العنوان عودة الجدل حول لغة التدريس وتدريس اللغات في المغرب
الكاتب عبدالغني بلوط
تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-2015
مشاهدات 63
نشر في العدد 2090
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 01-ديسمبر-2015
- يرى البعض أن النقاش حول القرار مفتعل لأن التلميذ ملزم بتعلم اللغة الفرنسية إلى جانب العربية وفي بعض الأحيان الأمازيغية منذ فترة مبكرة
- يهدف بلمختار حسب خطته إلى تحسين ظروف استقبال التلاميذ ومحاربة الهدر المدرسي وإصلاح الاختلالات في تكوين وتقييم المدرسين
- المشكل الذي يريد الكثيرون الإيحاء به هو فشل اللغة العربية في أن تكون لغة لتدريس العلوم
- يرى عالم لسانيات أن القرار اتُّخذ من قبل من لا يحق له اتخاذه لأنه ليس وزيراً منتخباً أو من حزب منتخب وهو مناقض للدستور
- لا يعقل أن يدرس الطفل اللغة الفرنسية منذ الصف الأول الابتدائي إلى البكالوريا ثم يكتشف أنه لم يتمكن من قواعدها الأساسية!
- المشكلة لا تكمن في العربية والدليل نسب تفوق التلاميذ المغاربة في أولمبياد الرياضيات على المستوى العالمي
- هذا النقاش المتلاطم يدور بالجزائر وتونس وموريتانيا بين معارض يخشى على هويته من الانسلاخ ومنافح عن الفرنسية يسعى إلى الإصلاح
- ليس هناك مشكلة في تعريب العلوم.. المشكلة في غياب الإرادة في إنجاح التعريب
- القرار خالف توصيات الرؤية الاستراتيجية التي أصدرها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي
عاد الجدل في المملكة المغربية حول لغة التدريس وتدريس اللغات، بعدما أصدر رشيد بلمختار، وزير التربية الوطنية، أخيراً مذكرة وزارية تلزم تدريس المواد العلمية بسنة أولى ثانوي علمي وتقني بالمغرب باللغة الفرنسية بشكل تدريجي ابتداء من السنة الدراسية 2015/2016م.
ويعتقد عدد من المدافعين عن هذا القرار أن النقاش حوله مفتعل كون التلميذ المغربي ومنذ السنوات الأولى من المدرسة ملزماً بتعلم اللغة الفرنسية إلى جانب اللغة العربية، وفي بعض الأحيان اللغة الأمازيغية، وأن تدريس العلوم باللغة الفرنسية كان سائداً في المغرب طيلة ثلاثين سنة ما بعد الاستقلال، وبه تكونت الأطر المغربية التي تعمل الآن في الإدارات العمومية وفي المرافق الحيوية، وبه استطاع المغرب أن يواكب التطورات التكنولوجية الحديثة، ويبني علاقات متقدمة مع فرنسا وعبرها مع الاتحاد الأوروبي.
خطة إنقاذية
يرى بلمختار نفسه الوزير التكنوقراطي في حكومة عبدالإله بن كيران أن التعليم في المغرب - الذي اتخذت فيه العربية لغة لتدريس التاريخ والجغرافيا والعلوم في جميع المراحل منذ السبعينيات من القرن الماضي - يعرف الآن أزمة حادة يتفق الجميع على وجودها، ويسعى الوزير إلى تطبيق خطة "إنقاذية" ذات بُعد إستراتيجي طيلة الـ15 سنة المقبلة (2016 – 2030م)، من بين مقترحاتها: إضافة إلى تدريس العلوم باللغة الفرنسية ابتداء من أولى ثانوي، بداية تدريس اللغة الفرنسية منذ السنة الأولى ابتدائي (لتلاميذ عمرهم 6 سنوات) بدل السنة الثالثة ابتدائي مع التركيز على ثلاثة محاور أساسية هي القراءة والكتابة والتفتح.
ويعتبر بلمختار باتخاذه هذا القرار أن اللغة الفرنسية لم ولن تكون السبب في تدهور التعليم، وإنما أشياء أخرى - كما صرح هو نفسه - مرتبطة أساساً بتكوين المدرسين؛ حيث إن الآلاف منهم ولجوا التدريس دون تكوين، ومنهم من يستمر في التدريس دون النجاح في امتحان الكفاءة المهنية، ومنهم من لم يتلق أي تكوين مستمر منذ ولوجه المهنة قبل 20 أو 30 سنة، ويهدف بلمختار حسب خطته إلى تحسين ظروف استقبال التلاميذ، ومحاربة الهدر المدرسي الذي يعتبر معضلة في المغرب، مع إصلاح الاختلالات في التكوين لمهن التربية وفي جهاز تأطير وتقييم المدرسين، بالإضافة إلى إشكالية الحكامة، حيث هناك ملاحظات على الجهاز التنظيمي وفي نظام التدبير واللامركزية وكذا في سلسلة التدبير وتعبئة الفاعلين المحليين.
