; «المجتمع» تفتح ملف الجنوب السوداني مع الوزير الجنوبي... أنطوني آشور مايكل: | مجلة المجتمع

العنوان «المجتمع» تفتح ملف الجنوب السوداني مع الوزير الجنوبي... أنطوني آشور مايكل:

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1984

مشاهدات 78

نشر في العدد 667

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 17-أبريل-1984

  • القوانين الإسلامية جاءت لتصلح المجتمع بمختلف دياناته.
  • مجموعة جون قرنق ماركسية تستهدف السلطة المركزية ولا تخدم قضية الجنوب.
  • خطط الاستعمار لفصل الجنوب ليتمكن من حكمه بعد استقلال الشمال.
  • لا يوجد تعصب ديني في الجنوب.
  • التعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين موجود.

تفتح المجتمع ملف الجنوب السوداني بلقاء مع وزير سوداني جنوبي مسيحي هو وزير الزراعة والإنتاج الحيواني بإقليم بحر الغزال في السودان.. ولأن المجتمع تعتقد أن هناك مخططًا استعماريًا يريد فصل الجنوب السوداني في دولة نصرانية مستقلة. فقد طرحت المجتمع أسئلتها على الوزير السوداني كمسؤول مسيحي تستطلع وجهة نظره الخاصة بشأن أحداث جنوب السودان والمخطط الاستعماري والنزعة الانفصالية عند المسيحيين. وحال الجنوب بالنسبة لتطبيق الشريعة الإسلامية. وهذا نص الحوار:

  • المجتمع: من وجهة نظرك ما جوهر قضية جنوب السودان؟ وكيف كانت البداية؟

الوزير: في البداية أود أن أشكر أسرة مجلة المجتمع على إتاحتها لنا هذه الفرصة للتحدث حول قضية جنوب السودان، والقضية بدأت منذ أغسطس ١٩٥٥م بمنطقة مركز «توريت» بالمديرية الاستوائية آنذاك... وذلك قبل استقلال السودان بخمسة أشهر وكانت المشكلة بين أبناء الجنوب والشمال في حامية توريت تسبب فيها الاستعمار الإنجليزي، وعندما أيقن الاستعمار بخروجه من البلاد فكر في فصل الجنوب عن الشمال حتى يستطيع السيطرة على الجنوب إذا تماستقلال الشمال...

وفي المؤتمر الذي عقد بجوبا عام (١٩٤٧) لأبناء الجنوب كان المستعمر يدفع الجنوبيين للمطالبة بالانفصال عن الشمال ولكن الجنوبيين رفضوا ذلك... وكان يمثل الجنوبيين في هذا المؤتمر السلاطين وبعض مثقفي الجنوب.

  • سودنة الوظائف بالجنوب:

الوزير: بعد الاستقلال مباشرة جاء الشماليون ليحلو محل الإنجليز في الإشراف الإداري والأمني... وقد جاءوا كسودانيين ولكن كانت أفكارهم شبيهة بأفكار الاستعمار وكانوا يقولون بأننا إخوان، ولكن تصرفاتهم كان فيها الكثير من التمييز في فرص العمالة والخدمات الاجتماعية... وما إليه، ولعل هذا كان نتيجة تربية الاستعمار وتعليمه للشماليين... وقد ساعدت سياسة التمييز هذه في غضب الجنوبيين مما حدا بالكثيرين منهم بالذهاب إلى الغابات والانضمامإلى الأنيانيا (1).

ازداد الحال سوءًا في فترة الحكم العسكري بقيادة الفريق إبراهيم عبود عندما أدخل بعض التعديلات لصالح المسلمين دون مراعاة شعور المسيحيين، من ذلك تبديل العطلة الأسبوعية من الأحد إلى الجمعة وطرد القساوسة الأجانب وسودنة الوظائف الدينية للمسيحيين، مما أثار الجنوبيين فخرجوا في مظاهرات بالجنوب وذلك عام (١٩٦٠) بعد أن شاع بينهم أن الشماليين يريدون أن يفرضوا الدين الإسلامي على أبناء الجنوب... فانضم إثر ذلك عدد من الطلبة بالمدارس إلى الأنيانيا (1)... وتوتر الوضع في الجنوب وقفلت المدارس بكل الإقليم.

