية.
كذلك الشعور الجمعي بالضعف وعدم القدرة أمام عدو قوي نتصور أنه يمتلك مجريات الأمور كلها، حتى إنه يسيّر سياستنا الداخلية والخارجية، ويخترق أفكارنا ويصوغ مشاعرنا وأذواقنا، ويشكل هويتنا الاستهلاكية؛ أدى لحالة من العجز المكتسب، وعدم محاولة الخروج من هذا القالب الذي صنعه العدو بمهارة، بل السخرية من الذين يدعون للمواجهة باعتبارهم مجرد ظواهر «حنجورية»!
وأصبح حلم كثير من الشباب الهجرة من هذه الأرض، وأصبحت لغتهم الأكثر رقياً، وأصبح تقليدهم وارتياد مطاعمهم ومقاهيهم رمزاً للحضارة الجديدة، فجاءت حرب غزة لتزيح هذا القناع الناعم الساحر، ليتبدى الوجه الوحشي الذي لا يقل في وحشيته وعنجهيته عما قام به الصليبيون من قبل، ويبدد أوهام السلام العالمي والشرعية الدولية والنظام العالمي الجديد، وأعداء الأمس هم أصدقاء اليوم، وغير ذلك من ترهات، وألح السؤال بشدة: كيف نواجه هذا العدو بأسلحته المتقدمة وحاملات طائراته وغواصاته النووية؟
ضرب الفلسطينيون نموذجاً فريداً للجهاد بأدوات بسيطة محلية الصنع؛ أفقدت العدو توازنه، وسببت له خسائر بشرية واقتصادية فادحة، وأشعلت في الأمة كلها روحاً إيمانية عالية.
ولكن صناعة العجز المكتسب الذي توطنت في بلادنا جعلت فريقاً من الراغبين في المواجهة ويقيدهم العجز يدندنون حول: فقط لو يتم فتح الحدود لذهبنا وحاربنا واستشهدنا.
مشاعر الألم الممتزجة بالعجز، مشاعر قاتلة حقاً، مشاعر كفيلة بهدر كل طاقتنا، فكان لا بد من كسر دائرة العجز والبحث عن حلول عملية ولو صغيرة ولو كانت بمثقال ذرة من الخير، فهي أفضل من مشاعر الرثاء للذات الحضارية المستلبة، وقصائد الحزن التي تمثل اللا جدوى.
ومن هنا كانت المقاطعة بوابة النهضة لهويتنا الحضارية، والباب الذي ندخل منه لمرحلة جديدة في الصراع؛ (ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (المائدة :23).
ثقافة الاستغناء
لقد كان أول دروس المقاطعة أننا نستطيع، ونمتلك إرادتنا الحرة رغم أنف العادة والإعلانات، بل والتخفيضات والإغراءات، نستطيع أن نقول: «لا»، قادرون على الاستغناء عن كثير من السلع التي كنا نظنها ضرورية حد الحتمية، فإذا هي مجرد ترف يستنزفون به أموالنا ويدعمون به عدونا.
حتى الأطفال تعلموا ثقافة الاستغناء عن منتجات العدو، وتعلموا أن تحرير إرادتهم هي أولى خطوات النصر بعد أن علمتهم هذه الحرب بالطريق الصعب من هو عدونا المجرم الذي يحاربنا.
لقد أسقطت المقاطعة ذلك الانبهار بالغرب وسلعه و«برانداته»، وأدركنا أننا نستطيع الاستغناء عنها، على الأقل الاستغناء عن السلع الاستهلاكية التافهة التي تشكل صورته في العقل الجمعي.
الدرس الثاني الأكثر تميزاً هو الاعتزاز بالمنتج المحلي، أو ذلك المستورد من أحد البلدان الشقيقة، وتشجيعه ودعمه، وتقديم النصائح له حتى يحتل مكانة الآخر، وهي فرصة ذهبية للمستثمرين ورجال الأعمال المحليين؛ وهو ما دفع وأجبر الوكلاء التجاريين للشركات العالمية على تقديم الدعم المادي والمعنوي لأهالي غزة، وهذا يعزز أننا نقدر ونستطيع التأثير.
