العنوان الغزو الفكري للتاريخ والسيرة بين اليمين واليسار (الحلقة الثانية والعشرون)
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أبريل-1986
مشاهدات 59
نشر في العدد 761
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 01-أبريل-1986
- يهود الدونمة تظاهروا بالإسلام من أجل إفساد دولة الخلافة الإسلامية.
- استطاع الإنكليز هزيمة جيوش الخلافة عن طريق الجيوش العربية دون أن
تراق قطرة دم إنكليزي.
- في الوقت الذي غفل فيه العرب عن دور اليهود في القضاء على دولة الخلافة
أدرك غير المسلمين هذا الدور.
دور الغزو الفكري في إسقاط الخلافة الإسلامية:
قام الصليبيون بطرد المسلمين واليهود من الأندلس في القرن الخامس عشر والسادس عشر الميلادي، فهاجر اليهود إلى تركيا، وأطلق عليهم الأتراك اسم الدونمة، وهي كلمة تركية معناها القذر أو الخسيس (1).
ولكن هؤلاء اليهود تظاهروا بالإسلام وارتدوا زي الأتراك لخطة رسمها اليهود هي إفساد دولة الخلافة الإسلامية ليمكن القضاء عليهم تمهيدًا لدخول اليهود فلسطين وامتلاكها.
ولقد ألقت محاكم التفتيش الإسبانية بنصف مليون يهودي في الشارع، ولم يخيرهم الإسبان بين الرحيل أو اعتناق المسيحية كما فعلوا مع المسلمين؛ وذلك لخوفهم من وسائل اليهود في التستر والنفاق للوصول لأهدافهم (2).
هؤلاء اليهود ذهبوا إلى تركيا وتظاهروا بالإسلام، ولكن في بيوتهم ومجالسهم الخاصة كانوا يدرسون التلمود، ويحيون أعيادهم وديانتهم، ويحتفظون بأسمائهم اليهودية.
ولقد استغلوا الطريقة الصوفية البكتاشية، فدخلوا صفوفها وتظاهروا بالإخلاص لها، وفي السر كانوا يحيكون المؤامرات للمسلمين، لهذا قاموا سنة ١٦٨٣م وأنشأوا محفلًا ماسونيًا هو المركز الرئيسي لجميع المحافل التي أنشأوها في مختلف ديار الخلافة، التي استغلوا سلطانها بايزيد الثاني فسمح لهم بحفل في الآستانة.(3)
وقد تحالفت بريطانيا وفرنسا مع اليهود الدونمة لهدم الخلافة بتوليتهم المراكز الحساسة في هذه الدولة، التي أطلقوا عليها اسم الرجل المريض، وسارعوا في تقسيم تركته قبل وفاته، وبلغ من سلطتهم الخفية أن تولى أحدهم وهو كاميل باشا رئاسة الوزراء في آخر عهد السلطان عبد الحميد الثاني، وتولى جاويد بك وزارة المالية.
دور الغرب وأتاتورك:
لهذا تمكنوا من إغراق الدولة بالديون، واضطر السلطان إلى الاستعانة بخبراء غربيين رشحهم اليهود في الخفاء، ثم أكرهوا السلطان عبد الحميد على تشكيل وزارة فيها ثلاثة من اليهود الصرحاء، وليس فيها أي وزير من العرب الذين يشكلون أكثر بلاد الخلافة، والدستور الذي فرضوه مع تشكيل الوزارة جعلوا له أبًا روحيًا هو مدحت باشا ابن الحاخام المجري، ومدحت هذا سبق أن دبر مؤامرة لعزل السلطان عبد العزيز ثم قتله، وتولية مراد الخامس ثم عزله، مع الاتفاق مع السلطان عبد الحميد الثاني أن يحل محل أخيه مراد سنة ١٨٧٦م.
وفي سلانيك قام الحاخام الأكبر ناحوم بتوجيه القطب الأعظم لمحفل سلانيك (4)، ليرسل زبانيته أنور، وجمال، ومدحت، وطلعت، ونيازي للمناداة بالحرية والمساواة والإخاء في الظاهر، وفي الواقع يسومون الناس سوء البلاء والعذاب، ومازال العرب في بلاد الشام يذكرون مجازر السفاح جمال باشا؛ مما زين للعرب أن يتحالفوا سرًا مع فرنسا وإنجلترا لهدم الخلافة الإسلامية، وفي الوقت نفسه دفعوا الأتراك إلى قبول زعامة كمال أتاتورك ربيب محفل فيدانا الماسوني، وهو مجهول الأب (5)، والذي ألغى الخلافة الإسلامية سنة ١٩٢٤، وأعلن تركيا دولة لادينية، فألغى الحج، والأذان، وأغلق أكثر المساجد، وجعل يوم الأحد هو يوم العطلة الرسمية حتى إنه في يوم افتتاح مجلس الشعب سنة ۱۹٢٣، قال: "نحن الآن في القرن العشرين ولا نستطيع أن نسير وراء كتاب تشريع يبحث في التين والزيتون" (6)، بل كان يكره الملابس العربية مع أنه كان يتجول بين العرب بهذه الملابس.
وجاء في المذكرات أن لورانس كان صديقًا للزعيم الصهيوني حاييم وايزمان وأرسل إليه خطابًا: أن المخابرات البريطانية ليست متحمسة لإنشاء وطن قومي لليهود رغم التصريحات الرسمية بذلك.
والجدير بالذكر أن لورانس صدر له كتاب باسم أعمدة الحكمة، وقد جاء في المذكرات سالفة الذكر أن برنارد شو راجع الكتاب في أغسطس سنة ١٩٢٥.
وقد اعترف لورانس في كتابه هذا أن بريطانيا كانت تعطي العرب وعودًا لإقامة الخلافة العربية الهاشمية عند قيامهم بالثورة ضد تركيا، وفي الوقت نفسه تعطي اليهود الوعود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، وجاء في الكتاب أنه كان يتجول في ديار الشام، ويسأل الصغير والرجل والكبير عن أي شيء في أمور الحياة، فيجيبون من القرآن والسنة فتصيبه الحسرة ويقول في نفسه: أرى الوطنية تحل محل الدين، ومتى أرى مصر تتغنى بقوميتها، وسوريا تتغنى بقوميتها، ولا يصبح الدین عامل توحيد للعرب " (7).
الخيبة العربية:
كان العرب الذين استجابوا لبريطانيا في وعودها الكاذبة لا يجهلون أن بريطانيا قد أعلنت الحماية على مصر في ديسمبر سنة ١٩١٤، كما أعلنت زوال سيادة تركيا عليها، وقبل ذلك اتفقت بريطانيا وفرنسا مع روسيا على تجريد أموال الخلافة العثمانية، ومع هذا استجاب هؤلاء الزعماء، وعلى رأسهم الشريف حسين، وأرسل ابنه فيصل ليحرض زعماء جمعيتي العهد والفتاة في بلاد الشام، استجابة لطلب إنجلترا الثورة ضد تركيا لتعترف باستقلال بلاد العرب، وقد أجريت المباحثات مع العرب في مصر، ودمشق، وبغداد بواسطة المستر ستورز، بالإضافة إلى مراسلات حسين ومكماهون، ودور لورانس في المنطقة العربية، وكانت النتيجة أن دخلت القوات العربية في دمشق في أكتوبر سنة ۱۹۱٨ بقيادة فيصل بن حسين، بينما جاءت قوات الحلفاء واستولت على المنطقة بقيادة الجنرال الكمبي، ووزعتها طبقًا لاتفاق سايكس بيكو، وخان زعماء العرب دينهم بتحالفهم مع بريطانيا تحت اسم الثورة العربية الكبرى، حتى قال لورانس في أعمدة الحكمة واصفًا هذه الثورة العربية: إنهم استطاعوا هزيمة جيوش الخلافة عن طريق الجيوش العربية دون أن تراق قطرة دم إنجليزي.
ولم يستيقظ العرب من غفلتهم؛ فقد أكمل الذئب الأغبر كمال أتاتورك المهمة، ولكن بعد تنسيق أدى إلى أن يقاتل اليونان وبريطانيا حتى انخدع الشاعر شوقي، وعد ذلك نصرًا للدين فأنشد:
الله أكبر كم في الفتح من عجب يا خالد الترك جدد خالد العرب
والجدير بالذكر أن الشيخ مصطفى صبري شيخ الإسلام في تركيا كان أكثر فطنة فكشف هذه اللعبة، بل أعلن عن تكفير مصطفى أتاتورك؛ لأنه فصل الدين عن الدولة، كما أعلن إهدار دمه.
ومن غفلة الزعماء وبعض العلماء أن اتهموا شيخ الإسلام بالحكم بالأهواء، بل قام الشيخ محمد شاكر وكيل الجامع الأزهر ونشر مقالًا بالأهرام بتاريخ 5/12/1924م أعلن فيه أن كمال أتاتورك قدوة للمسلمين، وكان الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رئيس علماء الجزائر ضمن من بايع الأمير فيصل بن الحسين زعيمًا للثورة ضد تركيا حيث وقع في هذه الخديعة.
ولم يفق الشيخ محمد شاكر إلا بعد أن تمكن كمال أتاتورك من الجميع، وأعلن إلغاء الخلافة، وطرد الخليفة وأسرته من تركيا، وجردهم من أملاكهم، وطعن في الإسلام فجاء الشيخ شاكر بعد فوات الأوان ولعن في الذئب الأغبر كمال أتاتورك، وأوضح أنه كان مخدوعًا في أقواله.
فرانكلين واليهود:
وقد غفل العرب عن دور اليهود في هذه المؤامرة، مع أن خطرهم فسره القرآن الكريم في كثير من السور، ومن غير المسلمين من أدركوا ذلك من خلال الواقع العملي، حتى إن الرئيس الأمريكي بنيامين فرانكلين في خطبة إعلان الدستور ۱۷۸۹ قال: "هناك خطر عظيم يهدد أمريكا هو الخطر اليهودي، فهم يزعزعون الأخلاق، وإذا لم يمنعوا من الهجرة إلى أمريكا؛ سيصبح أبناؤنا عمالًا في الحقول لتأمين أرزاق اليهود الجالسين في بيوتهم المالية، إني أحذركم حتى لا يلعنكم أبناؤكم وأحفادكم".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(۱، ۲، ۳) أبناء يهوذا في الخفاء تأليف داود عبد العفو سنقرط، طبعة دار الفرقان بعمان ۱۹۸۳، جـ ۲ ص ۱۲۸ و۱۲۹.
(٤،٥،٦) الماسونية في العراء للدكتور محمد علي الزعبي ص ۲۲۱، والرجل الصنم ترجمة عبد الله عبد الرحمن ص ٤٩٣، وأبناء يهوذا في الخفاء لداود سنقرط ج ٢ ص ١٣٦.
(۷) عن كتاب معجم أعلام الجزائر للأستاذ عادل نويهض ص ۱۳، وقد ذكر أن الشيخ الإبراهيمي وقتها كان أستاذًا للأدب العربي بجامعة دمشق ۱۹۱۷.
- يهود الدونمة تظاهروا بالإسلام من أجل إفساد دولة الخلافة الإسلامية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل