العنوان بين المشاركة والمقاطعة و«العصيان المدني» - تونس: صيف سياسي ساخن.. وانقسام في موقف المعارضة من الانتخابات
الكاتب نور الدين العويديدي
تاريخ النشر الجمعة 18-يونيو-2004
مشاهدات 93
نشر في العدد 1605
نشر في الصفحة 38
الجمعة 18-يونيو-2004
تقترن العطلة الصيفية في تونس، كما في دول أخرى بنوع من الفتور، يعتري الحياة السياسية، لا تستفيق منه إلا مع بداية شهر سبتمبر، حين تدب الحياة مجددًا مع هبوب نسمات الخريف، معلنة سنة سياسية جديدة، غير أن هذه العادة، التي استقرت على امتداد عقود، تعرف بعض الاهتزاز هذا العام، بالنظر للحيوية النسبية، التي أدخلتها على الحياة السياسية، الاستعدادات للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، المقرر تنظيمها في شهر أكتوبر القادم.
وقد بدأت التجاذبات الانتخابية مبكرًا، مع التوتر المتنامي بين الحكومة وبعض قوى المعارضة التي تحاول التمرد على الحدود المرسومة للعبة السياسية والانتخابية، وتتجه مواقف بعضها نحو الراديكالية السياسية من خلال الاعتراض على ترشح الرئيس الحالي زين العابدين بن على للانتخابات الرئاسية القادمة بالنظر لانتهاء دوراته الرئاسية، كما كان ينص عليها الدستور، الذي تم إقراره بإجماع واسع، مطلع حكمه عام ۱۹۸۸، ونص على منع الرئاسة مدى الحياة، فضلًا عن تزايد مطالبة المعارضين بحياد الإدارة، واستقلالية الإعلام، وفتح الفضاءات العمومية أمام الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني.
وجاء رد وزارة الداخلية على ذلك بتصعيد لهجتها مع صحيفة «الموقف» الناطقة بلسان الحزب الديمقراطي التقدمي، وهو أهم أحزاب المعارضة المعترف بها قانونيًا، متهمة إياها بأنها صارت منبرًا لقوى سياسية غير شرعية، وباتت تحض على التباغض، من خلال نقدها المتزايد لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم ومطالبتها الرئيس بعدم الترشح للانتخابات القادمة.
وردت المعارضة على التصعيد بعقد ندوة صحافية، يوم ٢ يونيو الجاري، شاركت فيها أحزاب معارضة هي الديمقراطي التقدمي، والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، والعمال الشيوعي، وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، جناح أحمد الخصوصي، واستنكرت الأحزاب التضييق على الحريات السياسية والإعلامية، وطالبت بانتخابات نزيهة وشفافة، وجددت معارضتها لترشيح بن علي، ولاحتكار الحزب الحاكم للفضاءات العمومية، وتوظيف جهاز الدولة لخدمة حملته الانتخابية، التي انطلقت قبل الأوان.
الخريطة السياسية وحظوظ الأحزاب:
من المقرر أن يتنافس في الانتخابات البرلمانية القادمة معظم الأحزاب القانونية، وهي التجمع الدستوري الحاكم، وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، والوحدة الشعبية، والاتحاد الديمقراطي الوحدوي، والاجتماعي التحرري، وحركة التجديد، والديمقراطي التقدمي في حين قرر حزب التكتل من أجل العمل والحريات، وهو آخر الأحزاب حيازة للاعتراف القانوني، مقاطعة الانتخابات، كونها تجري في ظروف لا تسمح بالتنافس السياسي النزيه.
أما الانتخابات الرئاسية فيمكن أن ينافس فيها رؤساء أو أعضاء في المكاتب السياسية للأحزاب المعترف بها، الذين قضوا في مناصبهم القيادية أكثر من خمسة أعوام، وتمثل أحزابهم في البرلمان الحالي، وتقصي هذه الشروط، فيمن تقصي المحامي أحمد نجيب الشابي، الأمين العام للحزب الديمقراطي التقدمي، وهو من قادة المعارضة، بالنظر لعدم وجود ممثلين لحزبه في البرلمان، لكن ذلك لم يمنعه من إعلان ترشحه للرئاسيات، وبدء حملة انتخابية مبكرة، وتنفيذ جولات في الأقاليم.
أما بالنسبة للأحزاب غير الحاصلة على الاعتراف القانوني فمعظمها سيقاطع الانتخابات، وبعضها بدأ حملة مبكرة للمقاطعة، في حين لا يزال بعضها الآخر يلازم الصمت، ولا يعرف هل سيدعو للمقاطعة، عند اقتراب موعد الانتخابات أم سيواصل الصمت كما هو حاصل الآن؟ وكانت الأيام الماضية قد شهدت ترويج عريضة، وقع عليها عدد من الناشطين والقادة الحزبيين، تدعو إلى «مقاطعة نشيطة للانتخابات» والمطالبة برحيل الرئيس بن على عن السلطة، وإقامة «قاعدة لتجمع سياسي واسع» يعمل على بلورة وتنفيذ خطة حشد الطاقات لمقاطعة انتخابات ٢٤ أكتوبر المقبل» بحسب ما جاء في العريضة.
وطالبت العريضة التونسيين بأن يلتحقوا بها «لتنظيم المقاومة الديمقراطية» للحكومة الحالية. وكان لافتًا للنظر توقيع الدكتور محمد بن سالم، عضو المكتب السياسي لحركة النهضة الإسلامية على العريضة، بالإضافة لعدد من السياسيين في الداخل والخارج، من أبرزهم منصف المرزوقي، رئيس حزب المؤتمر من أجل الجمهورية المقاطع للانتخابات، والذي يتبنى الدعوة لعصيان مدني، حتى رحيل النظام الحالي عن السلطة، وكان الدكتور المرزوقي قد أعلن أنه يعتزم العودة للداخل في الخريف القادم لتفعيل الدعوة للعصيان المدني.
وباستقراء تركيبة المشهد السياسي التونسي، واستحضار نتائج الأحزاب المختلفة في المناسبات الانتخابية السابقة تبدو حظوظ المعارضة ضعيفة في المنازلة القادمة:
فعلى الصعيد الرئاسي لا يبدو هناك منافس قوي، من بين قادة الأحزاب، الذين سیرشحون للانتخابات يمكن أن يمثل منافسًا حقيقيًا للرئيس بن علي، حتى في حال تحلي الانتخابات بالنزاهة. ففوز الرئيس الحالي يبدو مسلمًا به، وقد أثبتت التجربة الانتخابية الماضية أن الفارق بين الرئيس ومنافسيه كان كبيرًا جدًا، فقد كان فوز بن على في انتخابات عام ١٩٩٩ كاسحًا، إذ حصل على نسبة ٩٩.٤٤% من الأصوات المعبر عنها، في حين حصل منافساه أحمد بلحاج عمر عن حزب الوحدة الشعبية، وعبد الرحمن التليلي عن حزب الاتحاد الوحدوي الديمقراطي، على أقل من 1% لهما معًا.
وأما على الصعيد البرلماني فإن حزب التجمع الدستوري الحاكم سيفوز هو الآخر فوزًا مريحًا بأغلبية ساحقة في البرلمان القادم، لن تقل عن ٨٠% من مقاعد البرلمان بحصوله على عدد من المقاعد لن يقل عن ١٤٠ مقعدًا، وقد أوجدت الحكومة خلال الانتخابات السابقة نسبة ثابتة للمعارضة في حدود ۲۰%، أي ٣٤ مقعدًا، تتنافس عليها الأحزاب المختلفة، في حين يضمن الحزب الحاكم هيمنته المطلقة على باقي مقاعد المجلس، الذي تشارك فيه النساء أيضًا بنسبة ٢٠٪.
ويتوقع أن يحتدم التنافس بين أحزاب المعارضة على المقاعد الـ ٣٤ المخصصة لها، ويبدو الحزب الديمقراطي التقدمي أوفر الأحزاب حظًا بالنظر لحالة الانقسام والتشتت، التي تعاني منها حركة الديمقراطيين الاشتراكيين. لكن الحزب يتهم الحكومة بأنها حرمته في الدورة الماضية من أي مقعد برلماني بالنظر لمواقفه الجادة في معارضة برامج الحكومة ومشاريعها، بما في ذلك رفضه التجديد لابن على لدورة رابعة، ويخشى الحزب مع اتجاه مواقفه نحو الراديكالية السياسية، أن يتكرر في الانتخابات القادمة ما حصل معه في انتخابات عام ١٩٩٩م.
وباستثناء الديمقراطي التقدمي الذي عرف توسعًا في العامين الماضيين، بانضمام عدد من الكوادر البارزة إلى صفوفه، فإن سائر أحزاب المعارضة تعرف انشقاقات وصراعات داخلية مريرة، ويذهب بعض المراقبين والمعارضين السياسيين إلى اتهام السلطة بأنها ليست بعيدة عنها، وقد مزقت الصراعات أهم حزب معارض قانوني هو حركة الديمقراطيين الاشتراكيين إلى مجموعات متناحرة، وأما الاتحاد الديمقراطي الوحدوي فإن رئيسه عبد الرحمن التليلي، الذي ترشح في مواجهة بن على في انتخابات ۱۹۹۹ يرزح الآن في الاعتقال بتهم فساد وسوء تصرف في أموال الدولة، وهو ما غذى الصراعات داخل حزبه على منصب الرئاسة من بعده، وتعتبر حركة التجديد «الحزب الشيوعي سابقًا» محظوظة بعض الشيء بالنظر لسيطرتها على خلافاتها الداخلية، وتأييد بعض قوى اليسار لمرشحيها للانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة.
محاولة فاشلة للتحالف:
وبسبب ضعف تأثيرها على نتائج الانتخابات، سعت بعض الشخصيات العلمانية إلى توحيد المعارضة، بإقامة تحالف بينها في الانتخابات القادمة، على قاعدة تشكيل «قطب ديمقراطي» يملأ الفراغ الحاصل بين القطبين الناجزين الحكومة وحزبها من جهة، وحركة النهضة الإسلامية من جهة ثانية، وكان المقترح الذي ظهر، قبل أسابيع على شكل عريضة، وقعها العشرات من اليساريين السابقين، ينص على ترشيح ممثل حركة التجديد للانتخابات الرئاسية القادمة، وتشكيل قوائم موحدة من مختلف أحزاب المعارضة لمنافسة الحزب الحاكم في الانتخابات البرلمانية.
ونشرت بعد ذلك العديد من المقالات، المدافعة عن فكرة المشاركة الجماعية في الانتخابات وتكتيل المعارضة في قطب واحد، ورأى البعض أن الهدف الأبرز من الانتخابات القادمة، ليس تحقيق نتائج برلمانية ورئاسية مهمة بقدر ما هو إبراز «القطب الديمقراطي» أو «القطب الثالث» من خلال الانتخابات والاستفادة من الحملة الانتخابية لمخاطبة الجمهور، واعتبار المشاركة في الانتخابات فرصة تمكن «المعارضة الوطنية من البروز» و«سبك قطب سياسي جديد على نار الالتحام الانتخابي» كما يقول عمر صحابو، أحد المدافعين البارزين على فكرة تشكيل «القطب الثالث».
لكن هذه المحاولة منيت بفشل ذريع لأسباب أهمها:
التنافس على الزعامة بين قادة الأحزاب العلمانية، وهي ظاهرة قديمة ومتأصلة في الساحة السياسية في تونس، منذ نهاية السبعينيات وفترة الثمانينيات، أفشلت محاولات كثيرة سابقة للتحالف والتنسيق الانتخابي بين الأحزاب.
اختلاف مواقف الأحزاب العلمانية بين داع إلى المشاركة، ولو كانت النتائج ضئيلة، وداع إلى المقاطعة بالنظر لغياب شروط انتخابات نزيهة، وثالث من أنصار التحريض على العصيان المدني حتى رحيل النظام الحالي عن السلطة.
الاعتراض على اعتبار حركة التجديد الحزب الأجدر باختيار أحد قادتها لتصطف المعارضة من خلفه، لأن هذه الحركة كانت إلى سنوات قريبة من بين المؤيدين الخلص للسلطة الحالية، وأن رئيسها محمد حرمل كان صاحب فكرة «المعارضة المساندة» التي أضعفت المعارضة طيلة عقد التسعينيات، وجعلتها أشبه ما يكون بالطابور الملحق بدواوين السلطة، وهو ما رأى فيه معارضون جائزة لهذه الحركة لا تستحقها.
اعتراضات على «القطب الثالث»:
في المقابل نشأت في بعض الأوساط العلمانية الراديكالية، وعلى أطراف الساحة الإسلامية المقصاة من المشاركة الانتخابية، مواقف رافضة لتشكيل التحالف العلماني، أو «القطب الثالث» لا لأنه موجه ضد التيار الإسلامي، في المقام الأول فحسب، بل أيضًا وقبل ذلك لتعذر تحقيقه واقعيًا، بالنظر للتجارب السابقة الفاشلة في توحيد المعارضة العلمانية.
وثالثًا: لكون الانقسام في المعارضة بين علماني وإسلامي من شأنه أن يديم هيمنة الحكومة وحزبها لأن المعارضة العلمانية حتى لو توحدت، ليس بوسعها تحقيق نتائج جدية في أي مواجهة انتخابية نزيهة وشفافة بالنظر لنخبوية القوى العلمانية، وغربة الكثير منها عن الشارع، كما يرى العديد من المراقبين المحايدين، ومنهم ناشطون في الأحزاب العلمانية.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن تشكيل قطب موحد من المعارضة على اختلاف توجهاتها الفكرية والسياسية إسلامية كانت أم علمانية، هو الحل الوحيد لتقوية المجتمع في وجه السلطة، والمعارضة في وجه الحزب الحاكم، ومن ثم إعادة الحياة للمشهد السياسي، والمعنى المفقود للانتخابات، التي يعرف التونسيون نتائجها مسبقًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل