العنوان بين البداية والنهاية
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 19-يوليو-2003
مشاهدات 64
نشر في العدد 1560
نشر في الصفحة 47
السبت 19-يوليو-2003
بداية الأمم وبعث الشعوب يكون بآمال ،عراض، وإيمان عميق، وروح معنوية عالية، وصحوة قوية وتضحية عالية وعزمة فتية، وجهاد شديد وإصرار عنيد، وحق عتيد، ينتج رجولة فذة، وبطولة عظيمة، وقيادة واعية حكيمة، تقهر الأزمات وتخوض لجج المكاره وبحار الأهوال.
أما نهاية الأمم وموتها، وتردي الدول وانحدارها فإنه يكون باتباع الباطل وخفته عليهم واقتراف المظالم وترديهم في حماتها، وإما تتهم لسنن العدل واتباعهم لسبل العسف والجور وإخفاقهم في نيل الأماني وتعثرهم وخيبتهم في تحقيق النجاح والفلاح، وإصابتهم بالعجز النفسي والروحي والوهن القلبي والعزمي والخلقي، فهم يبتغون الغفلة ليختلسوها وينتظرون العورة ليخترموها، ويرون الذلة، ليختطفوها، ذوو انفس خبيثة، يحبون الغرة، ويهتبلونها، ويبحثون عن العثرة ويلجونها، شجاعتهم غدر، وانتصارهم غرور وإهلاك وسحق لا رحمة ولا رجولة، ولا إنسانية فيستحيل أن تقوم أمة على هذا الغرار يضرب ولا أن تستمر شعوب على هذا السبيل المهلك.
ونحن نقول لإمتنا اليوم - التي تمتلك مفاتيح الفوز والنهوض وتعرف البداية وتعلم طرقها وسبلها وتدري أنها طرق الفوز والفلاح : لا يأس ولا قنوط، وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين والآن المثل الحي للأمة شباب الجهاد في فلسطين في صراعهم مع الأمة الملعونة بأسلحتها وتحالفاتها مع أعتى الدول وأكثرها عتاداً وعلماء فما وهن هؤلاء الشباب الذين قابلوهم أول ما قابلوهم بالحجارة وصدورهم العارية، ثم لم يلبثوا أن رموهم بالبندقية، ثم بالهاون ثم بالصاروخ والاستشهاديين حتى تضعضع الصهاينة، وإلى زوال إن شاء الله ﴿كَمَثَلِ غَيثٍ أَعجَبَ ٱلكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصفَرّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰما﴾(الحديد: ٢٠).
ولقد تواردت الأخبار بعد صمود المجاهدين في فلسطين بما يفيد أن دولة العدوان في ورطة ستودي إن شاء الله إلى تضعضع ثم نهاية، وقد ظهرت لذلك بوادر ثم أفعال من ذلك ما يلي:
1- الفرار من الخدمة العسكرية في الوقت الذي تعاظمت فيه المقاومة الفلسطينية، وقد شكل ذلك خطراً حقيقياً على القدرة العسكرية الإسرائيلية وسمم الجيش الصهيوني من الداخل وقد زاد من تلك الخطورة أنها - مسألة الفرار من الخدمة تميزت بكونها ليست مجرد فعل فردي وإنما برز ذلك بشكل ثورة متنامية كما أكدت صحيفة الإندبندنت البريطانية 1/2/2002،حيث قالت: إن التمرد قد يكون بسيطاً في بدايته ولكنه يمكن أن يصبح عصياناً مدنياً، وبداية للفوضى كما صاحب ذلك ما يسمى بالرفض الرمادي، وهو محاولة الجنود التمارض وتأجيل الخدمة العسكرية.
