; قراءة التطورات الراهنة من منظور إسلامي- السنوات القادمة.. تحمل تغيرات وتقلبات خطيرة | مجلة المجتمع

العنوان قراءة التطورات الراهنة من منظور إسلامي- السنوات القادمة.. تحمل تغيرات وتقلبات خطيرة

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر السبت 11-فبراير-2006

مشاهدات 64

نشر في العدد 1688

نشر في الصفحة 28

السبت 11-فبراير-2006

في مطلع القرن الماضي تم إلغاء الخلافة وتبع ذلك اقتسام دول التحالف الغربي للعالم الإسلامي عبر اتفاقية سايكس- بيكو

وفي مطلع هذا القرن بدأت المؤامرة الثانية التي تستهدف شخصية الأمة وهويتها العربية والإسلامية بذريعة أحداث الحادي عشر من سبتمبر

لبنان بعد تنفيذ القرار ١٥٥٩ بدأ يسير تدريجياً نحو التغريب والتدويل

ما يجري في لبنان اليوم أعاد إلى الأذهان مسلسل المحاولات الهادفة إلى فك ارتباط لبنان بالواقع العربي

لنتذكر مقولة بيار إده أن «العـرب استعمروا لبنان» ومحاولات كميل شمعون ربط لبنان بالأحلاف الأجنبية.. ودعوات البعض اليوم إلى التدويل متوازية مع التحقيق في جريمة اغتيال الحريري

في زحمة القراءات الشخصية والرسمية والحزبية المحلية والإقليمية والعالمية للتطورات الراهنة، نحن- مدعوون إلى قراءة ما يجري قراءة جيدة مدعوون إلى أن نقرأ بأنفسنا لا أن يقرأ علينا.

والقراءة الصحيحة لا يمكن أن تكون من خلال مناظير الآخرين أمريكياً صهيونياً أوروبياً روسيا صينياً، ولا عبر الأبواق والمنابر الإعلامية التي تملكها وتتحكم فيها الأنظمة والحكام والحكومات والأحزاب والفئات والتيارات المختلفة. إن كل هؤلاء يؤخذ منهم ويرد عليهم، كما أن لهؤلاء حساباتهم ومصالحهم الخاصة.

(1)

ولكي تكون القراءة صحيحة يجب أن تكون بمنظور إسلامي، قبله هذا الفريق أو رفضه، لأن الخيال هنا خيار رباني دليله قول الله تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (النساء: 65) وحجته قوله تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (النساء: 59) القراءة من منظور إسلامي تقتضي إنزال المقروء على السنن الالهية: «سنة التدافع».

  • وأن تكون موضوعية لا سطحية أو مزاجية.

  •  شاملة كلية بعينين اثنين لا بواحدة

  • أن تحقق المصلحة العليا لا المصالح الشخصية والفئوية.

(۲)

يجب أن نفرق في قراءتنا بين ما هو وسيلة وما هو غاية بين ما هو ظاهر وما هو خفي. مثال: «لماذا الحرب على أفغانستان»؟ «لماذا الحرب على العراق»؟ «لماذا اغتيال الرئيس الحريري»؟

إن معرفة الأداة لا تغني عن معرفة الهدف والغرض.

قد تكون الأداة مستأجرة من جهة لديها مشروعها وقضيتها وكشفها هو الأهم.

 في عهد النبوة قام رجل اسمه «وحشي» بقتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، استأجرته هند بنت عتبة لتنتقم لزعامة قريش وآلهتها وتكسر شوكة الإسلام.

وفي خلافة عمر رضي الله عنه قام رجل اسمه أبو لؤلؤة المجوسي بطعن الفاروق عمر بن الخطاب حتى الموت وهو يصلي انتقاماً من الإسلام وانتصاراً للمجوسية.

وفي عصرنا هذا، العديد من المافيات المعدة لتنفيذ الانقلابات وعمليات الاغتيال «مثل كارلوس» لقاء مبالغ يتفق عليها. إن معرفة «لماذا»؟ أهم بكثير من معرفة «من»؟.

 قد يكون جميل السيد وريمون عازار ورستم غزالة وغيرهم قام بتنفيذ جريمة اغتيال السيد رفيق الحريري إضافة الى الجرائم الأخرى. ويبقى كل هؤلاء منفذين إن ثبتت التهمة عليهم لقاء ثروات ضخمة طمعوا بها.. من المهم أن نعرف من نقذ، ولكن الأهم من كل ذلك إن نعرف لماذا تمت العملية ونظمت الصفقة.. من دفع المال؟ ولماذا دفعت المليارات من الدولارات؟ الخلاص من شخص على قدره وقيمته أم للإجهاز على بلد برمته؟؟

بعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر وتفجير مركز التجارة العالمي، شنت الولايات المتحدة الأمريكية حرباً مدمرة على أفغانستان. فهل كانت الحرب من أجل التخلص من بن لادن أم أن لها أغراضاً أكبر وأهم؟

بعد ذلك كانت الحرب الأمريكية على العراق، فهل رأس صدام حسن كان هو الهدف من هذه الحرب؟

إن علينا أن نقرأ وأن نقرأ ...

(۳)

ولقراءة صحيحة للمرحلة الحاضرة

يتحتم قراءة ما سبقها:

  • في مطلع القرن الماضي وقعت مؤامرة إلغاء الخلافة الإسلامية.

  • تبع ذلك اقتسام العالم الاسلامي واحتلاله من قبل دول التحالف الغربي عبر مؤتمر سايكس- بيكو.

  • وفي مطلع هذا القرن بدأت المؤامرة الثانية التي تستهدف شخصية الأمة وهويتها العربية والإسلامية، في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول، وبذريعة منها.

(٤)

من ملامح هذه المرحلة

  • قول الأمين العام السابق لحلف شمال الأطلسي: «لم يبق لنا من عدو بعد سقوط الشيوعية الحمراء إلا الإسلام».

  • طرح بوش لمشروع «الإسلام المعدل».

  • العمل على تغيير مناهج التعليم والمقررات الدراسية في المعاهد والكليات الشرعية.

  • تنفيذ الشرق أوسطية بزعامة الكيان الصهيوني وتفوقه العسكري والنووي. بإنشاء «شرق أوسط» تنخرط فيه الدولة العبرية ويرجع أساسها إلى آباء الصهيونية الأوائل: هرتزل (الذي دعا لضرورة قيام كومنولث شرق أوسطي يكون لدولة اليهود فيه شأن فاعل، ودور اقتصادي قائد)، وبن جوريون الذي اقترح على الرئيس الأمريكي أيزنهاور إقامة سد منيع ضد التيار القومي العربي يضم إسرائيل وتركيا وإيران وإثيوبيا، وذلك في الرسالة التي وجهها إليه عام ١٩٥٨).

  • الحيلولة دون قيام جبهة عالمية معارضة أو موازية لأمريكا من الصين والهند وإيران وتركيا وسوريا وغيرها.

(5)

السيناريوهات المقترحة

وسط هذا العالم الهائج المتقلب، يمكننا تخيل أشكال عالمية عديدة- على امتداد الخمسة عشر عاماً القادمة- يتمحور معظمها حول تحدي نظام الدولة القومية من ناحية، وإرساء عولمة أكثر استفحالاً وتشعباً من ناحية ثانية.

وفي دراسة استراتيجية وثيقة الصلة بالقوى العالمية الفاعلة عنوانها، الخريطة المتوقعة للمستقبل Mapping the Global -Future تقدم أربعة سيناريوهات، من شأنها أن تعكس المستقبل المتوقع للعالم، الذي سنعيش فيه عبر العقدين القادمين.

وهي تتضمن الآتي:

عالم دافوس: Davos World يقدم تصوراً عن عالم تقوده الصين والهند، تحققان فيه نماء اقتصادياً لا مثيل له من الضخامة والقوة وهو ما يعيد تشكيل حركة العولمة، فيجعلها أكثر اتجاهاً لما هو غير غربي.

سلام أمريكا: Pax Americana يقدم تصوراً عن مدى قدرة الولايات المتحدة على إثبات هيمنتها بالرغم من كل التحديات العالمية وقدرتها على تشكيل نظام عالمي جديد.

خلافة جديدة: A New Caliphate يرشح ذلك العالم الذي سينقاد من قبل حركة إسلامية عالمية تغذيها الهوية الدينية «الراديكالية» التي ستشكل تحديا للمعايير والقيم الغربية التي يقوم عليها النظام العالمي. 

حلقة من الخوف: Cycle of Fear يتخيل ذلك العالم الذي ستسوده المخاوف من انتشار أسلحة الدمار الشامل؛ فتصير الاحتياطات الأمنية مكتسحة لجميع بقاع الأرض لمنع حدوث أي هجمات مدمرة.

 ومن الجدير بالذكر، أن العقدين القادمين سيحملان في طياتهما تغيرات وتقلبات مستمرة، على عكس الوضع المستقر نوعاً ما، الذي شهدته الساحة الدولية عبر عقود الحرب الباردة. وفي النهاية، فإن هذه السيناريوهات الأربعة تحمل البعض من التكهنات والتصورات لمستقبل العالم في ظل العقدين القادمين.

(1)

احتمالات عدة لمستقبل المنطقة:

 وتشير دراسة أمريكية موثقة مطلعة إلى الاحتمالات المستقبلية وهي:

الاحتمال الممتاز

في هذا السيناريو، تتحول المنطقة إلى الديموقراطية تنسحب أمريكا عسكريا من المنطقة. تُحل القضية الفلسطينية، وقضية اللاجئين. تتحول المنطقة إلى منطقة آمنة على غرار الاتحاد الأوروبي، تُحل قضايا الحدود بين دول المنطقة وهي كثيرة وتعتمد دول المنطقة شعار «الديموقراطيات لا تقاتل بعضها البعض»، ويصبح «الإرهاب» هو العدو المشترك لكل دول المنطقة. (بصرف النظر عن مفهوم الارهاب ومعناه لدى الادارة الأمريكيين والأوروبيين).

الاحتمال الوسطي

يقوم على أساس استمرار الوضع على ما هو عليه لا حل للمشكلة الفلسطينية. هو لا حل لمشكلة الإرهاب. استمرار صراع الدول الكبرى على المنطقة وثرواتها مع تقدم نوعي للولايات المتحدة على غيرها من الدول. تستمر إسرائيل كعدو لبعض الدول، وصديق للبعض الآخر. تتحول أمريكا لدعم الأنظمة الدكتاتورية فقط لأن هذه الأنظمة تعتبر قادرة على التعاطي مع الإرهاب والتراجع فيما يتعلق بحقوق الإنسان والحريات تواصل إيران سعيها للحصول على السلاح النووي. كما تستمر مشكلتها مع أمريكا وأوروبا، تحاول الدول الكبرى- خاصة الصين وروسيا- إزعاج أمريكا في المنطقة عبر دعم ومحاولة تبني بعض الدول العربية الممانعة للمشروع الأمريكي.

الاحتمال السيئ

حيث تصبح كلفة البقاء الأمريكي في المنطقة كبيرة جداً، يتحول العراق إلى ساحة صراع في كل الأبعاد: الدينية، المذهبية، ومن ثم الإثنية. تحاول الدول المحيطة بالعراق التدخل فيه لحماية أمنها ووحدتها الجغرافية. تتحول إسرائيل إلى تنفيذ عملية الترانسفير الأكبر عبر طرد الفلسطينيين إلى الدول المجاورة وخاصة العراق.

إن هذه الاحتمالات وإن بدت بعيدة الحصول في المدى القصير إلا أنها تستدعي التفكير والتأمل الجاد بغية التماس معالم الطريق للمرحلة القادمة.

(7)

وبالعودة الى لبنان

يتضح أن لبنان بعد تنفيذ القرار ١٥٥٩ بدأ يسير تدريجياً نحو التغريب والتدويل..

 أعاد إلى الأذهان مسلسل المحاولات الهادفة إلى فك ارتباط لبنان بالواقع العربي- بيار إده وقولته إن العرب استعمروا لبنان- ريمون إده ودعوته الدائمة إلى تدويل لبنان- كميل شمعون ومحاولاته ربط لبنان بالأحلاف الأجنبية كالنقطة الرابعة وحلف بغداد- أمين الجميل واتفاق السابع عشر من أيار الخياني- دعوات البعض اليوم إلى التدويل من زاوية التحقيق في جريمة اغتيال الحريري.

(8)

إن إصرارنا وحرصنا على دعم انتماء لبنان إلى محيطه العربي، وعلى رفض أي خيار آخر، لا يعني بالضرورة تقديم براءة ذمة إلى النظام الأمني اللبناني أو السوري قبل الانتهاء من التحقيقات الجارية أو التي ستجري.. إنه قد يخطئ النظام، وقد تتورط الأجهزة إنما لا يجوز أن يدفع هذا إلى تبديل الانتماء الوطني والقومي، والارتماء في أحضان العدو الأمريكي والإسرائيلي.

 ليس هنالك ما يشدنا ويربطنا بالمشروع الأمريكي الصهيوني، ولكن هنالك الكثير الذي يربطنا بالمشروع العربي والإسلامي إذ هو مشروعنا، وفيه تتشكل شخصيتنا وتتضح معالم هويتنا، إنه قد يخطئ أخي معي ويسيء إساءات بالغة، ولكن لا يصح أن يكون ذلك ذريعة لأن لا تعاون مع الشيطان أو العدو على أخي لأقتله.

(4)

ما المطلوب منا كلبنانيين أولاً، ثم كعرب ومسلمين، وما مشروعنا؟

 أن نكون على وعي كامل ورؤية واضحة لما يجري.

ألا نبقى متفرجين، وأن يكون لنا دور في ساحة الصراع.

أن يكون دورنا كمسلمين أولاً، وكلبنانيين ثانياً موحداً مميزاً غير متفكك أو منقسم حيال فهمنا لمشاريع الآخرين وخططهم وحيال معالجتنا للقضايا اللبنانية الداخلية وبخاصة الاقتصادية والسياسية والأمنية. أن يتحرر مبدأ السيادة من أطروحات التدويل والتغريب والصهينة والأمركة.

 أن تكون المقاومة بكل أشكالها، وعلى امتداد التركيبة اللبنانية وتعدداتها الطائفية والمذهبية، كما على المستويين الرسمي والأهلي، الخيار المعتمد ما بقي لبنان وبقيت المنطقة في دائرة التجاذبات والصراعات الإقليمية والدولية.

مطلوب لبننة المقاومة وشرعنتها وتفعيلها وليس تفكيكها وإلغاءها، والذي أعتبره مشروعاً تفوح منه الرائحة الأمريكية والصهيونية.

(*) كاتب ومفكر إسلامي لبناني

الرابط المختصر :