; هل تتغير الخارطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل تتغير الخارطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1982

مشاهدات 62

نشر في العدد 567

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 20-أبريل-1982

• تطور الخلافات العربية بلغ حد المساس بأمن بعض الأنظمة.

• تبلور جديد في المحاور السياسية.

• هل هناك تبادل أدوار في اللعبة الجديدة؟

• انتفاضة الضفة الغربية تعزز دور الأردن.

منعطف الحلول المبهمة

ثمة تغيرات واضحة المعالم في تيارات السياسة في منطقة الشرق الأوسط، تغيرات تبدو في أشكال عدة: تبلور جديد في المحاور السياسية، وتبادل - أو انتزاع للتبادل- في أداء الأدوار على الساحة، وربما - وهذا أمر تمليه طبائع الأشياء الشرق الأوسطية- بحث عن حل جديد أو تكميلي لأزمة المنطقة.

الإرهاصات

لم تكن تلك التغيرات تثير الدهشة، لأنها لم تفاجئ الكثيرين، بل لقد كانت متوقعة مهدت لها مجموعة من الإرهاصات التي أفضت إليها ظروف الصراع بكل تعقيدها، ولعل أبرز تلك الإرهاصات:

1- إخفاق المساعي السياسية:

فعلى صعيد أزمة المنطقة لم تفلح كامب ديفيد في تقديم حل فعال للأزمة، بل على العكس أدت إلى بروز مشكلات جديدة للعلاقات العربية، ولا شك في أن هذه الاتفاقية لم تتجاوز في فعاليتها حدود العلاقات المصرية الإسرائيلية، ولم تستطع اجتياز البوابة الفلسطينية أو العربية، وليس من المتوقع أن يتوصل الطرفان الموقعات عليها إلى تقارب في فهم ما يسمى «الحكم الذاتي».

ويبدو -من جهة أخرى- أن المبادرة الأخيرة التي اعتبرت عملية إنقاذ لاستعصاء الخيارات السياسية، نامت كما نام مؤتمر القمة الأخير الذي أخفق حتى في الانعقاد.

وعلى صعيد الأزمة اللبنانية لم تتوصل الأطراف المتنازعة إلى صيغة سياسية لحل الأزمة بلبنان، لا سيما بعد أن غدا كثير من الأطراف هناك مرتهنين لسياسات دولية خارجية، وأصبح لبنان بؤرة لا يمكن ضبط التفجير فيها لكثرة الألغام المزروعة، ولم يكن مستغربًا أن تخفق لجنة المتابعة العربية في الوصول إلى نتائج ملموسة، وكذلك اللجنة المصغرة التي أعلن مؤخرًا أنها أرجأت اجتماعاتها بسبب خلافات في وجهات النظر.

2- استفحال الخلافات العربية:

ولعل إخفاق المساعي السياسية يرجع في معظمه إلى استفحال الخلافات العربية وربما كانت بادرة الإخفاق العلني لمؤتمر القمة العربي في فاس تعكس مقدار التطور الشديد لتلك الخلافات على نحو لم يكن معهودًا من قبل، ثم باتت -من بعد- أبعد غايات السعي محصورة في البحث عن «حد أدنى» من التفاهم العربي حول القضايا المصيرية، أو العمل على «تجميد الخلافات العربية».

والمشكلة الحقيقية أن تلك الخلافات لم تعد في حدود تباين وجهات النظر، ولا حتى في تباين التوجهات السياسية، لكنها استحالت تناقضات أساسية باتت تمس في بعض مناحيها أمن بعض البلدان العربية أو أمن بعض الأنظمة العربية. وقد اصطلحت على تأريث الخلافات ظروف بعض الأنظمة العربية الداخلية، وأوضاعها السياسية الخارجية أيضًا، فمثلًا لم يعد خافيًا أن إخفاق النظام السوري في معالجة مشكلاته الداخلية الخانقة كان له أثر بارز في اتهام بعض الأنظمة العربية بالإسهام في ذلك، ولعل من أهم أسباب الخلاف بين العراق وسورية موقف الأخيرة من الحرب العراقية الإيرانية.

3- شلل الخيار العسكري: 

لقد صار مألوفًا أن يقتصر الحديث في معظم وسائل الإعلام العربية على مبادرات السلام -إذا حذفنا طبعًا بعض المبالغات المستهلكة- في حين لا تكف إسرائيل عن التلويح بالحرب، وليس ذلك في الحقيقة إلا لأن القرار العربي مصاب بالشلل، ولعل من اللافت للنظر أن يجمع معظم المراقبين على صورة واحدة قد تلدها الأزمة المتفاقمة في المنطقة وهو اجتياح إسرائيل للجنوب اللبناني، أي أن المبادرة إلى الخيار العسكري باتت في نظر الكثيرين رهن الإرادة الإسرائيلية.

من جهة أخرى يتخذ الخيار العسكري على الساحة اللبنانية منحى آخر، فظاهر الأمر أنه قد استنفد غاية إمكانه، واستقر لدى الفرقاء المتنازعين أنه لم يعد مجديًا في إحراز نتائج سياسية حقيقية. ولا تعدو الاشتباكات التي تنشب بين حين وآخر أن تكون إما ردود فعل لمخاوف أمنية لدى بعض الفرقاء، وإما ارتهانًا لجهة خارجية بغية ممارسة ضغط سياسي، غالبًا ما يكون ضد جهة خارجية أخرى، وقد لا تكون له أية علاقة بالمسألة اللبنانية ذاتها.

4- الانحراف الكبير:

أتيح لسورية دور رئيسي في لعبة المنطقة، وذلك لعوامل جغرافية أولًا، ولموازنات سياسية تقتضيها لعبة الكبار ههنا ثانيًا، ولاضطرار كثير من الفرقاء إلى السكوت على ما يشبه الأمر الواقع انتظارًا لإخراج المشكلة الفلسطينية من الدوامة التي زاد في تعقيدها اندلاع الحرب اللبنانية... ثالثًا.

بيد أن السنوات الست التي أمضاها الجيش السوري في لبنان كانت كافية لنزع الثقة عن نظام دمشق، إذ إن قوات الردع السورية لم تتمكن من تحقيق أي من المهام التي أعلنت يومها أن دخولها لبنان كان لأجلها.

وربما كانت مشكلة الدور السوري أنه لم يبد اهتمامًا جديًا بمعالجة الأزمة على حين جعل من المسألة اللبنانية والقضية الفلسطينية ورقتين للعب على مائدة السياسة.

وانتهى الأمر إلى أن يعبر بعض الفرقاء اللبنانيون صراحة عن أن الوجود السوري في لبنان ليس إلا مجرد عبء، وانتهى كذلك إلى تفاقم الخلافات بين النظام المذكور وبين المقاومة الفلسطينية مما أصبح علنيًا، ونزعت الدول العربية الثقة عن النظام، حتى لقد اتخذ مجلس الأمة الكويتي قرارًا بقطع المعونات عنه.

إن سقوط الدور الرئيسي في اللعبة السياسية السابقة للأسباب المذكورة -إضافة إلى الأزمة الداخلية الخانقة التي تهدد النظام صاحب الدور الرئيسي باستمرار- كل ذلك يدفع المعنيين بأزمة المنطقة إلى السعي في التغيير، لانتشال القضايا المصيرية من الدوامة المغلقة.

«الملامح»

ثلاثة ملامح جديدة تبدو في الأوضاع السياسية للمنطقة، وهي تنبثق عن العوامل أو الإرهاصات التي مهدنا بالحديث عنها، وربما عن عوامل أخرى لا مجال لذكرها ههنا:

1- تبلور جديد في المحاور: كان من نتائج تطور الخلافات العربية ذلك التفاقم الخطير الذي بلغ حد المساس بأمن بعض الأنظمة، فصار من العسير المحافظة على شعرة معاوية. وتبرز ههنا خطورة الدور السوري: فقد أدت السياسة السورية في معالجة الأزمتين اللبنانية والفلسطينية إلى نزع الثقة عن النظام، مما دفع به بعيدًا إلى عزلة حادة، ولعل الخطأ الكبير الذي وقع فيه النظام السوري هو أنه ألقى بأوزاره الداخلية في ساحة العلاقات العربية، واتهم عددًا من الأطراف بالإسهام في تأزيمها، وكان كلما تردت أوضاعه الداخلية وتعاظمت متاعبه في مواجهة المعارضة الإسلامية ازدادت مطالبه من الدول العربية، وازداد في الوقت نفسه تصلبه في الحصول عليها، وليس من قبيل الكشف أن نشير إلى أن أهم تلك المطالب كان يتعلق بمواجهة النظام للمعارضة الإسلامية في الداخل.

ولقد كان من البعيد على أية جهة عربية أن تسعف النظام السوري في أزمته الداخلية، وتقوم بتلبية مطالب قد تسبب لها نفسها مضاعفات أمنية، وعلى الرغم من أن رئيس النظام المذكور كان يملك في جولته الخليجية الأخيرة منذ نحو أربعة أشهر أمرين هامين يمكن المساومة عليهما هما: الموافقة على المبادرة السعودية، والوساطة في الحرب العراقية الإيرانية، على الرغم من ذلك لم تكن مطالبه ممكنة تلبيتها. وهكذا اختارت دمشق صاحبة الدور الرئيسي أن تستبدل بالوشائج العربية علاقة من نوع خاص مع إيران، مستفيدة من ظروف الحرب الدائرة، وبهذا نشأ محور دمشق طهران؛ ورقة ضغط استخدمها النظام السوري ضد الدول العربية التي قد تشكل تطورات الحرب العراقية الإيرانية مخاطر تهددها، وكان هذا الموقف السوري ردًا على اضطرار تلك الدول إلى نزع الثقة عنه حول الاضطلاع بقضايا المنطقة الرئيسية، وإحجامها عن تلبية مطالبه التي لا يمكن تلبيتها.

2- تبادل في الأدوار:

في اتجاه أول كانت حصيلة السياسة السورية: شعور كثير من اللبنانيين أن الوجود السوري مجرد عبث ثقيل، ونشوء خلافات جديدة بينه وبين المقاومة الفلسطينية مما استعلنت أنباؤه منذ مدة، وعزز هذا الانحسار للدور السوري نزع الثقة عنه من قبل الدول العربية.

وفي اتجاه ثان كان التقارب يزداد بين الأردن والمقاومة الفلسطينية، ويظهر في التنسيق بينهما مما لفت انتباه المراقبين، لا سيما في أعقاب إبعاد رؤساء البلديات في الضفة الغربية، وبدء الانتفاضة الشعبية في الأرض المحتلة، وكان الأردن أول من سارع إلى إدانة روابط القرى، والمشروع الإسرائيلي حول الحكم الذاتي. ولما كان الأردن معنيًا مباشرة بالضفة الغربية لاعتبارات جغرافية وسياسية، فقد ازدادت أهمية الدور الذي يمكن أن يضطلع به في معالجة القضية الفلسطينية، فإذا أضفنا إلى ذلك أن الأردن اليوم يعتبر ضمن المحور الذي تمثله العراق ودول الخليج، والذي تجلى أكثر ما تجلى في تأييد الأردن ودعمه العلنيين للعراق في حربه مع إيران... وجدنا أن من المحتمل أن يكون التنسيق ضمن هذا المحور جاريًا في عدد من القضايا السياسية، لعل من أبرزها تطورات الحرب العراقية الإيرانية، والقضية الفلسطينية والمسألة اللبنانية.

وهكذا فإن هذه الملابسات مجتمعة تسمح لنا أن نتوقع أن يتقلد الأردن -بالتنسيق مع المقاومة الفلسطينية من جهة ومع الدول العربية من جهة أخرى- دورًا بارزًا رئيسيًا في حل المسألة الفلسطينية، ولا ريب في أن أزمة التصريحات بين الأردن وأمريكا في الآونة الأخيرة تلقي ضوءً وعلى التوقع الذي نرجح، فقد اتهم وزير الخارجية الأمريكي هيج الأردن بالإسهام في تفجير الأوضاع بالضفة، مما دعا السفير الأردني لدى الولايات المتحدة إلى الاحتجاج على ذلك أمام «هيج» نفسه.

3- البحث عن حل جديد:

إزاء الإرهاصات التي أسلفنا عرضها، والتي تتلخص في إخفاق الحلول السياسية للمرحلة السابقة، واستفحال الخلافات العربية، وتبلور محاور سياسية جدية في المنطقة، واستبعاد الخيار العسكري قريبًا، وتبادل الأدوار الضرورية في معالجة أزمة المنطقة.

إزاء ذلك كله لا بد أن نتوقع محاولات جديدة لإيجاد حل للأزمة، فهل تبعث المبادرة السعودية من مرقدها ثانية؟

أو تنشأ مبادرة جديدة؟ أو يعصف بالمبادرات جميعًا اجتياح إسرائيلي للجنوب، كي تضع إسرائيل مبادرتها الخاصة عنوة في الساحة؟ 

وسؤال آخر: هل تلد ليلة من ليالي الشرق الأوسط عجيبًا غير منتظر؟

أسئلة من أسئلة كثيرة تنتظر الإجابة عنها في مخبآت القدر القريب!

الرابط المختصر :