إن الواقع يتغير إذا أردنا له التغير، ودائرة العجز تنكسر، والانبهار بالعدو يتحطم، والاعتزاز بالذات يبنى من جديد.
ومن لم يستطع الاستغناء عن منتج استهلاكي؛ كيف يتصور أنه يستطيع أن يجاهد العدو على أرض الإسراء؟!
التحدي الحقيقي الذي يواجه سلاح المقاطعة وقد يحد من أبعاده الحضارية النهضوية هو عدم الاستمرارية والتراخي، وهي أحد تداعيات الهزيمة الحضارية ومظهر من مظاهر العجز المكتسب.
وعلى الرغم من أن سلاح المقاطعة يبدو صغيراً، فإن استمراريته تضاعف قوته بطريقة تتجاوز المتتالية الهندسية؛ لذلك كان أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، فالمقاطعة لا ينبغي أن تكون مجرد تفريغ انفعالي لمشاعر الأسى والحزن، أو حتى مشاعر الغضب الذي سرعان ما يخبو، وإنما تكون بوابة لنهضة عزيزة نكسر فيها دوائر العجز ونمتلك فيها إرادتنا من جديد.
حصالة فلسطين!
منى عبد الفتاح
إن واقع ما تمر به القضية الفلسطينية، وما يتعرض له قطاع غزة من حرب إبادة وحشية، وجرائم حرب ضد الإنسانية، يحتم على الأمة العربية والإسلامية هبَّة وفزعة وانتفاضة قوية وفاعلة ومستدامة؛ لنصرة فلسطين، واحتواء تداعيات هذا العدوان الغاشم، وبلورة رؤية مستقبلية نحو النهوض بالمجتمع الفلسطيني.
ولا شك أن التبرع المالي يعد عاملاً فاعلاً في تلك الأزمة، خاصة ما يتعلق بدور الشعوب نحو الأشقاء في فلسطين، لكن الخطأ في كون ذلك سلوكاً مؤقتاً، يبرز في لحظات ما، ويخفت كثيراً في أوقات عدة، وقد يتوارى بعد انتهاء الحرب.
ومن الخطأ حصر الدعم المالي في تقديم المساعدات الغذائية والطبية والدوائية فقط، وهي مساعدات مهمة بالتأكيد، لكنها لا تفي بما هو أهم وأجدر، في حرب تخوضها غزة الأبية، نيابة عن الأمة من أجل استعادة المسجد الأقصى المبارك.
هنا يجب تطوير الآليات، وإنتاج أدوات دعم جديدة، بل ابتكار أساليب نوعية في تعزيز قدرة وصمود المقاوم الفلسطيني على الأرض، ومساندة كل طفل وامرأة وشيخ على البقاء اليقظ في حماية الثغور، وحمل راية الكفاح والجهاد ضد قتلة الأنبياء، وأعداء الإسلام.
«حصالة فلسطين» ربما تكون أداة فاعلة، شريطة استدامتها، وتفعيلها في كل بيت ومدرسة وجمعية وهيئة، وربما مستقبلاً تطوير الفكرة لتأخذ بُعداً عربياً وإسلامياً، له شأن، على غرار وكالة الأونروا لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وغيرها من المؤسسات الدولية الناشطة في مجال الدعم الإنساني والإغاثي.
حصالة مستدامة توفر إنفاقاً على البنى التحتية للأراضي الفلسطينية المحتلة، وتعفي المقاومين من عنت الفقر والمرض والحاجة، بل تمتد إلى النهوض بالتعليم والزراعة والصناعة والتجارة هناك، وفق آليات يضعها الخبراء والمتخصصون.
