; أزمة حادة تضع الاقتصاد المصري على طريق الانكماش | مجلة المجتمع

العنوان أزمة حادة تضع الاقتصاد المصري على طريق الانكماش

الكاتب عبدالكريم حمودي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-يونيو-2000

مشاهدات 73

نشر في العدد 1403

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 06-يونيو-2000

خلافًا للتوقعات والتقارير، وخاصة تلك الصادرة عن صندوق النقد الدولي التي كانت تصف الاقتصاد المصري بالواعد والناهض والأكثر نموًا بين الاقتصادات العربية والأكثر دون جذبًا للاستثمارات الأجنبية تعرض هذا الاقتصاد إلى هزة عنيفة كانت أبرز مظاهرها النقص الحاد في السيولة وعجز البنك المركزي عن الوفاء بالالتزامات المالية المترتبة عليه، الأمر الذي دفع الرئيس المصري حسني مبارك إلى الاعتراف بالأزمة، ودعوة الحكومة إلى ضخ مبلغ ٢٥ مليار جنيه (7.5 مليار دولار) للتصدي للمشكلة.

ملامح الأزمة تتمثل في ارتفاع قيمة الدين الداخلي ومن ثم عجز الحكومة عن السداد، فاستنادًا إلى مصادر اقتصادية مطلعة، وصلت قيمة هذا الدين في ۱۹۹۸م - ۱۹۹۹ م إلى 147.155 مليار جنيه (حوالي ٤٠ مليار دولار) أي ٧,٤٨٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وبارتفاع قدره مليار جنيه مصري مقارنة مع ۱۹۹۷م-  ۱۹۹۸م وفق الأرقام الرسمية.

ويؤكد خبراء مصريون أن حجم العجز الصافي في السيولة في المصارف المصرية وصل لأكثر من ملياري جنيه مصري، وهو الأمر الذي أدى إلى عدم استجابة تلك المصارف للعديد من طلبات القروض والمنح والتسهيلات، وفي هذا السياق ذكر عضو اللجنة الاقتصادية والمالية بالحزب الحاكم الدكتور محمد الباز أن توقف الحكومة عن سداد مستحقات شركات المقاولات وشركات القطن وبعض الشركات الأخرى أدى إلى توقف الكثير منها عن تنفيذ المشروعات المتعاقد عليها معها، وتأخرها كذلك في صرف مرتبات العاملين بها، وأضاف الباز أن الأمر يتطلب ضرورة قيام الأجهزة الحكومية بضخ كميات من الأموال وسرعة صرف هذه المستحقات لإحداث نوع من الانتعاش بالسوق.

أما الديون الخارجية فتبلغ استنادًا إلى أحدث الإحصاءات الصادرة عن البنك المركزي المصري نحو 28.2 مليار دولار أمريكي، وقد زاد الدين الخارجي خلال عام ۱۹۹۹م بمقدار ۱۰۰ مليون دولار، وبلغ نصيب الفرد المصري من الدين في نهاية عام ١٩٩٩م نحو 441.2 دولار للفرد من مجموع السكان البالغ ٦٦ مليون نسمة، وبالتالي فإن قيمة الديون الداخلية والخارجية المترتبة على الحكومة تبلغ أكثر من 68.2 مليار دولار، أي أكثر من ٧٥% من قيمة الناتج الإجمالي الذي بلغ عام ۱۹۹۹ م نحو 76.93 مليار دولار بالأسعار الثابتة، فيما يتحدث بعض التقارير عن هروب نحو ٦ مليارات دولار من مصر خلال ستة أشهر فقط، أي  بمعدل مليار دولار شهريًا.

ويحمل بعض الخبراء الحكومة السابقة مسؤولية الأزمة التي دفعت بالاقتصاد إلى دائرة الكساد، وذلك من خلال توسعها في زيادة الاستثمارات الكبرى مثل مشروع توشكي وغيره دون سداد الالتزامات المستحقة عليها لشركات المقاولات القائمة على تنفيذ المشروعات والبنية الأساسية.. وكذلك هرولة المصارف لتمويل القرى السياحية والفيلات والأبراج الشاهقة والاستيراد العشوائي الذي أسهم في زيادة المخزون من السلع، وتخفيض احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية.

رکود.. وطوارئ:

ولا تقتصر الأزمة على نقص السيولة لتسديد الديون الداخلية، فقد أكدت التقارير والبيانات الحكومية أن حالة من الركود الشديدة تخيم على البلاد منذ حوالي العام، متسببة في زيادة المخزون من السلع والمنتجات، كما ارتفعت معدلات الإفلاس حيث بلغت خلال ثمانية أشهر فقط أي من يوليو عام ۱۹۹۹م وحتى فبراير الماضي نحو ١٩ ألف حالة إفلاس مقابل ١٧ ألف حالة خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

حالة الكساد والركود انعكست أيضًا على الأنشطة التجارية والصناعية والاستثمارية، وكشفت عن مكامن الضعف والخلل في الاقتصاد المصري ومنها تراجع احتياطي البلاد من العملات الأجنبية، ففي غضون ۱۲ شهرًا تراجعت هذه الاحتياطيات بمقدار 4.2 مليار دولار إذ انخفضت من 19.8 مليار دولار في ديسمبر ۱۹۹۸م إلى 15.63 مليار دولار في ديسمبر ۱۹۹۹م.

واستمر التراجع من 15.63 مليار دولار في ديسمبر الماضي إلى 15.176 مليار دولار في يناير ٢٠٠٠م، في حين كانت قيمة الاحتياطي عام ۱۹۹۸م تبلغ نحو ۲۱مليار دولار، كما تراجعت قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة وذلك من ١.١ مليار دولار في ۱۹۹۷ م- ۱۹۹۸ م إلى ۷۱۱ مليون دولار في ١٩٩٨ م- ۱۹۹۹م، وهنا لابد من التنبيه إلى أن قيمة رؤوس الأموال المصرية المستثمرة في الخارج تقدر بأكثر ۸۰ مليار دولار.

الحكومة المصرية وضعت خطة طوارئ لسداد تلك المديونية على مدار ٨ أشهر بمعدل 2.5 مليار جنيه شهريًا ليتم تسديد تلك الديون بنهاية العام ۲۰۰۰م، وقالت مصادر وزارة المالية المصرية إن الحكومة ستوفر هذا المبلغ من تحصيل المتأخرات الضريبية البالغة 17.2 مليار جنيه، وأكثر من ٩ مليارات متأخرات جمركية وموارد متنوعة لصالح الحكومة.

دور صندوق النقد في صنع الأزمة:

يوجه العديد من خبراء الاقتصاد والمال أصابع الاتهام إلى صندوق النقد الدولي بمسؤوليته عن دفع الحكومة المصرية إلى حائط الأزمة، وكذلك عدم تحذيره من وقوعها لدفعها إلى تحقيق هدف الصندوق بتخفيض قيمة الجنيه، ويؤكد هؤلاء أن تجارب الصندوق مع الدول المتعاملة معه حافلة بمثل هذه الأزمات التي ولدتها برامج الصندوق ووصفاته.

وفي هذا السياق تقول مؤسسة «هيرتج فاونديشن» وهي من كبار منتقدي صندوق النقد الدولي إن سوابق صندوق النقد الدولي مع الاقتصادات العليلة تتحدث عن نفسها، ويركز تقرير صادر عن المؤسسة أنه خلال الفترة من ١٩٦٥- ١٩٩٥م نجد أنه من مجموع ۸۹ دولة اقترضت من صندوق النقد الدولي نجد أن ٤٨ دولة منها ليست بحال أحسن مما كانت عليه، و۳۲ دولة بحال أكثر فقراء».

كما خلصت دراسة أخرى قامت بها مؤسسة «ديفيلوبمنت جاب» الأمريكية حول تمويل صندوق النقد لـ ٨٣ دولة، في العقدين الأخيرين، إلى أن معظم هذه الدول شهد ارتفاعًا في أرقام البطالة وتدنيًا في الأجور الفعلية، وتراجع المساواة في توزيع الدخل، وازدياد الفقر وتراجع الإنتاج الغذائي وازدياد الديون الخارجية، وخفض الإنفاق الاجتماعي.

وكما هو معروف فإن مصر تتعاون مع الصندوق منذ مطلع الثمانينيات، ولكن الصندوق يشرف على الاقتصاد المصري بشكل مباشر منذ العام ١٩٩١م من خلال رعايته لأكبر برنامج للإصلاح الاقتصادي تناول إعادة الهيكلة في القطاعين المالي والنقدي وخصخصة القطاع العام والتركيز على مشكلتي المديونية وارتفاع معدلات التضخم، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي فماذا كانت الحصيلة؟

ويقول تقرير وضعه صندوق النقد الدولي إن الاقتصاد المصري قد شهد تباطؤًا في معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي على النحو التالي 2.1%و 0.3% و 0.5% في الأعوام ۱۹۹۱م، ۱۹۹۲م، ۱۹۹۳م، على التوالي ولكن الناتج المحلي الإجمالي بدأ بالصعود منذ ذلك الوقت على النحو التالي 2.9 % و3.2 %، و 4.3 % و٥% و 5.3 %، و 5.7 %، في أعوام ۱۹۹٤م، ۱۹۹۵م. ١٩٩٦م، ١٩٩٧م، ۱۹۹۸م، ۱۹۹۹م على التوالي، لكن الصندوق توقع أن ينخفض في العام الجاري ٢٠٠٠م ليسجل 4.5 % فقط، لكنه لم يتخذ أي إجراءات لرفع نسبة النمو أو التحذير من المشكلة الحالية على الرغم من ارتفاع أسعار النفط والغاز وزيادة عائدات السياحة.

بل إن تقييم صندوق النقد للاقتصاد المصري لعام ١٩٩٩م كان إيجابيًا جدًا فقد أكد الصندوق في تقريره أن الاقتصاد المصري سجل نموًا وبالأسعار الثابتة وصل معدله إلى 5.7 %، وبناتج إجمالي وصل إلى 78.93 مليار دولار وهو ثاني أكبر معدل بين الدول العربية.

إلا أن الصندوق لم يحذر من الأزمة فيما يعتقد بعض الخبراء لأنه يريد من خلال أزمة نقص السيولة دفع الحكومة المصرية إلى تخفيض قيمة الجنيه الذي تتأرجح قيمته أمام الدولار منذ نحو عام، وهو هدف طالما سعى إلى تحقيقه خلال السنوات الماضية، كما يسعى الصندوق إلى دفع مصر إلى الاقتراض منه من جديد بعدما سددت الحكومة كل الفروض المترتبة عليها له.

ومهما يكن من أمر فإن الأزمة لا تبدو سهلة، على الرغم من تصريحات وتأكيدات المسؤولين المصريين بسهولة السيطرة عليها، خاصة مع بداية هروب رؤوس الأموال المصرية إلى الخارج، وتراجع الاستثمارات الأجنبية وزيادة ضغوط المديونية الداخلية والخارجية، ذلك أن استمرار حالة الكساد انخفاض معدلات السيولة في السوق سوف يؤديان إلى تراكم المخزون السلعي وتحوله مع الوقت إلى مخزون راكد.

ومن شأن ذلك أن يؤثر على قواعد الإنتاج وارتفاع تكلفة المنتجات وضعف القدرة على المنافسة، والحد من قدرة المشروعات على ضخ المزيد من الاستثمارات لتوفير فرص عمل جديدة فضلًا عن صعوبة الاحتفاظ بالعمالة القائمة وتنميتها واختلال هياكل التمويل لدى الوحدات الإنتاجية والوحدات العاملة في مجال التجارة الداخلية.

كما سيؤدي استمرار الوضع الراهن كذلك إلى ضعف قدرة منشآت الإنتاج والتجارة في الحصول على الائتمان وضعف قدرتها على سداد الديون وأعبائها وزيادة حالات الإفلاس التجاري، كما أكد الخبراء، لذلك فإن الحديث عن المعالجات الأنية لم يضع الاقتصاد المصري على طريق النمو بعدما تأكد أن توقعات الصندوق وأرقامه ليست دقيقة وقد ظهر في أكثر من دولة طبقت وصفات الصندوق أنها وقعت فريسة لتقاريره وأرقامه البعيدة كل البعد عن الأرقام والأوضاع الحقيقية.

الرابط المختصر :