مناقض للدستور
لكن أمينة ماء العينين، الناشطة النقابية عضوة المجلس الأعلى للتربية والتعليم، أبرزت في تصريح لمجلة "المجتمع" أن هذه المذكرة الوزارية أثارت فعلاً نقاشاً حقيقياً وغير مفتعل، بالنظر إلى كونها تلامس إحدى أعقد الإشكاليات في المنظومة التعليمية المغربية وأكثرها حساسية؛ وهي لغة التدريس، وتشير ماء العينين إلى أن المشكل الذي يريد الكثيرون الإيحاء به هو فشل اللغة العربية في أن تكون لغة لتدريس العلوم، لكن واقع الدراسات يثبت أنه ليس هناك لغة ناجحة أو فاشلة في حد ذاتها، والدول العشرون المصنفة في المراتب الأولى من حيث جودة تدريس العلوم كلها تدرسها بلغاتها الوطنية بما فيها تلك التي لا يتجاوز الناطقون بها 300 ألف نسمة.
أما د. فؤاد بوعلي، وهو عالم لسانيات مغربي، نائب رئيس الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين العرب، والرئيس الأسبق للجمعية المغربية لحماية اللغة العربية، فيذهب أبعد من ذلك بالقول: إن هذا القرار الانفرادي المزاجي الذي اتخذه وزير التربية الوطنية يعد انتكاسة في مسار التعليم المغربي؛ بل يمكن اعتباره أخطر قرار اتُّخذ منذ عقود، والذي لم يجرؤ عليه أي من الوزراء السابقين.
وخطورته – حسب بوعلي - لا تكمن فقط قي استعمال لغة بدل أخرى في تدريس العلوم؛ بل هو قرار اتُّخذ من قبل من لا يحق له اتخاذ القرار لأنه ليس وزيراً منتخباً أو من حزب منتخب، وهو قرار مناقض للنص الدستوري ولتقرير المجلس الأعلى للتكوين والتربية والبحث العلمي؛ ولذلك رفضته لجنة من لجانه، وهو قرار يراد منه القضاء على العربية وفرنسة التعليم خدمة للسيد الفرنسي، وإعادة إحياء التبعية الذي ناضل من أجله المغاربة، وبكل بساطة المذكرة خطر على المغرب ومستقبل أجياله، ومقاومتها واجب الوقت على كل الغيورين على هوية الوطن ووجوده.
فشل تدريس "ديداكتيكيا"
تعتبر ماء العينين أن المشكلة تكمن في الإرادة والحسم في توجه الدولة؛ لأن الذين يقولون بضرورة هجر اللغة العربية التي يتجاوز ناطقوها المليار بدعوى تخلفها عن تدريس العلوم؛ فماذا سيقولون عن الأمازيغية التي ما زالت عملية معيرتها جارية لتصلح أن تكون لغة مدرسة فأحرى أن تكون لغة للتدريس؟!
وتعتقد ماء العينين أن المشكلة في المغرب تكمن في فشل منهجيات واختيارات تدريس اللغات الأجنبية ديداكتيكياً؛ حيث لا يعقل أن يدرس الطفل اللغة الفرنسية منذ الأول ابتدائي إلى البكالوريا، ثم يكتشف أنه لم يتمكن من قواعدها الأساسية، في حين يتوجه الطلبة المغاربة حاملو البكالوريا إلى دول أخرى لمتابعة التعليم العالي، فيتلقون لغات تلك البلدان (ألمانية، إسبانية، تركية..) لمدة ستة أشهر فيتقنونها ثم يدرسون بها العلوم.
الإنجليزية وليس الفرنسية
وتعود ماء العينيين لتؤكد أن المشكلة لا تكمن في العربية التي يتلقى بها الطلبة المغاربة العلوم فيتقنونها، والدليل هو نسب تفوق التلاميذ المغاربة في أولمبياد الرياضيات على المستوى العالمي، وحتى لو فكرنا في مزيد من الانفتاح على الإنتاج العلمي؛ فيجب أن نتجه إلى الإنجليزية وليس إلى الفرنسية التي صارت متجاوزة علمياً، ولسنا معنيين بمركبات النقص التي يحملها البعض، فسواء أكانت العربية أو الأمازيغية فنحن نفتخر بهما ونعتبرهما لغتي علم وتنمية، وليستا فقط لغتي ثقافة وحضارة ودين، كما يحاول البعض إيهامنا.
وقد كشف المجلس الأعلى للفرانكفونية أن عدد المغاربة الذي يتحدثون اللغة الفرنسية يصل إلى 10 ملايين مغربي، وهو ما يجعل المغرب خامس دولة فرانكفونية في العالم، لكن عدد المغاربة المتحدثين بها في تراجع بالرغم من الجهود التي تبذلها فرنسا للحفاظ على انتشارها في المغرب.
أبعاد دولية
وفي هذا السياق، يرى النائب البرلماني عن حزب العدالة والتنمية بجهة الصحراء محمد سالم البيهي أن القرار له أبعاد دولية وإقليمية، مشدداً على أن النماذج العربية هي البديل التعليمي الناجح، ويرى البيهي أن العديد من "الخائضين" في هذا الجدل لا يستحضرون أن هذا القرار ستطبقه الحكومات الفرانكفونية المغاربية في نفس السنة، ونفس النقاش المتلاطم يدور بالجزائر وتونس وموريتانيا بين معارض يخشى على هويته من الانسلاخ، ومنافح عن الفرنسية يسعى إلى الإصلاح، كما يأتي قرار تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية ثمرة عمل دؤوب للمنظمة الدولية للفرانكوفونية ومؤسساتها الموازية للتصدي للخطر الأنجلوساكسوني الداهم، فمنذ تأسيسه سنة 2012م والمكتب الجهوي المغاربي - التابع للوكالة الجامعية للفرانكفونية - الذي ترأسه "كريستينا جوبالو كورديرو" وهو يقوم بالتنسيق، وإنشاء خلايا الخبراء للتقييم والتكوين لإنجاح خياره الإستراتيجي لإعطاء الصدارة لتعليم لغة موليير في دول المغرب العربي.
هذا من الأسباب القوية التي جعلت وزارة بلمختار في حكومة بن كيران تصر على إخراج هذه المذكرة المثيرة للجدل.
النموذج الأردني والمصري
وفي خضم هذا النقاش، فقد بعث النائب البيهي سؤالاً كتابياً لوزير التربية يحثه فيه على اعتماد النموذج الأردني والعراقي والسوري والمصري للخروج من مأزق "فرنسة" بعض مواد التعليم العمومي المغربي، وأشار النائب البرلماني إلى أن النموذج الفلسطيني رغم الاحتلال ومضايقاته يتبوأ مواطنوه مراكز متقدمة في الدراسات والمسابقات العالمية.
ويخلص المناهضون لقرار بلمختار إلى أن مذكرة بلمختار تنم عن الارتباك والفشل في التخطيط، ليس هناك مشكلة في تعريب العلوم، بل في غياب الإرادة في إنجاح التعريب؛ حيث تم التغاضي عن توصية أساسية للميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي دعا إلى فتح مسالك العلوم في الجامعات باللغة العربية لوقف التشظي الذي يعاني منه الطلبة بين لغتين إحداهما وطنية في الأسلاك الإعدادية والثانوية، والأخرى أجنبية في الجامعة.
ويؤكدون أن مذكرة بلمختار خالفت توصيات الرؤية الإستراتيجية التي أصدرها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي التي أكدت أن العربية هي لغة التدريس الأساسية، مع إمكانية الانفتاح على الفرنسية والإنجليزية لتدريس بعض المجزوءات والمضامين، وهي توصيات تمخضت عن نقاشات كبيرة وعميقة بمشاركة الخبراء وممثلي الفئات التعليمية والمؤسسات الوطنية والنقابات والمنتخبين، في حين حسمت المذكرة - محل النقاش - بشكل أحادي لا تشاركي يرغب في وضع الجميع أمام الأمر الواقع، وهو أمر مرفوض؛ حيث أقر الوزير نفسه باعتماد الرؤية كمرجعية للإجراءات والتدابير التي يتخذها، فيما أكد أنه لن يمس عمقها الإستراتيجي بالنظر إلى الطابع التشاركي والتشاوري الذي أنتجها.