  • اتفاقية أديس أبابا:

الوزير: منذ أن تسلم الرئيس جعفر نميري الحكم في ٢٥ مايو ١٩٦٩م اعترف بوجود مشكلة حقيقية في الجنوب.. وبعد أسبوعين من قيام الثورة أذاع بيان ٩ يونيو بمنح جنوب السودان الحكم الذاتي، ولم تكن الحكومات السابقة تعترف بوجود مشكلة في الجنوب، وإنما كانت تكتب في الصحف عن حوادث تمرد يرتكبها الجنوبيون... وما إلى ذلك... ولم تلجأ تلك الحكومات إلى وسيلة للحوار والتفاهم، كما فعلت ثورة مايو... ما عدا مؤتمر المائدة المستديرة عام ١٩٦٥ الذي استصدر قرارات لم تحظَ بخطوات عملية لتنفيذها.. وكان أهم ما طرح في هذا المؤتمر مطالبة الجنوبيين بالحكم الذاتي....

بعد اعتراف الأخ الرئيس نميري بالمشكلة طرح الحكم الذاتي كحل أولي لها... فتأسست وزارة مركزية سميت بوزارة شؤون الجنوب شغلها السيد جوزيف قرنق.. ثم حاولت الحكومة السودانية الاتصال بالجنوبيين الموجودين بالخارج في الدول المجاورة وفي بريطانيا. انتهت هذه المحاولة بعقد اتفاقية أديس أبابا في فبراير ۱۹۷۲م... وفي ٣ مارس ۱۹۷۲ تم إعلان منح الحكم الذاتي للإقليم الجنوبي وعاصمته جوبا ويضم مديريات أعالي النيل وبحر الغزال والاستوائية، وبذلك عاد معظم أبناء الجنوب لوطنهم وتم استيعاب بعضهم بالقوات النظامية والمصالح الحكومية الأخرى... واستقر بذلك الوضع في الجنوب ولفترة عشر سنوات.

الاستقرار:

  • المجتمع: لقد تعرضت في حديثك إلى أن الاستقرار استمر لفترة عشر سنوات... ولكن تعتقد أن هناك حركات تمرد تمت في هذه الفترة مثل محاولة الانقلاب العسكري في أول عام ١٩٧٤... ثم المظاهرة الدامية بجوبا بسبب حفر قناة جنقلي مثلًا... فما هو تقييمك لذلك؟

الوزير: لا أعتبر مثل هذه الاضطرابات مشكلة، لأن أي تجمع موجود قد تظهر فيه مشكلة، وخاصة الجيش، وعندما نقول بأن السودان يشهد استقرارًا تامًا فإن هذا لا ينفي وقوع بعض الأحداث أو محاولات الانقلاب... فكذلك كانت المشاكل التي وقعت في الجنوب والتي لمتصل لدرجة أن نسميها مشكلة أو تمردًا.

  • تقسيم الجنوب:

الوزير: وفي مارس ۱۹۸۱ بدأ صراع داخلي بين أبناء الجنوب وسببه مناداة بعض الجنوبيين لمبدأ تقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاثة أقاليم، وتجاوبًا مع ما حدث في الشمال من تنفيذ سياسة الحكم الإقليمي في ۱۹۸۰م. وكان يقود هذا الرأي السيد جوزيف لاقو نائب رئيس الجمهورية الحالي وذلك لتسهيل الحكم وتسليم السلطة إلى مواطني الأقاليم حسب نص الدستور بأن يحكم السودان لا مركزيًا..

رفض البعض هذا الرأي خوفًا من أن التقسيم قد يتعارض مع اتفاقية أديس أبابا ومادتها الدستورية حول الحكم الذاتي للجنوب، مما يحدث فراغًا قانونيًا... استغل أعداء السودان هذا الخلاف وحاولوا إشاعة أن هذا الخلاف ضد السلطة المركزي... ولذلك ساء فهم البعض لهذه القضية فحدث تمرد في منطقة «بور» عاصمة مديرية جنقلي... وتفاقم الوضع وهرب بعض الجنود من الخدمة العسكرية في منتصف ۱۹۸۳م.

وفي ١٩٨٤ قام بعض الجنوبيين بمنطقة «أويل» بالهجوم على شماليين أبرياء بعد أن ذبحوا منهم (۱۲) شخصًا في محطة السكة حديد... وكانت هذه الحادثة قد زادت في تفاقم المشكلة... وهكذا حدثت مشاكل في مناطق أخرى بالجنوب.

وصل الخلاف بين الجنوبيين حول مسألة التقسيم إلى درجة انقطاع السلام والتحية بين بعضهم بعضًا... وتوقف العمل تقريبًا بالجنوب...

وفي يونيو (۱۹۸۳) صدر توجيه من السيد رئيس الجمهورية بتقسيم الجنوب إلى ثلاث أقاليم، ثم تعيين حكام هذه الأقاليم في يونيو (۱۹۸۳) تلتها تعيینات نواب الحكام والوزراء وكبار المسؤولين.

  • المجتمع: هل كانت التغييرات جذرية وكبيرة؟

الوزير: بدأت التغييرات منذ أكتوبر ۱۹۸۱ وسط الوزراء وذلك بقرارات جمهورية نتيجة سوء الفهم بين الجنوبيين أنفسهم والمشاكل التي وقعت بين المسؤولين الجنوبيين.

حاكم مسلم على الجنوب:

  • المجتمع: هل كانت هذه الخلافات سببًا في تعيين الرئيس نميري لحاكم مسلم على الجنوبوهو اللواء قسم الله عبد الله رصاص؟

الوزير: لم يتم تعيين اللواء قسم الله رصاص لأنه مسلم، وإنما لأنه جنوبي، وفي قانون الحكم الذاتي للإقليم الجنوبي أن أي جنوبي له الحق في تقلد أي منصب سياسي أو إداري دون اعتبار لمعتقده الديني... وإنما تم تعيينه لثقة الرئيس في أنه ربما يهدئ الأمور لتهيئة الجو لإجراء الاستفتاء لقيام انتخابات... وحكم الإقليم حكمًا انتقاليًا... فأشرفت هذه الحكومة على انتخابات مجلس الشعب الإقليمي.

ولكن وصل إلى علم رئيس الجمهورية بواسطة أشخاص أو بواسطة الإعلام ورجال الأمن أن الكثيرين من أبناء الجنوب لا يرغبون في التقسيم... وبذلك تم توقف الاستفتاء وعمل انتخابات مباشرة لاختيار مجلس الشعب الإقليمي في ١٩٨٢...

شكل مجلس الشعب حكومة إقليمية منتخبة برئاسة السيد جوزيف طمبرة الذي نال ٦٣ صوتًا مقابل ٤٩صوتًا نالها كلمنت أمبورو.

تسلم السيد طمبرة السلطة ومشكلة التقسيم لا تزال في قمتها. وبحكم منصبه قدم توصية لرئيس الجمهورية بطلب تقسيم الجنوب إلى أقاليم ثلاثة.

تمت مناقشة أمر التقسيم في المؤسسات الدستورية الإقليمية والمركزية «في المؤتمر القومي للاتحاد الاشتراكي»، وبعد ذلك أصدر رئيس الجمهورية قرارًا جمهوريًا بتقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم يتبع كل إقليم الحكومة المركزية مباشرة.

  • أنيانيا (۲):

الوزير: من المعروف أن الأنيانيا (۲) خرجوا على السلطة قبل تقسيم الجنوب. وقد ساعدت الإجراءات الأمنية التي اتخذت بعد خروج المتمردين من أن يغررببعض أبناء الجنوب ليلتحقوا بالمتمردين.

لذلك وضعنا في بحر الغزال خطة لإعادة الخارجين وإفهامهم بالحقائق وبث الاطمئنان بينهم، لهذا قام حاكم الإقليم مع بعض المسؤولين بالإقليم بجولة على القرى والمدن مطمئنًا المواطنين وتوعيتهم والرد على الشبهات التي تدور في أذهانهم مثل إرجاع الشماليين إلى الحكم والقيادة بالجنوب..

وبعد حملة التوعية أبدى كثير من الهاربين رغبتهم في الاستقرار والرجوع إلى الإقليم... ولذلك طلبنا من السيد رئيس الجمهورية إصدار أمر بالعفو العام عنهم... فاستجاب مشكورًاإلى ذلك مما جعل مجموعات كبيرة ترجع للاستقرار والعودة إلى حياتها الطبيعية... وتم استيعابهم في أعمالهم السابقة ما عدا العسكريين الذين تم تعيينهم في وظائف مدنية مراعاة لقانون القوات النظامية.

وإن شاء الله سوف يستتب الأمن الكامل قريبًا ليسود كل السودان، لأن هذه المشكلة ليست إقليمية بقدر ما هي قومية.. والجدير بالذكر أن التمرد الحالي لا يشمل كل الأقاليم الجنوبية وإنما تتركز على الحدود المتاخمة لأثيوبيا.

الأنيانيا والدعم الخارجي:

  • المجتمع: هل كان للأنيانيا (١) عند بداية تكوينها في الخمسينيات أي دعم خارجي من دول أجنبية؟

الوزير: كان هناك دعم غير مباشر لأن الأنيانيا خرجوا للبحث عن دعم ولم تكن هناك دولة معينة تدعمهم بصورة معلنة، كما هو الحال الآن، حيث أعلنت ليبيا عن دعمها وتشجيعها للتمرد الحالي، هذا بالإضافة إلى أثيوبيا وكوبا والاتحاد السوفيتي.

  • المجتمع: ما رأيك فيما يقال عن أن مجلس الكنائس العالمي قام بدعم الأنيانيا -في بداية تكوينها- ليكون الجنوب دولة مسيحية مستقلة في المستقبل؟

الوزير: هذا الكلام ليس صحيحًا... وقد تسبب هذا الزعم في بعض المشاكل التي حدثت بالجنوب... ذلك أن بعض المسلمين قد روجوا لمثل هذه الأخبار مما جعل الحكومة المركزية تقوم بطرد القساوسة الأجانب... وترك الجنوب لفترة دون تربية مسيحية... وكان هذا في عهد الرئيس إبراهيم عبود.

الحل الجذري لقضية الجنوب:

  • المجتمع: ما وجهة نظرك الشخصية حول وسائل حل قضية الجنوب حلًا جذريًا؟

الوزير: نحن في الحكومات الإقليمية بالجنوب وفي الحكومة المركزية تباحثنا حول الأسباب التي أدت إلى ظهور الأنيانيا (۲) لنعمل على تبديد كل الأوهام التي يرتكز عليها المتمردون خاصة وأن قادة الأنيانيا (۲) قد صرحوا بهدفهم الأساسي وهو إقامة حكم ماركسي في كل السودان. ومنها:

1- سوء الفهم بالنسبة للحكم الإقليمي وسط الجنوبيين.

2- عدم إكمال أو تنفيذ كثير من المشاريع التنموية بسبب الأوضاع الاقتصادية.

2- قيام البعض ببيع الأسلحة التي يتحصلون عليها من ليبيا للأنيانيا (٢).

ومن أولى الخطوات التي سنقوم بها من أجل حلالقضية حلًّا جذريًّا:

١) الاتصال والحوار مع أبناء الجنوب المعارضين في داخل السودان وخارجه بعد إصدار العفو العام.. وقد بدأت هذه الخطوات فعليًا بعد أن قام وفد برئاسة السيد سر الختم الخليفة بزيارة بريطانيا للالتقاء ببعض أبناء الجنوب المعارضين هناك.

۲) دعم أجهزة الأمن داخل أقاليم الجنوب ليمكنهم السيطرة على الأمن ولتحقيق الاستقرار.

۳) هناك خطوات تفصيلية كثيرة سنقوم بها ولكنها ستتبع الخطوات الرئيسة السابقة.

  • المجتمع: المعروف أن المعسكر الشرقي يسعى لتكوين حكومة معينة في السودان تتبع لمحوره فهل تعتقد أن مجرد الاتصالات سيجعلهم يوقفون العداء والخصام والكيد للسودان؟

الوزير: هذه مجرد محاولات دبلوماسية في طريق الحل فإن فشلت فسوف نبحث عن وسائل أخرى أكثر نجاحًا..

تسمية أنيانيا (۲) جاءت بالخطأ:

  • المجتمع: ذكر أحد القادة السياسيين من أبناء الجنوب أن بعض السودانيين الشماليين قاموا بتحريض أنيانيا (۲) وإغرائها بالتوسط لها لبعض الدول الشيوعية من أجل السلاح... وذكر أن هذه المجموعة من الشماليين لها اختلاف مع السلطة المركزية، وتريد أن تتخذ من الجنوب واجهة لها لإحداث بلبلة داخل السودان وأن هذه المجموعة لا تمت لقضية الجنوب بأي صلة، ولها أهدافها وأفكارها الخاصة والمعروفة، نرجو التكرم بإلقاء الضوء على هذا الأمر.

الوزير: المعروف أن الأنيانيا (۲) منقسمون فيما بينهم فمنهم من ينادي بالانفصال حسب الرأي القديم وهم أقلية وليس لهم أثر يذكر... ومنهم مجموعة العقيد جون فرنق والتي لا يعرف حجمها بالضبط وتنادي بتحرير السودان كله، ويقال: إن كلا من الاتحاد السوفيتي والدول التابعة له يساندونهم، وهذا طبعًا يكشف هوية هذه المجموعة، وقد حكمت هذه المجموعة على قادة مايو وجميع الوزراء المركزيين والإقليميين بالإعدام... وأنا الآن عندهم محكوم علي بالإعدام... وطبعًا هذا يؤكد أن مجموعة جون فرنق هذه لا تعمل للجنوب ولقضيته، وإنما هو يعمل لنفسه ولكن بالخطأ أطلق عليه أنيانيا (۲) رغم أن أهدافها تختلف عن أهداف أنيانيا (۱) التي كانت تطالب بالحكم الذاتي. ومجموعة كبيرة كما ذكرت هربت وتمردت نتيجةسوء فهم، وأيضًا نتيجة التحريض كذبًا من قبل المجموعتين الأخريين.

  • المجتمع: من ضمن مطالب أنيانيا (۲) الرئيسة... وقف العمل بقناة جنقلي والتنقيب عن البترول وإلغاء الشريعة الإسلامية، هل يمكن أن تقدم لنا تحليلاتك لهذه المطالب؟

الوزير: حسب ما أعرف عن هذه المطالب الثلاثة أن معارضة الجنوبيين لاستمرار العمل في قناة جنقلي نتج عن سوء فهم، لأن الأعداء كان يقولون أن قيام مشروع جنقلي سينقل كل مياه الجنوب ولن يكون هناك أسماك ولا مياه للمراعي، وسيجف الجنوب ولن ينزل به المطر، ولذلك تخوف الناس منه كثيرًا... ولكن الأخ أبيل ألير رئيس المجلس التنفيذي آنذاك وهو من منطقة جنقلي نفسها كان يعرف فوائد المشروع الكبيرة للجنوب، ولذلك أقنع مجلس الشعب الإقليمي بإجازة المشروع... وبدأ العمل بالمشروع بعد أن وجد فيه أبناء الجنوب فرصة للعمالة...

وكذلك بالنسبة للتنقيب عن البترول حدثت مشاكل شبيهة نتيجة سوء الفهم والدعاية المغرضة من قبل الأعداء... وقد استغل جون قرنق هذه الخلافات القديمة وأراد أن يبعثها من جديد بعد أن انتهت وحتى يكسب له شعبية ومؤيدين في الجنوب... هذا بالإضافة إلى أنه ما دام يدور في محور الاتحاد السوفيتي أن الشركات القائمة على هذه المشاريع شركات أمريكية وفرنسية، فطبيعي أن يكون له عداء لهذه المشاريع، وحتى يتم له حكم السودان واستبدالها بشركات سوفيتية.

  • الجنوبيون لا يعارضون الشريعة الإسلامية:

الوزير: بالنسبة للشريعة الإسلامية وعندما أعلنت في سبتمبر ۱۹۸۳م ،ونظرًا للقلق الذي كانت بقاياه لا تزال موجودة نتيجة الاختلاف حول قضية تقسيم الجنوب، واعتقاد الجنوبيين بأنها وسيلة لتحكيم أبناء الشمال عليهم وجعل الجنوب منطقة إسلامية... فقد استغل جون قرنق هذه الروح وطالب بإلغاء الشريعة الإسلامية في كل السودان لا في الجنوب وحده.. وطبعًا هذا ينسجم مع ماركسيته التي ترفض كل الأديان السماوية.

ولكن ما أعرفه أنه لا يوجد جنوبيون يعارضون الشريعة الإسلامية لأنه معظم المسيحيين في الجنوب من المتعلمين، وهم يعرفون أن السرقة في الديانة المسيحية هي أيضًا حرام... ونعتقد أنه جزاء وعقاب لمن خالف أمر الله، لأن في المسيحية نص في الكتاب المقدس معناه «لا تسرق» وهذا طبعًا أمر إصلاح، والحكومة تريد أن تصلح...

كذلك فإننا نعتقد أن المجتمع عندنا «سكران» لا ينتج، والسكر ممنوع أيضًا في الديانة المسيحية فلم يكن لنا خلاف كبير بالنسبة لقوانين الشريعة الإسلامية، بل نراه قانونًا مصلحًا.. ولكن تخوف الجنوبيين لم يكن من القانون الإسلامي ولكن من تطبيق القانون الإسلامي على المسيحي.. لأن المسيحي يجب أن يحاكم بقانون دينه.. والذي يرتكب مخالفة نجازيه بما هو منصوص عليه في الدين المسيحي..

وقد أزيل هذا التخوف عن طريق المحكمة العليا لمجلس تنفيذ الشريعة الإسلامية عندما كان أحد السارقين الثلاثة الأوائل بعد إصدار قانون الشريعة الإسلامية من المسيحيين، ولذلك تم نقله إلى محكمة خاصة تحكم بالطريقة التي يحكم بها المسيحيون...

ولذا نرى أنه لا توجد مشكلة ما دام الأمر بهذه الطريقة. خاصة وأن الدستور ينص على حرية الأديان السماويةمع اعتبار أن الإسلام هو دين الأغلبية.

  • المجتمع: هل نستفيد من هذا أن التمرد الأخير لم يكن بسبب الشريعة الإسلامية وإنما كان قبلها؟

الوزير: نعم ... لأن هذا التمرد حدث في أوائل الثمانينيات، بينما صدرت القرارات الإسلامية في سبتمبر ۱۹۸۳م. كما أن السيد رئيس الجمهورية قد صرح عدة مرات بأن الشريعة الإسلامية لا تطبق على غير المسلمين..

  • المجتمع: ألا تعتقد أن التمرد يعيق التنمية في الجنوب؟

الوزير: اعتقد أن التمرد يعيق التنمية لا في الجنوب فقط وإنما في السودان كله.

الجنوب: المساعدات العربية... التكامل... الشركات الأجنبية:

  • المجتمع: ما المساعدات التي قدمتها الدول العربية للتنمية في الجنوب بعد الحكم الذاتي؟ وما هي المساعدات التي تتوقعونها؟

الوزير: بالنسبة لدول البترول العربية أعتقد أن السعودية قد قدمت مساعدات ولكن لا أعرف بالضبط كم هي وما نوعيتها... ودولة الكويت مشكورة منذ اتفاقية أديس أبابا قدمت عن طريق الابن البار الأخ عبد الله السريع الذي عاش معنا في جوبا، وهو رجل خير ومؤمن بالإنسانية قضى بيننا عشر سنوات وفي مناخ صعب مقارنة بمناخ الكويت استطاع خلالها أن يقيم مشاريع كبرى شملت عددًا من المدارس والمستشفيات ومساكن المدرسين بالمراحل الابتدائية والمتوسطة، وتم تسليم المساكن الشعبية بمساعدته وكثير من المشاريع والأعمال الخيرية الأخرى، ويطلق على الأخ عبد الله السريع في السودان بـ «عبد الله جوبا».. وأنا أنتهز هذه الفرصة لأشكر دولة الكويت وخاصة الأخ عبد الله السريع على كل تضحية وعلى كل المجهودات التي قام بها... كما نحمد تعيينه سفيرًا للكويت بالسودان بعد أن أصبح يعتبر نفسه سودانيًّا أكثر منه كويتيًّا.. وهذا من أبرز الأمثلة حول المساعدات العربية.

  • المجتمع: هل للتكامل أثر سلبي على الجنوب؟ وهل يعتبر أحد أسباب التمرد؟

الوزير: من ضمن الدول التي ساعدت جنوب السودان مساعدات كبيرة ومهمة هي دولة مصر الشقيقة... فبعد اتفاقية أديس أبابا اقترحت بعض الدول العربية القيام بمساعدات مادية... ولكن مصر اختارت تقديم منح دراسية تقدر بحوالي ١٠٠ منحة دراسية سنويًا في الجامعات والمعاهد العليا بمصر، وتعتبر هذه المساعدة مهمة جدًا وأنا شخصيًا درست في مصر بجامعة الإسكندرية كلية الزراعة...

وفي بداية طرح التكامل بمجلس الشعب المشترك السوداني -المصري وكنت عضوًا في المجلس آنذاك فقد كنت من المؤيدين لهذا الاتجاه...

  • المجتمع: محاولات خطف الأجانب العاملين بالشركات التي تعمل بالجنوب سياسة لم تكن موجودة من قبل، ما تقييمك لها؟ وهل تعتقد أن هذه الشركات محقة في وقف أعمالها؟ ذلك أن اتهامات تثار حول مساعدة هذه الشركات للتمرد وعدم رغبتها في العمل الجاد؟

الوزير: الذي أعرفه أن كل شركة ترغب في الحماية والأمن لأفرادها العاملين... والشركات الأجنبية تعمل في مشاريع تنموية عديدة ومعظمها يقع في منطقة التمرد... والمعروف أن أي عدو أو متمرد سيعمل على عرقلة هذه المشاريع.. ولا أعتقد أن هذه الشركات قد توقفت إلا بسبب تخوفها وخاصة بعد حدوث بعض جرائم القتل والخطف التي تعرض لها بعض الأجانب..

الجنوب والتعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين:

  • المجتمع: أرجو أن تحدثنا عن تصوراتك لإمكانية حدوث التعايش السلمي بين الإسلام والمسيحية وحول إتاحة حرية التبشير لكليهما في الجنوب على قدم المساواة كما هو في الشمال خاصة بعد النظام الجديد للحكم الإقليمي؟

الوزير: يوجد في الجنوب مثال جيد للتعايش السلمي بين الإسلام والمسيحية... وهناك تجد أن الأسرة الواحدة مقسمة إلى جزء مسلم وجزء مسيحي ويعيشون مع بعض في منزل واحد ولا تجد خلافًا بينهم... على عكس ما هو موجود في الدول الأخرى...

وباختصار لا يوجد في الجنوب تعصب ديني. وأما بالنسبة للتبشير الإسلامي في الجنوب فهو مستمر الآن وهناك وحدات تبشير إسلامي موجودة وموزعة في أقاليم الجنوب، وتقدم هذه الوحدات مشاريع متنوعة يستفيد منها كل من في الجنوب مسلم أو مسيحي، وهذا -أعتقد- أمر مهم وسيعمل على تعميق التعايش السلمي.

  • المجتمع: وفي الختام نشكر وزير الزراعة السوداني بإقليم بحر الغزال أنطوني آشور مايكل على هذا الحوار... ونرجو أن يتكرر الحوار أكثر مع المسؤولين والمفكرين من أبناء الأقاليمالجنوبية.
الرابط المختصر :