ما المانع من تخصيص جزء من عائدات تلك الحصالة لتوثيق تاريخ فلسطين بكل لغات العالم، وإنتاج الملايين من خريطة فلسطين التاريخية التي تعرضت للتزييف في مناهج التعليم في دول عدة، منها بلدان عربية وإسلامية؟!
لماذا لا ننتج كمّاً ثرياً من الأعمال الدرامية والسينمائية، التي توثق جرائم اليهود، وتؤرخ لما جرى في غزة من جرائم يندى لها الجبين، فضلاً عن صناعة أفلام وثائقية وسينمائية ترصد بطولات المقاومة، وكيف انتقلت من الحجر إلى الصاروخ، وهي تكبد المحتل خسائر فادحة؟!
ألسنا في حاجة إلى إنتاج أدبي وروائي يؤرخ للأحداث الدامية التي يشهدها العالم، ويسطر تاريخ غزة، وصمود شعبها، في مواجهة مجازر المشافي والرضع، وقصف الأبراج السكنية، واغتيال الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ؟!
متى نرسل بعثات فلسطينية للخارج لعرض القضية، واستمالة الشعوب، وتوجيه دفة الرأي العام الدولي، نحو حق هذا الشعب في وطنه وأرضه ومقدساته وأقصاه، وحلمه في الحرية والاستقلال؟!
بل لماذا لا ندعم المخترع الفلسطيني، والتاجر الفلسطيني، والرياضي الفلسطيني، والطبيب الفلسطيني، والفنان الفلسطيني، وكل ذي مهنة في أرض الرباط، ليتبوأ مكانة رفيعة في مجاله وتخصصه، بما يصب في صالح القضية برمتها، ويخلق أجيالاً قادرة ليس فقط على الصمود، بل النهوض، والنجاح، والإنجاز؟!
أين حظ المرأة الفلسطينية من هذا الدعم، عبر صون حقوقها، والحفاظ على كرامتها، وتحريرها من سجون الاحتلال، والاهتمام بتعليمها، وتزويجها، وتطوير قدراتها، فهي مصنع الأبطال، تشكل نصف المجتمع، وتلد النصف الآخر؟!
حصالة شعبية، عربية وإسلامية، تدعم المقاومة، وتطور من خطابها وأدواتها وقدراتها، بما يعزز من دورها السياسي والإعلامي والميداني، ويصب في صالح الهدف الأكبر الذي ينشده كل مسلم، وهو تحرير القدس الشريف.
حصالة سخية ومستدامة، تتكفل بالقضية الفلسطينية، من أبعاد وزوايا مختلفة؛ سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً وفنياً وثقافياً ورياضياً، بشكل يؤمن قوة دفع مستمرة، وعوامل محفزة على البقاء والصمود والنضال لسنوات وعقود.
ليست معركة غزة فحسب، أو الضفة فقط، وليس معركة «حماس» أو «الجهاد» فقط، كما أنها ليست معركة يوم أو شهر، بل إنها معركة كل عربي، وكل مسلم، وكل حر، وكل إنسان؛ دفاعاً عن القيم والحرية والكرامة والإنسانية.
إنها معركة الأمس واليوم والغد، قد تستمر سنوات أو عقوداً، ومن الواجب أن نتجهز لها، ونعد المؤنة لخوضها، ونكثر من العتاد لتحقيق النصر فيها.
الإدراك.. و«شركة الطوفان»!
د. سعود عبد العزيز الغانم
عضو هيئة التدريس بقسم علم النفس- جامعة الكويت
اللمحة النفسية اليوم هي إحدى العمليات العقلية العليا عند الإنسان؛ ألا وهي الإدراك، ويعرف أكاديمياً بأنه تنظيم المنبهات وتفسيرها وتحليلها ودمجها حتى تكون ذات معنى للإنسان، وكل البشر يصنفون الأذى في البدن أو الألم عند من نحب أو خسارة في الممتلكات من الأمور المكروهة، ناهيك عن القتل وفقد الأطراف، وما يحكم تصورنا هو إدراكنا أننا قد ظلمنا أو انتقص من حقنا أو خسرنا بلا فائدة!
وهنا تظهر العقيدة الشامخة، العقيدة الإسلامية الصحيحة هي سر الشموخ في غزة، عقيدة المسلم حولت إدراك الواقع الأليم المفجع إلى معنى جديد أبهر العالم كله وجعلهم يبحثون عن سبب الصمود الأسطوري، ما يدركه غير المسلم بأنه قتل وإعاقة وإفلاس، يراه المسلم من أهلنا في غزة بأنه شهادة في سبيل الله، وطرف من جسمي سبقني للجنة، وأن مالي وما أملك هو حطام الدنيا الفاني، وهنا في هذه المحنة تتجلى دروس العقيدة التي تصنع للمسلم الإدراك الذي يقوده نحو مراد ربه له في الحياة.
«شركة طوفان الأقصى» المساهمة ذات المسؤولية المفتوحة! نعم هي شركة بمعنى أننا فيها كمسلمين شركاء مع إخواننا في غزة أرض العزة وكل فلسطين، وإنها صفقة بيع وشراء بنص القرآن الكريم: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 111).
فإن فاتنا شرف الجهاد، وهو أكبر سهم في هذه الشركة وأكثرها ربحاً لمن فاز بالشهادة في سبيل الله، فالفرصة أمامنا لنضرب بسهم في هذه الشركة المباركة، الأسهم هنا متوافرة للجميع، والمساهمة بلا سقف للعطاء، فكل سهم في كنانتك اضرب به فالأرباح مضمونة، كما أن المسؤولية المفتوحة يستطيعها كل أحد من الكبير والصغير والغني والفقير والموظف والوزير، مهما كان وضعك فأنت قادر بإذن الله أن تقوم بمسؤوليتك بحسب استطاعتك؛ لأنها مفتوحة لكل مساهم، من خصائص هذا الشرع العظيم أنه يفتح أبواب الحسنات لمن على خط النار والمواجهة، ولكل من خلفهم من المسلمين فسهم الدعاء العظيم يستطيع أن يضرب به كل مسلم من أي مكان وفي أي زمان.
وفي عصرنا الحديث، ومنذ ما يقرب من مائة عام، لم تتكرر هذه الفرصة لمعركة حقيقية مع أعداء البشرية من الصهاينة كما هي اليوم، ولذلك فالموفق منا من يضرب مع سهم الدعاء بسهام أخرى مثل النشر والدفاع عن «الأقصى» وتحرير المسرى وإنقاذ الأسرى في وسائل التواصل الاجتماعي على الأقل، وعندما نحرك سهام المال؛ حيث في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم، قال النبي صلى الله عيه وسلم: «من جهَّز غازياً فقد غزا، ومن خلَّف غازياً في أهله فقد غزا».
سهام المال تساند المجاهدين وترفع راية الدين، ونساهم بمال الله في إكرام أهل أعظم رباط على وجه الأرض بعد أن خذلهم القريب قبل الغريب، وهذا متحقق بصور لا حد لها ولا حصر، وبابها مفتوح حتى بعد أن تضع الحرب أوزارها، فمنها كفالة اليتيم وإعادة الإعمار للمساجد والديار وإصلاح الأراضي وزراعة الأشجار، لن نعدم من فضل الله بسهم نشارك فيه، فحتى أغراضنا المنزلية مع النية والمقاطعة لمن يدعم الصهاينة تصبح سهاماً نضرب بها في هذا الطوفان من كرم الرحمن.
وختاماً، فإن من أدرك أن «طوفان الأقصى» فرصة ربانية لمن يعيش في زماننا فسيسابق للفوز بالغنيمة قبل أن ترحل الفرصة أو يرحل هو.