العنوان رسائل الإخاء- بين اختلاف الأمة وسيرة الأئمة
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1986
مشاهدات 107
نشر في العدد 785
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 30-سبتمبر-1986
شبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بأعضاء
الجسد الواحد، ولم يكن شيء أبغض إليه بعد الكفر بالله من الاختلاف
والتنازع ولو في الأمور العادية ولما كان الاختلاف في الفهم والرأي من
طبائع البشر ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾
(هود:118-119) خُص الاختلاف المذموم
في الإسلام بما كان تفرقًا أو سببًا للتفرق، وجرى على ذلك السلف
الصالح فحظروا فتح باب الآراء في العقائد وأصول الدين،
وحتموا الاعتصام فيها بالمأثور من غير تأويل، وخصوا
الاجتهاد بالأحكام العملية، ولاسيما المعاملات، وكان كلهم يتعاونون فيما
اتفقوا عليه ويعذر بعضهم بعضًا فيما اختلفوا عليه من المسائل الاجتهادية
ولا يكلِّفُ أحدُهم مخالِفَهُ موافقتَه في فهمه.
فأين هذا التعصب الذي نعانيه اليوم والإيذاء،
والتفريق بين المسلم بالآراء الاجتهادية، من تساهل السلف
الصالح وأخذهم بما أراده الرحمن من اليسر في الشرع وانتفاء
الحرج منه، واتقائهم التفريق بين المسلمين بظنون اجتهادية رجح
بها كل ناظر ما رآه أقرب إلى النصوص أو إلى حكمة الشارع، حتى كأن
أشهر الأئمة لا يستحلون الجزم بالحكم فيها، فيقول أحدهم أكره كذا،
أو أستقبحه، أو أخشى أن يكون كذا، أو لا ينبغي، أو لا
يصلح، أو لا يعجبني أو لا أحبه أو لا أستحسنه، ويقول في مقابل
ذلك يفعل السائل كذا احتياطيًّا، أو أحب كذا أو أعجب إلي أو
هذا أحسن كما أثر عن الإمام أحمد رضي الله عنه في
المسائل الاجتهادية مبالغته في الورع وعدم الجزم في الحكم فيما لا نص
فيه وفيما يحتمل وجوهًا عدة وفي المصالح المرسلة..
وكانوا متفقين على أن من خالف مضمون نص لم يبلغه،
أو معنى نص غير قطعي الدلالة لأنه لم يظهر له، أو بذل جهده
في استبانة مراد الشارع أي مسألة فترجح عنده فيها شيء فعمل به مخطئًا
فهو معذور، فهل يكون المرء بمخالفته لاجتهاد غيره مأزورًا غير معذور؟!
وجملة القول إن التفرق بين المسلمين، باختلاف المذاهب والآراء، وتعصب كل شيعة لمذهبها في الأصول أو الفروع، هو من أكبر الكبائر الثابتة بنصوص الكتاب والسنة القطعية المُجمَع عليها، ولا شيء منها بقطعي مجمع عليه، فمن مُقتضى أصولهم كلهم وجوب ترك كل أسباب هذا التفرق والاختلاف، حتى قال الغزالي في القسطاس المستقيم: بالاكتفاء بالعمل بالمُجمَع عليه وعد المسائل الظنية المختلف فيها كأن لم تكن، وعدم جعل الخلاف فيها ذريعة للعداوة والبغضاء في الأمة الواحدة المأمورة بالاتفاق والاعتصام، ولكن لا يتخذ شيء فيها من قواعد الإيمان، ولا يعد مُخَالِفُهُ كافرًا ولا عاصيًا لله تعالى، سواء كان مستدلًا أو مقلدًا لغيره.