العنوان الإعلام العالمي.. محاولات دائبة لتشويه معنى الصحوة الإسلامية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1982
مشاهدات 73
نشر في العدد 562
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 23-فبراير-1982
لا شك أن هناك في عالمنا الإسلامي كله نهضة دينية مباركة، أطلق عليها اسم (الصحوة)، وقد أصبحت هذه القضية من المسلمات التي لا يختلف عليها اثنان، وقد أخذت لها مجالًا رحبًا في الصحافة العالمية والمحلية على حد سواء، من حيث الاهتمام بها، ودراستها، والتعرف إلى طبيعتها ومنبعها ومناحي اتجاهها في المستقبل القريب والبعيد، وليس هذا الاهتمام العالمي بجديد علينا، ولكن الجدة فيه اتخاذه شكلًا تخريبيًا خبيثًا، معتمدًا في ذلك على مخزون تاريخي هائل من العداوة والكيد المستمرين والمنصبين على العالم الإسلامي وعقيدته الخالدة.
وليس هذا المقال رصدًا لما ينشر في الصحافة الأجنبية من تحريض سافر على النهضة الدينية ومحاولة مكشوفة لعرقلة الانبعاث الحضاري للأمة الإسلامية في هذا العصر، ولكنه محاولة للتعرف على اتجاه الإعلام العالمي في الدس والكيد والتحريض من خلال نماذج من الكتابات، اتخذت طابع التحليل السياسي مرة، والعلمي والاجتماعي مرات أخرى، ويلحق بها نماذج أخرى مما تكتبه الصحافة العربية متأثرة بالتبعية، لما تنشره الوسائل العالمية.
أول ما سنجده مقابلًا لاصطلاح (الصحوة) اصطلاح (التطرف الديني) الذي ذاع وشاع إلى درجة صار بعض علماء المسلمين أنفسهم يستخدمونه فيها.
فالغرب الصليبي الذي ما يزال يذكر إلى الآن أيامه في بلاد الشام ومصر وفلسطين على الخصوص- لن يستطيع أن ينسى أبدًا أنه لم يخرج من هناك إلا بقيادة واعية، عبأت الأمة على أساس من هذه العقيدة الخالدة، واستطاعت بجيش متحد بالإيمان أن تهزم أشرس حملة عدوانية على العالم الإسلامي في العصر الوسيط، وبسبب من هذا الوعي التاريخي لقضية المسألة الشرقية المرتبطة أساسًا -ورغم كل تحليل علماني- بالدين، يقف الغرب الآن وقفته الحذرة، بل والمعارضة والمعادية من مسألة الانبعاث الديني الجديدة، وهو يسخر لذلك إمكانياته المادية، وأهمها على الإطلاق وسائل الإعلام التي أخذت إشارة البدء، وانطلقت في هذه السبيل الخطرة التي اتخذت شكلين للهجوم:
١- إثارة المخاوف لدى الحكومات من نتائج هذه الصحوة، مع التحريض السافر عليها لكبحها واجتياحها وسحقها، أو احتوائها واستيعابها وتبديدها على الأقل.
٢ - تشويه الصحوة نفسها بتصويرها بشكل قاتم جدًا، ونفتها بأبشع النعوت، وأقساها من إرهاب، وعنف، وتطرف، واغتيال و... و...؛ لتنفير الناس منها حتى يصار إلى عزلها وتطويقها، وبالتالي القضاء عليها.
ومثالًا على الشكل الأول، نقرأ في (الأوبزيرفر) البريطانية بتاريخ ١٥/ ١٠ وتحت عنوان: (جيل التطرف في الشرق الأوسط: استعداد للقتل والموت).
لو انعكست الأوضاع بشكل ما، ووضعت أقدار الشرق الأوسط في أيدي رجال كهؤلاء الذين قتلوا أنور السادات؛ لغاص المجتمع العربي في ماض مظلم، إن أكثر ما يخيف في هؤلاء الثوار هو انتشارهم الواسع، وتحديهم للسلطات في كل دولة من دول الشرق الأوسط، وصدقهم في التعبير عن شعور خاص لدى الجماهير.
وقالت في عددها الذي ترجمت بعضه (الوطن) في ٢٣/ ١٢/ ٨١ تحت عنوان (مؤتمر سري للدولية الإسلامية في لندن).