هذا ولا تزال تجربة جنوب لبنان عام ٢٠٠٠ عالقة في الأذهان، فبينما تزايد عدد الرافضين للاشتراك في العمليات العسكرية، وعدد الرافضين لاحتلال الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان، اضطرت المؤسسة العسكرية والسياسية الحاكمة إلى الرضوخ في النهاية وقررت الانسحاب من طرف واحد، ولا يوجد ما يمنع ذلك في فلسطين، خاصة أن الراصدين للانتفاضة الفلسطينية يقررون رغم التفوق الساحق لحكومة شارون العسكرية - أن إرادة الشعب الفلسطيني لم تنكسر، وأنه لا يزال يتمتع بروح معنوية عالية تزداد كل يوم، وأن «إسرائيل» تدفع ثمناً باهظاً لذلك من قواها الاقتصادية والبشرية.
- توجه الجندي «الإسرائيلي نحو اللذة، هذا، وقد طرح الباحثون السؤال التالي:
ما الأسباب التي أدت إلى رفض الجندي الإسرائيلي للخدمة العسكرية، هل هو استيقاظ ضمير المجندين أم خوفهم من الهلاك، أم أن السبب هو أزمة بنيوية؟! ،وخلصوا إلى أن ذلك مركب من عدة عوامل من أبرزها توجه الجندي نحو اللذة، وهي اتجاهات تنامت بعد عام ١٩٦٧ وأدت إلى تحول المجتمع الصهيوني إلى مجتمع الثلاثة الفيديو والفولفو والفيلا إلى الرأس الصغيرة والمعدة الكبير، وطرح المثاليات والأيدولوجيات، بينما تحول المجتمع الفلسطيني إلى الجهاد بالكفاف، ووسط الركام والأنقاض.
3- الرعب الشعبي والمدني: في مقال لكاتب إسرائيلي في جريدة يديعوت أحرنوت 11/3/2003 تحدث عن الرعب الذي يلف مدينته حيث لا توجد سيارات تسير في الطرقات وحتى المشاة القلائل يخفضون أصواتهم كل المدينة كوادي أشباح، ثم يقول عن نفسه باستثناء العمل الذي اذهب إليه وأنا مرتعد ،لا أخرج من البيت منذ أربعة أشهر، لا إلى المجمع التجاري ولا إلى المقهى، لأنهم أطلقوا النار مرات عدة على الشارع لا أسمح لابني أبداً أن يخرج إلى الحي، قولوا لي أي حياة أعيشها ؟ ليس هناك ملاذ في هذه البلاد والأعصاب متوترة، الأيام مجنونة، وسادتي كيس من الرمل اختبئ خلفه، وغطائي سور من الإسمنت يحجز بيني وبين الحياة والطبيعة... الخ .
وفي المقابل تجد الشعب الفلسطيني يعيش وسط قصف الطائرات والدبابات ويصارع الهدم والتدمير ويخرج ليسير في أعراس الشهداء ويقهر الخوف ويتمنى الموت في سبيل الله.
4- الهجرة المضادة حيث زاد عدد النازحين عن إسرائيل على ۷۰۰ ألف وقد يصل إلى المليون وفقد كثير من الصهاينة فكرة الارتباط بأرض الميعاد، وقد حددت نسبة لأعمار المهاجرين من «إسرائيل» ١٨ - ٣٥،وهم أهم القطاعات في المجتمع إنتاجاً ونشاطاً ولاتزال نسبة الراغبين في النزوح في ازدياد مضطرد في حين أن الشعب الفلسطيني يحاول العودة ويستمسك بأرضه ويوصي بأن يدفن تحت أنقاضها.
- صحوة ضمير أحرار العالم أخيراً على الفظائع الإسرائيلية حتى ضج الكتاب فقالوا: لا أحد في الحقيقة عاني ما عاناه الشعب الفلسطيني من النازيين الصهاينة، متى سنظل بلا السنة، ونحن نعلن عن إعـجابنا اللامحدود بالشعب الفلسطيني، وعن بغضنا الكبير للقتلة المحترفين من الصهاينة لم أكن أعرف أنه من الطبيعي أن يبحث طفل دمروا بيته؛ عن كتبه ولعبه وسط الأنقاض، لم أكن أعرف أن الجدران قد شوهها اليهود بالرصاص ودانات المدافع وأهلها يعيشون فوق الركام وتحته إنها مأساة لابد من إزالتها ولابد أن يستيقظ الجبناء ليدافعوا عن هذا الشعب البطل.