; دورة ناجحة لمجمع الفقه الإسلامي بالبحرين | مجلة المجتمع

العنوان دورة ناجحة لمجمع الفقه الإسلامي بالبحرين

الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-ديسمبر-1998

مشاهدات 61

نشر في العدد 1329

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 08-ديسمبر-1998

أنشئ مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي مع مطلع القرن الخامس عشر الهجري بقرار من ملوك ورؤساء الدول الإسلامية إحساسًا منهم بحاجة المجتمع الإسلامي إلى اجتهاد جماعي للقضايا المعاصرة، والأحداث المستجدة على الساحة، والمستحدثات الجديدة التي ظهرت ولا تزال تظهر في مجالات الطب والهندسة الوراثية والجينات والاقتصاد، ففي عالمنا اليوم تظهر كل يوم أمور جديدة وقضايا حديثة تحتاج إلى النظر والعلاج والحلول.

وبما أن المسلمين مطالبون بمعرفة الحكم الشرعي لكل حادثة والعمل على ضوء حكمها الشرعي، فإنه يتحتم عليهم النظر والبحث لمعرفة هذه القضايا والمستجدات، وإبداء الرأي الشرعي حولها، ومن البديهي أن هذا العمل لا يمكن أن يقوم به إلا العلماء المتخصصون القادرون على الاستنباط، بل إن معظم قضايا العصر لا تعالج من خلال الاجتهاد الفردي، وإنما تحتاج إلى اجتهاد جماعي تشترك فيه جماعة من أهل العلم والذكر، وهذا ما يقوم به مجمع الفقه، حيث يكلف في كل موضوع عددًا من المتخصصين والفقهاء، ثم يناقش الموضوع من جميع الأعضاء والخبراء، فإذا توصلوا إلى الحكم أصدروه في صورة قرارات، وإلا فيؤجلوه إلى دورة أخرى، وقد يتطلب الموضوع عقد ندوة، أو ندوات حوله لمزيد من الإيضاح، إضافة إلى أن المجمع يتعاون في كل موضوع مع المؤسسات المتخصصة، فمثلًا يوجد تنسيق تام بين المجمع والمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت في مجالات الطب والهندسة الوراثية، والجينوم البشري ونحو ذلك، كما يقوم بتنسيق تام مع المؤسسات الاقتصادية في المجمع القضايا الاقتصادية، إضافة إلى تنسيق جيد مع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي.

والمجمع يتكون من الأعضاء ومن الخبراء، فالأعضاء هم ممثلو كل الدول الإسلامية، وأما الخبراء فهم العلماء المعروفون بالعلم الذين يستعين بهم المجمع في كتابة البحوث والمناقشات ونحوها، وهم موزعون بين أهل الفقه والطب والاقتصاد والإدارة.

وللمجمع رئيس هو الدكتور أبو بكر بن زيد، كما أن له أمينًا عامًا وهو الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة الذي هو بمثابة المحرك للمجمع، إضافة إلى إدارة تابعة للأمين العام.

وقد صدر عن المجمع من دورته الأولى إلى الدورة الأخيرة الحادية عشرة التي عقدت بالمنامة في الفترة من ١٤ إلى ۱۹ من نوفمبر الماضي، أكثر من مائة قرار في مختلف القضايا التي تهم العالم الإسلامي، فمثلًا عرضت الموضوعات التالية على الدورة الثانية هي زكاة الديون والعقارات والأراضي المستأجرة غير الزراعية، بنوك الحليب، والتأمين وإعادة التأمين، وحكم التعامل المصرفي بفوائد وخطاب الضمان، وفي الدورة الثالثة حكم أطفال الأنابيب أجهزة الإنعاش، وتوحيد بدايات الشهور القمرية وغير ذلك.

الدورة الحادية عشرة

وفي هذه الدورة عرضت على المجمع حوالي ثمانية موضوعات في غاية من الأهمية، والتنوع والحاجة إليها، 

ومنها: 1– الوحدة الإسلامية والوسائل المحققة لها:

وقد أولى المجمع عناية قصوى بهذا الموضوع، لذلك حاول أن يحدد العناصر الأساسية، ولذلك كان الغرض من إثارة هذا الموضوع تحقيق ما يأتي:

أ-التأكيد على المبادئ التي قررتها الشريعة الغراء لتعزيز الأخوة الإيمانية لوضعها موضع التطبيق.

ب-بيان الوضع الحاضر للأمة الإسلامية من التفرق والتنافر، وبيان الأسباب الدنيوية والدينية لذلك. 

ج-أدب الحوار، وأخلاقيات الخلاف، وسلوك الجدال والنقاش، والتحلي بأخلاقيات الإسلام، والاستفادة مما يجري في العالم المتحضر. 

وقد ناقش الباحثون والمتداخلون العوامل التي أدت إلى تفرق الأمة الإسلامية، وأسبابه الداخلية والخارجية للوصول إلى النقاط التي تساهم في إعادة الوحدة الإسلامية، وقوتها وعزتها، وتوصلوا إلى أن هذه الأمة تحمل من أسباب الوحدة الكثير والكثير لتحقيق هذا الهدف المنشود.

٢-العلمانية ومن المعلوم أن العلمانية تعني فصل الدين عن الحياة، وعزل الخالق عن المخلوق، وهي نشأت في أوروبا الأسباب أهمها: هيمنة الكنيسة على الحياة بشكل تعسفي ووقوفها ضد العلم والعلماء، بل قيامها بمحاكم تفتيش للعلماء الذين تنوروا بالحضارة الإسلامية في الأندلس حتى حكمت بالإعدام والحرق على عدد من العلماء منهم جاليلو الذي تراجع عن فكرة كروية الأرض، ثم لما عاد إلى تلامذته، قال وهو على فراش الموت الأرض كروية رغم أنف البابا هذه الفكرة ما كان ينبغي أن تظهر في المجتمع الإسلامي الذي يسود فيه دين الإسلام الذي هو دين العلم والحكمة، ولكنها فرضت على أسنة رماح الاستعمار، وبقوة العملاء، فأدت إلى تفكك الأمة الإسلامية والصراعات التي لم تنته بعد، كما أنها فشلت في تحقيق أي خير لها.

٣-الحداثة وهي تعني طرح كل قديم ومنه تراثنا، بل منه ديننا، حيث يدعو أصحابها إلى أن يقوم الإنسان فقط بصناعة ما يريده دون خضوع التشريع إلهي.

ولذلك قام المجمع بتوضيح هذه المسألة وخطورتها، وأن ديننا الحنيف له ثوابت ومتغيرات، وهو يدعو إلى الأخذ بكل قديم صالح، وكل جديد نافع.

٤-بيع الدين وسندات القرض ناقش المجلس هذا الموضوع وأوضح خطورة الاستغراق في الديون، وأن أهم أسباب الأزمة الاقتصادية في اسيا بل وفي العالم التعامل في الديون وسندات الديون دون ضوابط شرعية.

٥-المضاربات في العملة ناقش المجلس هذه المسألة وبين مخاطرها التي تهدد فعلًا الاقتصاد الرأسمالي، وتبين من خلال ذلك الحكمة الأساسية في تشدد الشريعة الإسلامية في موضوع الصرف، وتحريم كثير من التعامل بالنقود لأجل الربح، فكل بيع أجل على النقود محرم باطل.

٦-عقود الصيانة: وهي من العقود الجديدة التي اختلف فيها المعاصرون: هل هي تعود إلى الجعالة، أم الإجارة، أم أنها من العقود المستحدثة، ولكنها جائزة من حيث المبدأ ويسعى المجمع لوضع ضوابط لها. 

٧-سبل الاستفادة من النوازل والفتاوى والعمل الفقهي في التطبيقات المعاصرة وناقش المجلس هذا الموضوع بإسهاب للوصول إلى وضع قواعد وضوابط للفتاوى المعاصرة، إذ إن هناك مزالق كثيرة لهذه الفتاوى، وانفلاتًا خطيرًا لدى البعض، لذلك أصبح من الضروري وضع ضوابط محددة للاجتهاد المعاصر المقبول.

٨-الهندسة الوراثية، والعلاج الجيني، والبصمة الوراثية والمجمع في هذا الموضوع متعاون مع المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، حيث عقدت ندوة علمية قبل حوالي شهرين وصدرت فيها عدة توصيات ستعرض على المجمع لإقرارها أو تعديلها، وقد ناقش المجلس الموضوع بدقة، وناقش المجمع كذلك توصيات لجنة دور المرأة المسلمة في تنمية المجتمع. 

والخلاصة: فقد كانت دورة المجمع هذه دسمة مليئة بالموضوعات الحيوية التي تحتاج إليها الأمة، وأعتقد أنها كانت دورة ناجحة بسبب الحضور المكثف والعناية الكريمة من حكومة دولة البحرين، حيث لم تال جهدًا في تقديم أفضل الخدمات والتسهيلات.

الرابط المختصر :