العنوان مأساة العمال السوريين في لبنان
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-ديسمبر-2000
مشاهدات 67
نشر في العدد 1431
نشر في الصفحة 41
الثلاثاء 19-ديسمبر-2000
نقلت وسائل الإعلام عن الشرطة اللبنانية أن اعتداءين استخدمت فيهما أصابع ديناميت استهدفا مساكن يقيم فيها عمال سوريون في جنوب لبنان.
وأن الاعتداءين جاءا إثر النداء الذي وجهه المطارنة الموارنة الذين طالبوا بانسحاب الجيش السوري لإنقاذ استقلال لبنان، والذي أثار جدلًا في البلاد.
إن ربط الواقعتين بصور نداء المطارنة ذو دلالة لا شك، لكن مشكلة العمال السوريين عامة، وفي لبنان خاصة ذات أبعاد أخرى من المفيد تناولها فقبل هذا التاريخ بخمسة أشهر، وجد السوري مالك محمد روماني مقتولاً في أحد أزقة مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان.
وهذه الوقائع ليست الأولى ولا الأخيرة من نوعها، لكنها عينة معبرة عن الحالة الخطيرة التي وصل إليها أمر العمال السوريين في لبنان، وهي لا تنطوي على معاناة في الجانب الاجتماعي منها وحسب، بل هي ذات أبعاد سياسية معقدة ومتشابكة.
إن احتجاج المطارنة ترجم إلى اعتداء على عمال سوريين، برغم أن الاحتجاج موجه إلى الجيش السوري الموجود في لبنان، بل للقيادة السورية التي تأمر بهذا الوجود، فهل يجوز إنسانيًا أو جيرة أو حقوقيًا معاقبة العمال السوريين نيابة عن حكومتهم؟ إذا فحصنا الأسباب التي حملت العمال السوريين على ترك مسقط رأسهم، والبعد عن أهلهم، والإقامة في مساكن الصفيح أو خرائب الأبنية، أو في العراء وشرب الماء العكر، والاقتصار على الزهيد من الطعام واللباس فسوف نتبين أن هؤلاء العمال المساكين ليسوا أعضاء في حزب الحكومة السورية ولا من الشرائح المستفيدة من الحكم، بل إن عمال سورية.. الأسباب كثيرة - ينقمون على حكومتهم أيضًا نقمة لا تقل ربما عن نقمة مطارنة لبنان، فهل تجوز معاقبتهم نيابة عن مضطهديهم؟ هذه مأساة مضاعفة.
في سورية اليوم بطالة ضاربة الأطناب، وهي سبب رئيس في هجرة اليد العاملة، والبحث عن فرص عمل خارج البلاد في لبنان أو الأردن أو دول الخليج أو حتى أستراليا، وجنوب إفريقيا وكازاخستان.
في التقارير الدولية التي تحلل حالة الاقتصاد السوري تقرأ العناوين التالية: «اقتصاد مترهل بنية تحتية متأكلة وفساد ضارب بجذوره ٤٨٪ من الشعب تحت خط الفقر ديون خارجية ٢٢ مليار دولار و ۱۸٪ من قوة العامل عاطلة – انظر المجتمع 20/9/2000 م ، تحت عنوان «جامعيون في سورية سائقون» تذكر أن حاجة سورية من فرص العمل سنويًا بنحو ۲۰۰ ألف فرصة، وكلفة الفرصة الواحدة تبلغ نحو ٢٠ ألف دولار أي أن سورية بحاجة إلى ۲۰۰ بليون ليرة سنويًا لاستيعاب خريجي الجامعات والمعاهد المتوسطة والثانويات الباحثين عن وظائف، ولا يستطيع الاقتصاد السوري تلبيتها»، وتضيف يعمل خريجو الجامعات بمهن متعددة أكثرها شيوعًا العمل كسائق تاكسي أو موظف في فندق أو عامل في إحدى ورش البناء، وأحيانًا يفترش الجامعيون أرصفة العاصمة والمدن الأخرى بالبسطات وعربات بيع العرانيس والفول، أما الجديد اليوم فهو العمل في الشركات التي تقدم خدمات تنظيف البيوت، إذ لم يعد مستغربًا أن تطلب عاملًا لتنظيف منزلك لتحصل على مهندس أو محام أو خريج أدب عربي، ليقوم بغسل النوافذ.
وجه آخر للمأساة
«فيصل محمد أ ۲۷ سنة» مهاجر من سورية قسريًا لأن أباه من رجال المعارضة، تخرج فيصل في جامعة بغداد من كلية الشريعة، وبعد تنقل اضطراري في عدد من المهن غير اللائقة وجد فرصة عمل في إحدى مدن كازاخستان تعليم اللغة العربية والدين الإسلامي بصفته محاسبًا للمدرسة تعرض لمداهمة اللصوص ليلًا والاصطدام بهم، والنجاة بأعجوبة، وأخيرًا اخرجته السلطات الرسمية مكبلًا بالقيود الحديدية إلى الطائرة بحجة عمله في مدرسة غير مرخص لها، وهذه حجة اختلقتها الاستخبارات والعادة أن يرسل الغريب المرحل إلى وطنه، لكن فيصلًا لا يحمل جوازًا حقيقيًا وإذا عاد إلى وطنه عاد إلى السجن وإلى المجهول الداخل مفقود والخارج منه مولود»، فماذا يصنع وأين يذهب؟ أليس الموت نتيجة أصابع الديناميت على مقربة من وكالة الأنباء في جنوب لبنان خير من الموت في سراديب سجن تدمر والحلبوني وكفر سوسة؟ وسؤال آخر مكمل: كم عدد السوريين المهجرين قسريًا بسبب سياسي حتى الآن إلى متى؟
إن وراء المعاناة التي يتحملها العامل السوري في مغتربه أو مهجره أسبابًا متنوعة اقتصادية أو اجتماعية وسياسية بدءًا من تراجع مستوى المعيشة، وانتهاء بتراجع مستوى الحريات والمساواة أمام القانون.
الدخل القومي في جيوب أقل من 5٪
حذر الخبير الاقتصادي عميد كلية الاقتصاد بين عام ۱۹۸۸م و ۱۹۸۹م الدكتور عارف دليلة، من أن السياسات الاقتصادية الحكومية السابقة أدت إلى إعادة توزيع الدخل القومي من جيوب ۸٠٪ من السكان إلى جيوب بين ٢ و٥٪ من الذين لا يحكمهم قانون وأضاف: «إن النتيجة المنطقية والحتمية لمثل هذه الإدارة الاقتصادية على جميع المستويات هي ما نراه اليوم على الأرض من توقف للتقدم الاقتصادي والاجتماعي منذ عشرين عامًا إضافة إلى ارتفاع البطالة إلى نسب عالية في صفوف الشباب المتعلمين منهم خصوصًا، وتزاحمهم على الهجرة وزاد دليلة: «إن وزارة المال تغض الطرف عن إنفاق خارج القانون وخلافه على السيارات الحكومية بما يكفي وحده لمضاعفة الرواتب ١٠٠٪ في الموازنة الحكومية الحياة ١/١٠/٢٠٠٠م.
ترى لو علم المواطن اللبناني الذي ألقى إصبع الديناميت على المواطنين السوريين مثل هذه الحقائق عن خلفياتهم، هل يقدم على هذه الجريمة النكراء؟ وإذا كان المواطن العادي لا يعلم هذه الحقائق، وإذا علمها لم يستطع تحليل مضمونها السياسي والاجتماعي، فهل تخفى على مطارنة لبنان أو على قادة الرأي والأحزاب والمنظمات والجمعيات في لبنان؟
نحن لا نعتب على المواطن اللبناني العادي أو الأردني الذي يضيق من منافسة العامل السوري في لقمة عيشه، ولا على قادة الرأي في الدول الشقيقة وحدهم، إنما نعتب على أنفسنا نحن السوريين حكومة وشعبًا، ما لم نضع حدًا وحلًا لهذه المأساة.