; المسلمون في بريطانيا: هل يصبحو ورقة سياسية تؤثر في نظام الحكم ؟ | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون في بريطانيا: هل يصبحو ورقة سياسية تؤثر في نظام الحكم ؟

الكاتب هشام العوضي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-مارس-1997

مشاهدات 83

نشر في العدد 1241

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 11-مارس-1997

 

رغم أن المسلمين يمثلون الجالية الثانية في بريطانيا إلا أنهم يفتقدون من يمثلهم في البرلمان أو مجلس اللوردات

الصوت الإسلامي في العملية السياسية البريطانية لا يزال ضعيفا مقارنة بالصوت اليهودي وجماعات الضغط الأخرى، وهي مفارقة قديمة قدم الجالية المسلمة في بريطانيا، والتي وفدت إلى هذا البلد في خمسينيات وستينيات هذا القرن بهدف البحث عن لقمة العيش، وعلى خلاف الجالية اليهودية وتاريخ نزوحها إلى بريطانيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فإن فكرة المشاركة في الحياة السياسية لم تكن ضمن أولويات المسلمين الأوائل الذين لم ترد على خاطرهم أصلا فكرة الإقامة الدائمة، فضلا عن أن ترد فكرة المشاركة السياسية، كما أن هؤلاء المسلمين جاءوا من شريحة جغرافية (شبه القارة الهندية واجتماعية (الدخل المحدودة، العزوبية، تعليم محدود) معينة، لم تكن تسمح بوجود وعي بأهمية لعب دور حيوي في تسيير المجتمع البريطاني

جيل جديد : ولكن هذا الاعتقاد المبدئي بأن المسلمين الأوائل سيغادرون بريطانيا حالما تتحسن أحوالهم، ويكون بمقدور أحدهم العودة إلى بلده، وبناء بیت خاص به، والتزوج والاستقرار، كل هذا تحول إلى طموح وحلم أكثر منه حقيقة وواقع، فبمرور السنوات وتحسن الأوضاع الاقتصادية بصورة لم يكن يحلم بها الفرد أو يتصورها، استطاع المسلم المهاجر تحقيق كثيرٍ من أحلامه إلا حلم العودة والاستقرار، بمعنى أنه استطاع فعلًا العودة مؤقتا لبلده وبناء بيت خاص به . وفي بعض الأحيان بيوت، واستطاع الزواج، إلا أنه استصعب بعد ذلك الحياة في ظل ظروف بلده الاقتصادية الصعبة، بعد أن اعتاد على الوفرة المادية في بريطانيا، فقرر البقاء على أمل أن يعود يومًا - أو لا يعود - إلى بلده باكستان أو الهند أو بنجلاديش.. إلخ. وبطبيعة الحال تكون جيل جديد من أبناء المسلمين الذين ولدوا وعاشوا في هذا البلد ارتبطوا به عاطفيًّا وثقافيًّا أكثر من ارتباطهم ببلد آبائهم الأصلي، فصاروا جزءًا من هذا المجتمع وجزءًا من العديد من قضاياه السياسية والاجتماعية المهمة، وبدأت فكرة المشاركة في الحياة البريطانية مطروحة بقوة على أجندة المنظمات والمؤسسات الإسلامية العاملة في بريطانيا، بما في ذلك المدارس الإسلامية والهيئات الخيرية والمنظمات المستقلة، أو المنبثقة عن جماعات وتوجهات متنوعة وقد تبدو هذه الصورة مشرقة في ناحية ومظلمة في ناحية أخرى؛ مظلمة لأن بعض المسلمين لا يزال يغفل أهمية المشاركة السياسية في هموم وقضايا المجتمع البريطاني، إما من منطلق سلبي، أي أنه لا يعبأ بماذا يحدث في الحياة السياسية ومن الذي يحكم ما دامت أموره العامة تسير ظاهريًّا علي ما يرام. ووضعه الاقتصادي ينتقل من حسن إلى أحسن، وإما من منطلق أيديولوجي (وهي غالبية الفئة الشبابية ناقم على النخب البريطانية السياسية والاقتصادية ومعتبرا إياها كلها - سواء كانوا عمالاً أو محافظين في سلة واحدة هي سلة الحقد على الإسلام والمسلمين وعدم الأخذ بمصالحهم بعين الاعتبار، ويتفق التياران ـ من غير اتفاق مسبق – على الانعزال عما يجري في الواقع البريطاني على اعتبار أنها بلاد غربية، وسنعود إلى وطننا قريبا بالنسبة للفئة الأولى؛ أو لأن بريطانيا بلد غير مسلم ولا ينبغي للمسلمين أن يتعاونوا مع نظامها بالنسبة للفتة المتحمسة الثانية، ولكن بعيدًا عن الحماسة أو السلبية فإن هذه النظرات لا تفيد المسلمين كثيرًا في تحسين أوضاعهم العامة، ولا تساهم في حل الكثير من مشاكلهم العالقة، وعلى رأسها مشكلة المدارس الإسلامية وحفظ هوية الجيل الثاني، ويمكن في هذا المجال فقط عمل مقارنة طويلة بين سياسة الحكومة البريطانية تجاه عدم دعم المدارس الإسلامية في مقابل دعم المدارس اليهودية، غير أن المهم في هذه القضية أن ندرك على الأقل حجم الثقل السياسي والاقتصادي الذي يمثله اليهود حتى نفهم أبعاد هذه السياسة، وعلى الرغم من أن القضية أعقد من هذا لأسباب تاريخية وثقافية تربط بين بريطانيا واليهود، إلا أن مشاركة اليهود في الحياة البريطانية وحجم الخدمات التي أدوها للدولة المنهارة في أعقاب الحرب العالمية الثانية لا ينبغي أن يقلل من شأنه هو الآخر، في وسط حماسة الشباب وسلبية الشيوخ من هذا، وإدراك هذا البعد وهو أهمية المشاركة في الحياة البريطانية هو الجانب المشرق في تاريخ الوجود الإسلامي في بريطانيا، فبعد أحداث كثيرة مثل: قضية سلمان رشدي، وحرب الخليج، ورفض تقديم الدعم للمدارس الإسلامية، وسيل من البرامج الإعلامية في نقد الظاهرة الإسلامية، أدرك المسلمون في بريطانيا أهمية تكوين جبهة قوية تنتقل من مجرد نقل الصوت الإسلامي في صورة صراخ وحرق العلم البريطاني في حديقة الهايد بارك، والتنديد بالسياسة البريطانية خارج أسوار البرلمان، وتوزيع المنشورات الغاضبة، إلى أن يكون هذا الصوت أكثر انضباطًا وأدق تخطيطًا على جميع الأصعدة الفاعلة في المجتمع وعلى رأسها طبعا الصعيد السياسي. وقد تبلورت هذه النظرة بوضوح في التقرير الذي نشرته لجنة العمل البريطانية للشؤون الإسلامية (UKACIA)، وقامت بتوجيهه إلى جميع الأحزاب السياسية في بريطانيا، بما في ذلك نواب البرلمان المستقلون، وفي المؤتمر الصحفي الذي دعت إليه اللجنة في ٢٠ من نوفمبر الماضي. صرح المتحدث باسم اللجنة إقبال سكراني بأن اللجنة تهدف إلى شيئين وهما:

 ١ - مناشدة المسلمين القادرين على التصويت والمشاركة بصوتهم لصالح الحزب السياسي الذي يقدم خدمات أكثر للجالية المسلمة في منطقته الانتخابية.

 ٢ - تنبيه الأحزاب السياسية إلى أهمية أخذ الصوت الإسلامي في الاعتبار في المعركة الانتخابية، وأنه يتحتم على هذه الأحزاب صياغة سياسات متفهمة لمشاكل المسلمين إذا ما أرادت كسب الصوت الإسلامي في صفِّها، وقدم التقرير عشر قضايا تهم المسلمين في بريطانيا مثل: قضية المشاركة السياسية، وقضية التعليم والصحة، والحماية ضد التفرقة الدينية، والارتقاء بالمستوى الاقتصادي، خاصة بالنسبة للشباب والتعديل من السياسة الإعلامية المناوئة للظاهرة الإسلامية، إضافة إلى توضيح وجهة النظر الإسلامية في قضايا مثل اليانصيب الوطني ودور الأخلاق والأسرة، وما يجري في العالم للمسلمين من اضطهاد ومجازر.

متطلبات سياسية وتعليمية

يشير التقرير إلى أنه على الرغم من أن المسلمين هم ثاني أكبر جالية في بريطانيا من حيث الديانة إلا أنهم يفتقدون من يمثلهم في البرلمان، أو في مجلس اللوردات مع أنهم قد أدوا خدمات جليلة لهذا البلد. وقادرين على تقديم المزيد شريطة أن تتخذ الأحزاب السياسية المزيد من الخطوات الإيجابية في هذا المجال، وبالنسبة للتعليم فقد أثار التقرير أهمية زيادة الجرعة الدينية في التعليم العلماني المادي، إذا تمثل الفئة العمرية لصغار المسلمين من 5ـ 9 أضعاف متوسط صغار الإنجليز في الوثائق الرسمية، ويطالب التقرير الحكومة والأحزاب ضرورة الأخذ في الاعتبار التنوع في الاعتقاد، فيما يتعلق بفصول التعليم المسيحي وحصص العبادة الكنسية، إضافة إلى العطل والأعياد الخاصة بالمسلمين، وأكد التقرير على أهمية دعم المدارس الإسلامية بنفس قوة دعم المدارس الدينية الأخرى، معتبرًا عدم وجود أي سبب منطقي للرفض المستمر الذي تمارسُه الحكومة للاعتراف بأي مدارس إسلامية، وطالب التقرير الحكومة والأحزاب إعادة النظر القانون الذي يقتصر على حماية الأقليات من منطلق عنصري فقط، وأهمية توسيع رقعة هذه الحماية؛ كي تشمل حماية الأقليات الدينية، وأفاد التقرير إلى أنه ليس من العدل إدخال اليهود في هذا القانون باعتبارهم يمثلون عنصرًا وترك المسلمين وحدهم يتعرضون للتفرقة الدينية في العمل وفي المدرسة .. إلخ، وتساءل التقرير أنه إذا كان هناك قانون يحمي الأقليات الدينية في شمال إيرلندا، فلماذا لا يكون هناك نفس القانون بالنسبة للمسلمين في المملكة المتحدة واستعرض التقرير في حالات تعرضت لمثل هذه التفرقة والتعسف، خاصة في ميدان العمل. تشير الإحصائيات إلى أن معدل البطالة داخل الجالية الباكستانية والبنجلاديشية وصل إلى حوالي ٤٠ يفوق عدد بطالة الإنجليز بنحو ٤ مرات ـ ومعظم هذه الجاليات متمركز في مناطق فقيرة ذات خدمات اجتماعية سيئة، بما في ذلك المدارس، فغالب المدارس التي يذهب إليها أطفال هذه العائلات هي دون المستوى العام للمدارس الإنجليزية من حيث مناهج الدراسة ونظم التعليم، وفي أكتوبر سنة ١٩٩٥م أوضحت دراسة أخرى عن البطالة أن الباكستانيين يقفون على أعلى درجة في سلم البطالة بواقع ٣١ %بالنسبة للشباب، تصل إلى ٥٠% في بعض المناطق الداخلية الفقيرة مقارنة بنسبة بطالة الإنجليز، وبالنسبة للميدان الصحي فقد طالب التقرير الحكومة والأحزاب المعنية أهمية احترام المعتقدات الإسلامية فيما يتعلق بتقديم اللحم الحلال في المستشفيات، والفصل بين الجنسين في بعض العنابر، إضافة إلى توفير خدمات ، الختان للأولاد في المناطق التي فيها أغلبية مسلمة مثل مدن برادفورد، وبرمنجهام، ولندن.

 وفيما يتعلق بالأطباء المسلمين، لفت التقرير إلى الأعداد الكبيرة من الأطباء المسلمين الذين يعملون المستوصفات ودور الرعاية، وأهمية الاهتمام بهذا العدد من حيث العمل على رفع الكفاءة المهنية والمستوى الاقتصادي، حيث تشهد خدمات الرعاية الصحية (NHS) تدنيًا ملحوظًا في المستوى المهني والأدائي في حق المرضى بسبب انخفاض الميزانية التي تقدمها الحكومة لهذه الخدمات، وانتقد التقرير إجراء التجارب الطبية على الحيوانات، وأضرار ذلك على البيئة والإنسان نفسه، وانتشار ظاهرة المخدرات والكحول التي يساء استعمالها باسم الأدوية وحبوب التخدير إضافة إلى ظواهر صحية أخرى لها انعكاسات أخلاقية مثل الإيدز، والإجهاض، ومؤخرًا مرض «جنون البقر».

  أما فيما يتعلق بالأخلاق والأسرة طرح التقرير بتميز نظرة الإسلام إلى مفهوم العلاقة بين الجنسين وأنه قائم على الاحترام والمساواة والانضباط داخل إطار الزواج والأسرة منتقدًا ظواهر الإباحية الحاصلة في المجتمع البريطاني، ومن ذلك بيع بيض المرأة الأجنبية، أو الحيوانات المنوية لأحد الزوجين من أجل التغلب على العقم، والتمكن من الولادة، واعتبار ذلك نوعًا آخر من الزنى واختلاط الأنساب، إضافة إلى ظاهرة إزهاق روح المرضى بحجة إراحتهم من آلام السقم بعد اليأس من إمكانية شفائهم، واعتبار ذلك أيضًا جريمة بشعة تعادل القتل تماما، كما هو حاصل أيضًا في حالات الإجهاض المنتشرة في المستشفيات البريطانية.

متطلبات دولية وإنسانية

 كما انتقد التقرير بشدة سياسة بريطانيا الخارجية فيما يتعلق بقضايا المسلمين معتبرًا أن ذلك يضر بالمصالح البريطانية نفسها بدلاً من خدمتها. وحذر التقرير الحكومة البريطانية من خطر الاعتماد في رسم السياسة الخارجية تجاه المسلمين على النظرة المتحيزة ومدارس الاستشراق التقليدية القديمة؛ لأن الظروف والمعطيات قد تغيرت، ونفى التقرير أن يكون هدفه هو أن تكون بريطانيا مع المسلمين في الخطأ والصواب، ولكن على الأقل تلتزم بالمبادئ الدولية التي أرستها هيئة الأمم المتحدة من نصرة المظلوم وردّ المعتدي، وحق تقرير المصير، وهي قضايا لم تلتزم بها بريطانيا في حالات مثل: السودان والجزائر، وفلسطين، وكشمير، وقبرص.

متطلبات إعلامية

 اعتبر التقرير الأداء الإعلامي المناهض والمتحيز بالنسبة للإسلام والمسلمين من أهم المشاكل التي تؤرق الجالية الإسلامية في بريطانيا، وتوتر علاقتها مع المؤسسات الإعلامية، ودلل التقرير على هذا التحيز الممزوج بالإشارة إلى الدراسة التي يعدها البروفيسور جوردن كونواي من جامعة إيسكس البريطانية حــــــول ما أســماه بال«الإســـــلاموفوبيا» أو الفوبيا من الإسلام والمسلمين، ومن المقرر أن ينشر كونواي نتائج دراسته في مستهل الصيف القادم واستشهد التقرير بما جاء على لسان كونواي حول الأداء الإعلامي الذي وصفه بعدم الموضوعية حيث يقول: عندما ترصد ما يقوله الإعلام البريطاني خاصة الصحف اليومية، فإنك حتمًا ستلاحظ تيارًا عامًا من المشاعر الموجهة ضد المسلمين، ويتضح هذا التيار أكثر في صحف «التابلويد الشعبية». وهو موجود أيضًا ـ وإن كان بصورة أقل مباشرة ـ في الصحف الجادة.

 كما انتقد التقرير أيضاً تصريحات رئيس الوزراء غير العادلة حول بعض ما يجري في الجامعات البريطانية من المسلمين، مقارنة بما يتعرض له المسلمون أيضًا من تحرشات وإهانات من اليهود وغيرهم، واعتبر التقرير أن مثل هذه التصريحات من شأنها تعميق مشاعر الكراهية ضد المسلمين، وطالب التقرير الحكومة بحل المشاكل الناجمة عن التعرض للمسلمين بالإهانات والاعتداءات، سواء على مستوى الإعلام أو غيره من خلال تقديم مصطلح «ضد الإسلامية» يحفظ حقوق المسلمين وكرامتهم على غرار مصطلح «ضد السامية» الخاص باليهود.

 هذه هي أهم متطلبات لجنة العمل البريطانية للشؤون الإسلامية (UKACIA)، وهي متطلبات هامة ومشروعة، فهل تستجيب لها الحكومة الحالية؟ وهل تأخذها بعين الاعتبار الحكومة القادمة؟ من خلال مشاركة المسلمين في الانتخابات القادمة ومدى ثقلهم السياسي، يمكن تحديد الإجابة عن ذلك.

الرابط المختصر :