; ملوك الآخرة (۲۲).. مواكب التابعين وقيام الليل | مجلة المجتمع

العنوان ملوك الآخرة (۲۲).. مواكب التابعين وقيام الليل

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 29-أغسطس-2009

مشاهدات 78

نشر في العدد 1867

نشر في الصفحة 56

السبت 29-أغسطس-2009

(*) رئيس جمعية بشائر الخير الكويتية

تناولنا في العدد السابق الصفة الخامسة من صفات عباد الرحمن، وهي قيام الليل عند التابعين، ولا نستطيع طي هذه الصفحة دون المزيد من مواكب التابعين وعشقهم لقيام الليل..

سارق اللصوص: كاتب المصحف الثقة التابعي الجليل مالك بن دينار وكان من عشاق الليل، حتى أن لصًا جاء ليسرق بيته ليلًا، فما وجد شيئًا يسرقه، وكان الإمام مالك حينها يقيم الليل، فناداه أثناء خروجه من المنزل مفاجئًا له: «لم تجد شيئًا من الدنيا، أترغب في شيء من الآخرة؟ قال: نعم. قال: توضأ، وصل ركعتين، ففعل ثم جلس وخرج إلى المسجد، فسُئل: من هذا؟ قال: جاء ليسرق فسرقناه». (1)

إنهم يدعون حتى اللصوص إلى تذوق هذه العبادة.. وممن أرادوا معرفة عبادة الإمام مالك ختنه (2) المغيرة بن حبيب، وكان خائفًا أن يفوته هذا الأمر بوفاة جده، إذ كان يقول: «يموت مالك ابن دينار وأنا معه في الدار لا أدري ما عمله، قال: فصليت معه العشاء الآخرة، ثم جنت فلبست قطيفة في أطول ما يكون الليل، قال: وجاء مالك فقرب رغيفه فأكل، ثم قام إلى آخر الصلاة فاستفتح، ثم أخذ بلحيته فجعل يقول: إذا جمعت الأولين والآخرين فحرم شيبة مالك بن دينار على النار، فوالله مازال كذلك حتى غلبتني عيني، ثم انتبهت فإذا هو على تلك الحال يقدم رجلا ويؤخر رجلا، ويقول: يا رب إذا جمعت الأولين والآخرين فحرم شيبة مالك بن دينار على النار، فمازال كذلك حتى طلع الفجر» (3)، وكان ممن يتمنون عدم النوم خوفا من نزول العذاب أثناء النوم، واستغلال الاستيقاظ بالعبادة، فمما جاء في ترجمته قوله: «لو استطعت ألا أنام لم أنم، مخافة أن ينزل العذاب وأنا نائم، ولو وجدت أعوانًا لفرقتهم ينادون في سائر الدنيا كلها يا أيها الناس النار النار» (4).

السجاد مسروق بن الأجدع

التابعي الجليل، والإمام القدوة، وكان من عداد كبار عشاق الليل وقيامه، حتى إنه «حج فلم ينم إلا ساجدًا على وجهه حتى رجع» (5)، بالرغم من الجهد الكبير والتعب في أداء مناسك الحج، إلا أنه لم يكن يترك قيام الليل، فلا يتوقف إلا إذا غلبه النوم أثناء السجود، أما في بيته، فقد ذكرت زوجته أنه: «كان يصلي حتى تتورم قدماه، فربما جلست أبكي مما أراه يصنع بنفسه» (٦).

وكان أحب شيء لديه في الدنيا السجود لله تعالى آناء الليل وأثناء النهار؛ حيث صرح بذلك لتلميذ ابن عباس (سعيد بن جبير) عندما قال له: «ما بقي شيء يرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في التراب» (7).

رضيع أم المؤمنين

إنه إمام التابعين الإمام الحسن البصري رضيع أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها؛ «حيث كانت أمه مولاة لأم سلمة رضي الله عنها، وكانت تبعث أم الحسن في الحاجة فيبكي وهو طفل فتسكته أم سلمة بثديها، وتخرجه إلى أصحاب رسول الله وهو صغير، وكانت أمه منقطعة إليها، فكانوا يدعون له» (۸).

وكان يعد ترك قيام الليل من الحرمان حيث يقول: «إذا لم تقدر على قيام الليل، ولا صيام النهار، فاعلم أنك محروم، قد كبلتك الخطايا والذنوب» (9)، وكان يعتبر الذنوب والمعاصي أحد المعوقات التي تمنع صاحبها فعل هذا الخير، فقد جاءه رجل يسأله: «يا أبا سعيد، أعياني قيام الليل فما أطيقه، فقال: يا بن أخي استغفر الله، وتب إليه، فإنها علامة سوء» (١٠).

أمير المؤمنين في الحديث

الإمام التابعي سفيان الثوري، إمام الحفاظ وسيد العلماء العاملين كان يحزن إذا أدبر الليل وجاء النهار لشدة تعلقه بقيام الليل، يقول: «إذا جاء الليل فرحت، وإذا جاء النهار حزنت» (١١) وكان لكثرة قيامه لليل، «إذا أصبح مد رجليه إلى الحائط، ورأسه إلى الأرض كي يرجع الدم إلى مكانه من قيام الليل» (١٢)، إنها مدرسة الرجال، وأصحاب العزيمة والهمم العالية، وصدق الشاعر إذ قال:

يا رجال الليل جدوا ***  رب صوت لا يرد

ما يقوم الليل إلا *** من له عزم وجد

إنهم يختلون بالله فيكسبهم الله نورا من نوره فقد قيل للحسن: «ما بال المتعبدين أحسن الناس وجوهًا؟ فقال: لأنهم خلوا بالجليل فألبسهم نورًا من نوره» (۱۳).

هذا غيض من فيض تراجم التابعين عشاق الليل، وفي كل ترجمة منهم العجب العجاب والعدد القادم نستكمل مواكب التابعين مع قيام الليل إن شاء الله.

الهوامش

(1) سير أعلام النبلاء 363/5.

(۲) الختن ابن البنت والحفيد ابن الولد.

(۳) حلية الأولياء 410/2.

(4) حلية الأولياء 418/2.

(٦،٥) سير أعلام النبلاء 65/4

(۷) الزهد للإمام أحمد ص ٣٤٩، ط. دار الكتب العلمية.

(۸) سيرة أعلام النبلاء 564/4 ،565.

(۹، ۱۰) الحسن البصري - لابن الجوزي ص ١٤.

(۱۱) الجرح والتعديل 85/1.

(۱۲) الجرح والتعديل 95/1.

(۱۳) البداية والنهاية 294/9.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

222

الثلاثاء 24-مارس-1970

كيف أعود ولدي الصلاة؟!

نشر في العدد 4

118

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الوحدة وصلاة الجماعة في المدارس

نشر في العدد 3

135

الثلاثاء 31-مارس-1970

الأسرة