«طار إلى لندن في نهاية الأسبوع الماضي ممثلو حركات إسلامية معارضة في عدة بلدان؛ لعقد مؤتمر سري، مدته ثلاثة أيام، يعتقد بأنه أول مؤتمر من نوعه يعقد على هذا المستوى.
ويشير المؤتمر إلى تطور في الانبعاث الذي يجتاح العالم الإسلامي، وذهب الممثلون إلى لندن لإعطاء إطار عمل تنظيمي واستراتيجية مشتركة إلى الحركة الكبيرة الواسعة النطاق للنشاط الإسلامي.
وعلى مدى ثلاثة أيام في لندن قدمت تقارير من جماعات الثوار الأفغان، وجبهة تحرير مورو الفلبينية، والقيادة العليا للثورة الإسلامية في سوريا، وحركة النزوع الإسلامي في تونس، والمنظمات الإسلامية في مصر التي لها علاقات بمن اغتالوا السادات، إضافة إلى غيرها، لكن لم يكن هناك تمثيل لا لإيران، ولا لليبيا.
ومؤتمر لندن يوحي بظهور شيء أشبه بدولية إسلامية موجهة ضد الأنظمة الحاكمة في كثير من بلدان آسيا، وأفريقيا، والشرق الأوسط، وهذه الجماعات لديها الكثير من الأمور المشتركة وإن كانت همومها مختلفة.
وقد تناولت الإكسبريس الفرنسية في ١/ ٢/ ٨٢ الموضوع نفسه، ثم دست في حنايا مقالها المعنون (هل يمكن ظهور أممية إسلامية؟ -بعض الجماعات الإسلامية مثل جماعة بادر ماينهوف اليسارية الألمانية) دست تحريضًا سافرًا مكشوفًا من خلال مقابلة لها مع طالب تونسي يدرس في كلية الآداب حيث نقلت على لسانه قوله:
إن أصوات الآذان التي كان السياح يرون فيها مؤشرًا ممتازًا على اللون المحلي في الشرق- أصبحت الآن دعوات ثورية، وليس مجرد دعوات للصلاة، فباسم هذه الدعوات يهجم المقاومون الأفغان على المواقع العسكرية السوفياتية، وباسمها أطلق مصريون مسلمون النار على السادات وصرعوه، وباسمها يقوم الإخوان المسلمون في سوريا بتفجير القنابل الدامية، والواقع أن كل أنظمة الحكم باتت تخشى هذا الشرر الإسلامي المتشدد سواء كانت محافظة، أو تقدمية، أو ماركسية.
وفي كل مكان من الدول الإسلامية تقريبًا تظهر هذه الرغبة في العودة إلى الأصالة التي دمرها المستعمر، ولم تستطع حكومات ما بعد الاستقلال أن تستعيدها ثانية بعد أن اكتفت بتثبيت سلطة الحزب الواحد، وقمعت كل مظهر من مظاهر الاستياء مما جعل المسجد وحده المكان المتبقي للتعبير بقدر من الحرية عن الأفكار التي يصل بعضها إلى نقد هذا الرئيس الذي يشرب العصير علنًا في رمضان، أو ذلك الذي يترك زوجته تراقص رئيس الولايات المتحدة الأسبق «كارتر» لذلك ليس من الغريب أن يصرخ محامي الملازم الإسلامبولي الذي قتل السادات:«أنهم ليسوا بقتلة، بل هم ملائكة جاؤوا من السماء»، وخلف القضبان كان المتهمون يضحكون مطمئنين إلى أنهم ليسوا مذنبين طالما أن الله أمر بقتل الطغاة، ولم يفعلوا هم أكثر من تطبيق مشيئة الله فيمن تواطأ مع إسرائيل، وترك شعبه فريسة للبؤس، وسجن المسلمين الحقيقيين.
وامتد التحريض والتشويه إلى الساحة الفلسطينية المحتلة؛ فاستغل الإعلام الأمريكي مسألة الصراع بين فئات مختلفة من الطلبة في كل من جامعتي النجاح بنابلس وبيرزيت، فأوردت مجلة التايم الأمريكية فيما يشبه التحقيق مقالًا تحت عنوان: (الإخوان المسلمون في الضفة الغربية: القرآن تنبأ بخلق دولة يهودية)، ويمكن اعتبار هذا المقال مثالًا من نوع آخر يعكس رغبة في إثارة التخوف اليهودي من الانبعاث الإسلامي في فلسطين مع وصفه بالتطرف لتشويهه، وقد نقلته مترجمًا جريدة الوطن في ٣١/ ١/ ٨٢ بمناسبة الأحداث العنيفة التي وقعت في جامعة النجاح بنابلس، وأتى في المقال قول الكاتب علامات انبعاث التطرف الإسلامي واسعة الانتشار في الجامعات، ففي بير زيت حيث يزعم المسلمون أنهم يتمتعون بتأييد ما يزيد على ثلث الطلاب يميل المسلمون إلى تنظيم أنفسهم بتكاتف حول نشاطات اجتماعية، مثل: دراسة القرآن، والصلاة، والصيام، وفي جامعة النجاح يرتدي معظم الطالبات ثيابًا طويلة حتى الكاحل، ومناديل الرأس التي تفضلها المسلمات المتدينات).
ونلاحظ هنا أن مجرد التمسك بأوليات الإسلام المعروفة بالضرورة يعتبر عند الإعلام الغربي تطرفًا، وعلى هذا ينبغي علينا أن نفرق بين مفهوم التطرف عند الغرب وبين مفهومه في الإعلام العربي الذي يعني (التكفير والخروج على السلطة القائمة).
ونأتي الآن إلى أمثلة الشكل الثاني للهجوم على الصحوة الإسلامية، وهو تشويهها المتعمد، الذي يدفع إليه عقيدة ثابتة عند الغرب تجاه الإسلام نلمسها في كل كتابات المستشرقين والصحفيين الذين يندسون في ثيابهم العلمية، وتفضحهم الحقيقة حين لا يسترهم الادعاء.
ففي الأوبزيرفر نفسها ١٥/ ١٠ يقول (باتريك سل) كاتب المقال:
هناك صفتان يتميز بها المتعصبون الجدد في الشرق الأوسط، الصفة الأولى تتلخص في أن تصورهم للحياة الجيدة يتركز بشكل ضيق على العادات الاجتماعية، كملابس النساء، والطعام، والشراب، والذبح الحلال، وطقوس الطهارة، والوضوء، ولا يبدو عليهم أنهم مهتمون كثيرًا بما تدعوه العدالة الاجتماعية، أو بالفروق بين الغني والفقير، ناهيك عن مواضيع الصراع الطبقي الأخرى.
الصفة الأخرى هي العنف، والاستعداد للقتل والموت في آن واحد، ولو انعكس الوضع بشكل ما فإن البنات سيطردن من المدارس، والمكاتب، والمصانع، والخدمات المسلحة، ويوضعن في البيوت، أما النساء فلن يظهرن في الشوارع إلا على شكل كتل ملفحة بالسواد، أما في المطاعم وأمكنة اللهو الأخرى فلن يسمح باختلاط الجنسين، وسيتم في الواقع إغلاق كثير من هذه الأمكنة كالبارات ودور السينما. المشروبات الروحية ستختفي حتمًا، أما جهاز التلفزيون فإنه سيقتصر على تلاوة سور قرآنية، أما الزاني فسوف يرجم حتى الموت، كما ستقطع يد السارق.
كل هذا سيتحقق بواسطة العنف.
ونلاحظ في هذا المثال نفس ما لاحظناه في الأمثلة السابقة من مخالفة للحقائق وتشويه لها لغاية ذكرناها في مقدمة المقال.
وهذه الحملة الظالمة التي تتعرض لها الصحوة الإسلامية ستفتح الأعين الباحثة عن النور بشكل أوسع لتلمس الحقيقة الناصعة من وراء ركام هذه الأكاذيب التي لم تصنع من قبل شيئًا إلا أنها أخرت قليلًا حركة الوعي عند بعض الفئات من المسلمين، ولكن الأكثرية الآن باتت -والحمد لله- على إدراك تام بما يدسه الإعلام العالمي المنحرف والمزيف، ولكن الوجه الآخر للمأساة يتمثل في تبعية الإعلام العربي في أغلبه للإعلام الغربي، واتباعه له في اتجاهاته المنحرفة حتى انساق داخل التيار أقلام معروفة، ولم يسلم من السقوط في هذه الوهدة أقلام أخرى محسوبة على المسلمين وتلك مسألة أخرى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل