العنوان صورة حية للمأساة الإنسانية داخل معتقل «دلتا» بجوانتانامو
الكاتب أورخان محمد علي
تاريخ النشر السبت 13-ديسمبر-2003
مشاهدات 57
نشر في العدد 1580
نشر في الصفحة 32
السبت 13-ديسمبر-2003
السبب في اختيار هذا السجن في جوانتانامو يعود لكونه معتقلًا حصينًا فهو من جانب على شاطئ بحر تكثر فيه أسماك القرش وفي الجانب الآخر مستنقع كبير تكثر فيه الحشرات ولا سيما البعوض من الحجم الكبير
الزنزانة عبارة عن قفص سلكي مفتوح من أعلى يسع شخصًا واحدًا وتتم حراستها ومراقبتها بالكاميرات طوال 24 ساعة
تتم توسعة السجن باستمرار حيث تضاف إليه بنايات وغرف جديدة على الدوام.. يحتوي الآن على 220 غرفة كما يجري بناء 200 غرفة أخرى
المأساة الإنسانية الدائرة في سجن جوانتانامو تقدم مثالًا عمليًّا يراه العالم أجمع، ويكشف مدى ابتعاد الولايات المتحدة الأمريكية عن مراعاة حقوق الإنسان، ويكفي أن نلقي نظرة سريعة على هذه المأساة الإنسانية -التي أدار العالم ظهره لها- لكي نعرف ذلك.
يوجد هذا السجن الأمريكي في قاعدة بحرية أمريكية في كوبا (وهنا العجب!!) ويدعى السجن (معتقل دلتا)، ويوجد به حاليًا (640 -660) معتقلًا معظمهم من أسرى حرب أفغانستان، ثم جلب الأمريكان إليه أفرادًا آخرين.
ولا تعد الحكومة الأمريكية هؤلاء المعتقلين أسرى حرب حتى لا يحوزوا على حقوق وضمانات أسرى الحرب المثبتة في القوانين الدولية وفي اتفاقية جنيف، بل تعتبرهم أشخاصًا ألقي القبض عليهم في ساحة الحرب، هذا على الرغم من التعامل الدولي والعالمي في هذا الخصوص ومع أن معظم المعتقلين من الأفغان، إلا أن هؤلاء المعتقلين ينتسبون إلى 42 بلدًا مختلفًا فمثلاً هناك 100 سعودي، و50 -60 باكستانيًّا، و20 كويتيًّا، و3-5 يمنيين، وأفراد قلائل من إنجلترا وأستراليا و5 من الأتراك. وقد ألقي القبض على الكثيرين منهم لمجرد شبهة بسيطة، فمثلًا ألقي القبض على شاب تركي اسمه «مراد كورناز» لمجرد سفره من ألمانيا إلى أفغانستان، حيث أرسل إلى هذا المعتقل على عجل.
الغاية التي تسعى واشنطن هنا لتحقيقها هي حسبما يقال تمديد مدة اعتقال الخطرين بنظر الحكومة الأمريكية أطول مدة ممكنة في ظل استجوابات قاسية للحصول على أكبر قدر من المعلومات حول تنظيم القاعدة، ويبلغ مجموع الحراس 160 حارسًا، ومجموع المستجوبين 170 شخصًا.
كل غرفة من غرف الاعتقال عبارة عن قفص سلكي مفتوح من أعلى يسع شخصًا واحدًا، وتتم حراسة هذه الأقفاص طوال 24 ساعة، وتستخدم نظم مختلفة من الحراسة والمراقبة المجهزة بالكاميرات، مما يجعل الهروب من أي قفص أمرًا مستحيلًا، ولكن مع اتخاذ كل هذه التدابير والاحتياطات وقعت بعض حوادث الإخلال في نظام المراقبة، ولم تصدر هذه المخالفات من السجناء في هذه الأقفاص، بل من المشرفين على حراستهم، ومن الموظفين الآخرين الموجودين هناك، فقد حاول بعضهم تأسيس نوع من الاتصال مع هؤلاء المعتقلين بدوافع إنسانية، منهم المسلم الأمريكي «أحمد حلبي» وهو أمريكي من أصل سوري، والذي اتهم بالتجسس وبتسريب المعلومات حول معتقل دلتا إلى الخارج، وبإرسال بعض المعلومات السرية عن هذا المعتقل وعن أوضاع المعتقلين إلى «عدو» لم يتم التصريح باسمه حتى الآن بواسطة البريد الإلكتروني، كما اتهم الحلبي بالاتصال مع السفارة السورية سرًا.
وقال محامي أحمد حلبي بأن موكله كان يرغب في الذهاب إلى سورية لعقد الزواج؛ لذا قام بمراجعة السفارة السورية، وإن جميع التهم الموجهة لموكله باطلة.
ولا يزال أحمد حلبي معتقلًا في قاعدة Vanenberg الجوية في ولاية كاليفورنيا، وكان قد قام بمهمة الترجمة في معتقل دلتا لمدة تسعة أشهر، واعتقل في فلوريدا عند عودته من مهمته.
والمتهم الآخر هو الملازم الأول المسلم «يوسف يي» J.Yee وهو إمام في الجيش الأمريكي، وكان يؤدي مهمته كإمام في المعتقل منذ مدة طويلة وهو أمريكي من أصل صيني، وأسلم في أمريكا ثم تزوج من امرأة سورية، والاتهام الموجه إليه أنه كان يحتفظ بمعلومات عن المعتقلين وعن الاستجوابات التي تعرض لها المعتقلون وبمعلومات سرية حول المعتقل وبخريطة له وهو الآن معتقل في سجن عسكري في ولاية كارولينا.
والسبب في اختيار هذا السجن في جوانتانامو لهؤلاء يعود لكونه معتقلًا حصينًا ولا يمكن الهروب منه، فهو من جانب على شاطئ بحر تكثر فيه أسماك القرش، وفي الجانب الآخر منه مستنقع كبير تكثر فيه الحشرات ولا سيما البعوض من الحجم الكبير، وتتم توسعة السجن باستمرار، حيث تضاف إليه بنايات وغرف جديدة على الدوام، ويحتوي الآن على 220 غرفة، كما يجري بناء 200 غرفة أخرى ولم يتم إطلاق سراح سوى عدد محدود من المسنين والمرضى من الباكستانيين الذين تدهورت صحتهم كثيرًا في ظروف هذا المعتقل.
والظاهر أن المعتقلين سيبقون فيه لسنوات عديدة، وهذا هو ما نستنتجه من التصريح الأخير لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد في الشهر الماضي حول هذا المعتقل وحول المعتقلين (لأن هذا المعتقل مرتبط بالبنتاجون)، فقد صرح بأن هؤلاء المعتقلين سيبقون حتى انتهاء الحرب ضد الإرهاب، وأنه ربما يقدم بعضهم إلى المحاكمة، ولكن هذا لن ينطبق على معظمهم، أي سيبقون هناك دون أي محاكمة.
ولا شك بأن هذا التصريح يبين بكل وضوح مدى مناقضة هذا الوضع لجميع المعايير الإنسانية والأخلاقية، ولكل مبادئ حقوق الإنسان وإلى مدى اللامبالاة أمام الرأي العام الأمريكي والعالمي، وخصوصًا أنه يصدر من مسؤول رفيع المستوى في الولايات المتحدة الأمريكية.
وقد أشار رامسفيلد إلى أن اتفاقية جنيف تنص على حق الدول المتحاربة في القبض على الأجانب الموجودين في ساحة القتال، إلا أن ذلك لا ينطبق على أسرى حرب أفغانستان؛ لأن هؤلاء لم يكونوا أشخاصًا وجدوا مصادفة في ساحة القتال، بل هم من المقاتلين في تلك الحرب، أي يجب أن يعدوا أسرى بموجب القانون الدولي وبموجب اتفاقية جنيف.. وحتى لو افترضنا أن هؤلاء أشخاص وجدوا في ساحة القتال ولم يكونوا مقاتلين، فإن اتفاقية جنيف تنص أيضًا على أن حق القبض على الموجودين في ساحة القتال ينتهي بانتهاء الحرب، أي أن هذا الحق مقيد بمدة معينة وتنتهي بانتهاء تلك الحرب، والحرب في أفغانستان انتهت منذ سنوات؛ لذا كان من المفروض حسب هذه الاتفاقية الدولية أن يتم إطلاق سراح المعتقلين عقب انتهاء الحرب مباشرة.
والظاهر أن واشنطن تفسر مدة الحرب بأنها مدة الحرب مع ما تسميه بالإرهاب، ولكن حتى لو عددنا ما حدث في أفغانستان إرهابًا -وفق الرؤية الأمريكية- وليست حربًا فكيف يكون منتسبوه مسؤولين عن حركات إرهابية أخرى في بلدان أخرى؟!
لذا نرى أن على أعضاء الأمم المتحدة القيام بوضع اتفاقية جديدة تأخذ بنظر الاعتبار جميع الظروف المستجدة منذ الحرب العالمية الثانية.
اتفاقية جديدة تصون الكرامة الإنسانية والحقوق الإنسانية، وتضع آلية مراقبة تنفيذها لكي تمنع مثل هذه التجاوزات والاعتداءات على الإنسان وعلى كرامته، وتنص على الأقل على ما يلي:
1- عدم القبض العشوائي على الأفراد.
2- تحريم أي نوع من أنواع التعذيب الجسدي أو المعنوي.
3- توفير شروط صحية وإنسانية تناسب كرامة الإنسان ولا تعامله كحيوان، كما هو واقع معتقل دلتا.
4- تقديم المعتقلين لمحكمة علنية خلال مدة لا تتجاوز الشهر، ويكون لهم الحق في توكيل المحامين عنهم، ويسمح لأهاليهم وأقربائهم بزيارتهم.
5- أن تكون هذه المعتقلات مفتوحة للتفتيش أمام لجان التفتيش الدولية.
6- أن يكون لهم حق المطالبة بأي تعويضات مناسبة لما لحقهم من أضرار لمن تتم تبرئة ساحته.
فهل ارتفع إنسان هذا العصر لهذا المستوى؟ وهل ستؤدي المنظمات الدولية واجبها حتى أمام الدول العظمى؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل