العنوان الجبهة الوطنية الليبيرية.. سلاح منظمات التنصير ضد سكان البلاد الأصليين
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 15-يناير-2005
مشاهدات 158
نشر في العدد 1635
نشر في الصفحة 35
السبت 15-يناير-2005
الكنيسة دعمت انقلاب تايلور علي الرئيس صمويل دو لانحيازه إلى الأغلبية من المسلمين والوثنيين.
الحاج كروما ومحمد جوماندي قادا حركة المقاومة ضد المجازر ونجحا في تحقيق الكثير.
العنف ضد المسلمين أدي إلى مقتل 35 ألفًا منهم زتشريد نصف مليون وهد مئات المساجد والمدارس الإسلامية.
تعد الجبهة الوطنية الليبيرية المعارضة التي كان يتزعمها الديكتاتور السابق تشارلز تايلور والتي كانت تعرف اختصاراً باسم NPFL ثم تحولت قبيل انتخابات ۱۹۹۷م إلى ما يعرف باسم الحزب الوطني واحدة من أشد الجماعات المسيحية المتطرفة في ليبيريا، والتي كانت تحظى بدعم مباشر وقوي من مجلس الكنائس العالمي ولقد كان هدف تايلور الأساسي بعد وصوله الحكم بصورة رسمية عام ١٩٩٧م القيام بعمليات تنصير واسعة من أجل إحداث التوازن بين الديانات الثلاث في البلاد.
حيث إن ٦٥% من سكان البلاد البالغ عددهم ثلاثة ملايين نسمة من أتباع الديانات التقليدية، في حين يأتي المسلمون في المرتبة الثانية حيث يبلغ عددهم قرابة ثلاثة أرباع مليون نسمة أي قرابة ٢٥ %من حجم السكان ويتركزون في الشمال وينتمي معظمهم إلى قبيلة الماندينجو، ثم يأتي النصارى في المرتبة الثالثة حيث يبلغ حجمهم قرابة ١٠% من حجم السكان.
ليبيريا ومملكة المسيح
ويلاحظ أن عملية التنصير لم تكن وليدة تولي تايلور المسيحي مقاليد الأمور، وإنما هي قديمة قدم ظهور دولة ليبيريا عام ١٨٤٧م وهي من أوائل الدول التي ظهرت في إفريقيا، وذلك بالنظر إلى أنها صنيعة أمريكية، حيث إن مؤسسي الدولة كانوا من السود المحررين الذين كانوا عبيداً في الولايات المتحدة ثم أعادتهم واشنطن إلى مواطنهم الأصلية من أجل خدمة أطماعها الاستعمارية، فضلاً عن أطماع الكنيسة في واشنطن التي عملت على تنصير هؤلاء أولاً ثم إرسالهم إلى بلادهم من أجل نشر النصرانية، وبالفعل تم إرسال هؤلاء إلى ليبيريا (التي تعني بالعربية أرض الحرية أو التحرر) منذ عام ۱۸۲۲م، ونزلوا في البداية في المناطق الجنوبية وكان عليهم مواجهة الخطر المشترك المتمثل في القبائل الوثنية من ناحية، وقبائل الماندينجو المسلمة خاصة إمارة أو إمامية ساموراي الإسلامية التي كانت موجودة في شمال البلاد من ناحية ثانية.
وبالرغم من أن هؤلاء السود لم يشكلوا سوى١% فقط من حجم سكان البلاد إلا أن الدعم الأمريكي الكبير لهم خاصة في مجال التسليح ساهم في تفوق هؤلاء في النهاية عام ١٨٤٧م، وكانت المهمة الرئيسة لهؤلاء بعد الوصول للحكم وضع دستور علماني على النمط الأمريكي واعتماد الإنجليزية لغة رسمية في البلاد، واعتبروا أن هدفهم الديني هو إقامة مملكة المسيح في إفريقيا، وصارت الكنائس الليبيرية تابعة للكنائس الأم في الولايات المتحدة، بل كان كل رؤساء ليبيريا حتى عام ۱۹۸۰م من الأساقفة، وعملت هذه الأقلية السوداء مدعومة بكل حركات التنصير في إفريقيا على نشر المسيحية في ربوع ليبيريا، ولقد ساعد على ذلك سيطرة الفرنسيين في المقابل على البلدان الإسلامية المحيطة بليبيريا مثل غينيا وساحل العاج، وكذلك سيطرة بريطانيا على سيراليون المجاورة، ولقد عمل الاستعمار الفرنسي تحديداً على إغلاق المدارس الإسلامية وتصفية العلماء في دول الجوار مما أعطى الفرصة للبعثات التنصيرية في الوصول إلى غرب إفريقيا عامة وليبيريا خاصة التي كانت أحد أهم مراكز التنصير في الإقليم، حيث سيطر المنصرون على ٨٠% من المدارس، والنسبة الباقية خضعت السيطرة السود الأمريكيين وهم نصارى أيضاً، الأمر الذي أدى إلى انتشار الجهل والفقر بين المسلمين من قبائل الماندينجو والفولاني الذين حرموا حتى من التعيين في الوظائف الحكومية التي سيطر عليها السود الأمريكيون تماماً.
كان هذا هو أول استعمار إفريقي يتم بأيد إفريقية، والفضل في ذلك يرجع لبلد العم سام التي أشاعت أن هؤلاء سيعملون على نشر الحرية، ولكن في حقيقة الأمر مارسوا القمع والاستبداد والسرقة ضد الأغلبية من سكان البلاد الأصليين، مما ساهم في نمو جذور الكراهية والعنف بين طوائف الشعب الليبيري، وهو ما أدى بدوره إلى اندلاع الحرب الأهلية في البلاد منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي.
تحسن ملحوظ... ولكن!
لقد استمرت هيمنة السود الأمريكيين على مقاليد الأمور حتى وصول صمويل دو للحكم منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وقد استمرت عمليات التنصير ضد المسلمين إلا أن أوضاعهم تحسنت بصورة طفيفة في عهد كل من الرئيس وليام توبمان ١٩٤١م - ۱۹۷۱م وكذلك الرئيس وليام تولبيرت ۱۹۷۱م - ۱۹۸۱فقد تبنى توبمان سياسة منفتحة تجاه المسلمين والوثنيين على حد سواء، فسمح لأصحاب الأملاك منهم من الحصول على حق الانتخاب، كما سمح لهم بتولي الوظائف الحكومية، وهو ما نتج عنه تأسيس المسلمين للمجلس الإسلامي الليبيري عام ١٩٦٠م وفي عهد تولبيرت الذي تميز بضعف شخصيته كانت هناك فرصة لظهور جميع القوى بما في ذلك المسلمين خاصة مع تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد والتي كان أبرزها مظاهرات الأرز عام ۱۹۷۹م، والتي أدت في النهاية إلى قيام فئة قليلة من الجيش بقيادة الرقيب صمويل دو بمهاجمة القصر الرئاسي وإعدام تولبيرت أمام أعين الناس لينهي بذلك فترة طويلة من حكم القساوسة استمرت قرابة ١٣٣ عاماً وكذلك انتهى حكم السود المحررين ليبدأ حكم جديد للسكان المحليين ورفع دو شعار براق هو قيام الجمهورية الثانية في البلاد، وليعلن أن الحكم للأغلبية وإن كانت سيصبح ممارساته بعد ذلك أثبت العكس.
تحالف مؤقت
ويلاحظ أن دو، الذي ينتمي إلى قبيلة الكران ذات الأقلية قد سعى في بداية حكمه إلى إيجاد شبكة من التحالفات مع القوى الأخرى لتوطيد دعائم حكمه، وكان من بين القوى التي تحالف معها القوي الإسلامية من الماندينجو، فقام بإعطائهم مزيداً من الصلاحيات من أبرزها حق المواطنة بكل ما يشتمل عليه من حقوق بما في ذلك حق تولي الحقائب الوزارية مع توفير الحماية لهم وممتلكاتهم وقد شهد عصره ازدهاراً للماندينجو، مما أثار حفيظة القبائل الوثنية والنصرانية التي وجدت ضالتها المنشودة في وزير ماليته السابق تشارلز تايلور من أجل الإطاحة بدوم وأتباعه وكذلك مؤيديه، وقد لاقت هذه الفكرة استحساناً لدى واشنطن فقام تايلور بتشكيل جبهته التي أخذت مسمى سياسياً وطنياً يحمل في طياته نواياه التنصيرية، إلى جانب أطماعه السياسية فأطلق على جبهته اسم الجبهة الوطنية الليبيرية المعارضة وتمكن بفضل التحالف الوثني خاصة من قبائل جيو ومانو المسيحي من السيطرة على أجزاء كبيرة من البلاد في فترة وجيزة ولم يستطع إخفاء حنقه ضد الإسلام والمسلمين، فقام بإحراق المساجد والمدارس الإسلامية، مما دفع المسلمين إلى تشكيل الحركة المتحدة للتحرر والديمقراطية والتي عرفت باسم جبهة إنقاذ مسلمي ليبيريا بزعامة الحاج كروما عام ١٩٩١م من أجله التصدي للهجمة التنصيرية الشرسة التي يقودها تايلور ومن ورائه المنظمات التنصيرية ضد المسلمين.
وقاد الحاج كروما حركة الجهاد الليبيري، وتمكنت الحركة من السيطرة على ٤٠% من البلاد، مما اضطر تايلور إلى القبول بخطة أبوجا لإحلال السلام في البلاد عام ١٩٩٥م.
وبمقتضاها تم تشكيل مجلس رئاسي مع تعيين نائبين للرئيس الأول هو تايلور، والثاني هو الحاج كروما، ويلاحظ أنه لولا الانتصارات التي حققها المسلمون لما وافق تايلور النصراني على تولي كروما منصب هام في المجلس الانتقالي، إلا أنه اضطر للموافقة على مضض، حتى تحين الفرصة للانقضاض على المسلمين مرة أخرى وهو ما تحقق له بالفعل عام ١٩٩٧م بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية، وفوز حركته التي تحولت لحزب سياسي عرف باسم الحزب الوطني في الانتخابات البرلمانية وكان من بين الأمور التي قام بها تجميع كل المناصب السياسية تحت هيمنته، ثم وهذا هو الأهم العمل على نشر التنصير في البلاد من أجل إحداث توازن نسبي بين تركيبة السكان التي تميل لصالح القبائل الوثنية والمسلمين.
ولقد حظي تايلور بدعم واضح في هذا الشأن من قبل مجلس الكنائس العالمي حتى أثناء الفترة الانتقالية التي شهدتها البلاد قبل انتخابات ۱۹۹۷م، فقد قرر مجلس الكنائس العالمي في مؤتمره الذي عقده في لندن عام ۱۹۹٥م تخصيص الجزء الأكبر من ميزانيته لصالح النشاط التنصيري في ليبيريا، وكان حصاد ممارسات تايلور ضد المسلمين في هذه الفترة مايلي:
قتل ما لا يقل عن ٣٥ ألف مسلم.
تشريد قرابة نصف مليون مسلم.
هدم مئات المساجد .
هدم قرابة مائة مدرسة إسلامية
وكما سبق القول فإن تايلور كان من أحد الأوفياء المخلصين لواشنطن وللكنائس الأمريكية التي كانت تضع ليبيريا في مقدمة أولوياتها، لدرجة أن وزير الخارجية الأمريكي المستقيل - كولن باول قام قبل زيارة الرئيس بوش الأخيرة للقارة عام ٢٠٠٣م بتقديم تقرير عن أوضاع التنصير في ليبيريا إلى القس بيل جراهام أحد أشهر المنصرين في العالم . كما طالب اليمين المسيحي في واشنطن من الإدارة الأمريكية باستغلال المساعدات الإنسانية المقدمة لليبيريا - خاصة في مجال مكافحة الإيدز - من أجل خدمة التنصير في القارة السمراء عامة وليبيريا خاصة، وكما أن لكل ظالم نهاية، فقد أدت ممارسات تايلور القمعية ضد المسلمين وغيرهم إلى انقضاض هؤلاء عليه، فقام مسلمو الماندينجو بتشكيل حركة جديدة أوائل هذا القرن الميلادي الحالي عرفت باسم الحركة الليبيرية المتحدة من أجل المصالحة والديمقراطية LURD بزعامة محمد جوماندي، وجعلت من إسقاط نظام تايلور هدفاً لها، وبالفعل انطلقت من المناطق الشمالية، حيث مناطق تركز المسلمين وتمكنت من السيطرة على أجزاء كبيرة من البلاد بما في ذلك العاصمة - كما برزت حركة أخري عرفت باسم موديل، وإزاء تردي هذه الأوضاع قامت واشنطن كعادتها بالتخلي عن تايلور - مما اضطره في نهاية الأمر إلى الرحيل إلى منفاه في نيجيريا وبالرغم من رحيل تايلور إلا أن التنصير ما زال مستمراً في البلاد، خاصة من قبل الجماعات التنصيرية الأخرى التي سمح لها تايلور بالتحرك بحرية واسعة تحت شعارات إنسانية أحياناً، وشعارات كنسية أحياناً أخرى من أجل نشر النصرانية في البلاد .
العدد القادم: في جنوب السودان منظمات كنسية شعارها الغاية تبرر الوسيلة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل