العنوان استعانة القذافي بهم تنعكس عليه بنتائج سلبية.. «المرتزقة».. ودورهم في الصراع الليبي
الكاتب بدر حسن شافعي
تاريخ النشر السبت 30-أبريل-2011
مشاهدات 101
نشر في العدد 1950
نشر في الصفحة 26
السبت 30-أبريل-2011
- التعاقد معهم يتم بصورة شخصية .. وفي أحيان كثيرة من خلال سماسرة عسكريين مشهورين في هذا الأمر
- انتشارهم أثار حنق القبائل بسبب الأعراف الرافضة للاستعانة بالأجنبي ضد أبناء العمومة والوطن.
- نجاحهم في دعم نظام «القذافي» يتوقف على عدة أمور .. في مقدمتها مستوى تسليحهم ومدى صمود الثوار.
- ظهورهم ساهم في إصرار الشعب على التمسك بموقفه الثوري المطالب بإسقاط النظام بعد فقدان الثقة فيه.
من بين المشاهد المفزعة والمثيرة للحنق والغضب في الثورة الليبية استعانة النظام الليبي بمئات من «المرتزقة» Mercenaries أصحاب القبعات الصفراء من عدة دول إفريقية لقمع انتفاضة الشعب... هؤلاء «المرتزقة» الذين شاهدناهم على شاشات التلفزيون لا يهمهم سوى الربح فقط، بغض النظر عن الجوانب الأخلاقية أو حتى القانونية، وربما هذا هو الذي يميزهم عن الشركات العسكرية الخاصة Private Military Companies على الأقل من الناحية الشكلية؛ حيث تزعم هذه الشركات - أنها لا تتدخل إلا لدعم النظم - الشرعية فقط، على اعتبار أن هناك بعض القوانين الحاكمة لها في دولة المقر، ومن ثم فهي ترغب في الحفاظ على سمعتها في السوق الدولية.
حدث هذا مع نظام رئيس زائير السابق موبوتو سيسيكو» عام ۱۹۹۷م؛ حيث رفضت شركة النتائج التنفيذية» Executive Outcomes في حينها دعمه في مواجهة خصمه آنذاك لوران كابيلا»، لذا اضطر سيسيكو» إلى الاستعانة بالعديد من المرتزقة من عدة دول أفريقية وأوروبية ... ونظرا لغياب التنسيق فيما بين هؤلاء، فضلا عن ضعف مستوى تسليحهم، انتهى الأمر بالإطاحة به.
ويبدو أن هذا المشهد يتكرر الآن في حالة ليبيا، لأن موافقة أي شركة عسكرية خاصة على طلب العقيد معمر القذافي» معناه فقدان سمعتها الدولية، لا سيما وأن هذه الشركات تعاني حتى الآن من الآثار السلبية لمشاركة شركة «بلاك ووتر» في حرب العراق، فضلا عن أن المواجهة هذه المرة أمام شعب يطالب بحقوقه، وليس تنظيما مسلحا يسعى للانفصال أو الانقلاب على نظام الحكم .. أي أن التدخل ضد «ثورة شعبية»، وليس ضد تمرد فئة قليلة تسعى الإثارة القلاقل في البلاد.
وإزاء هذا، لم يكن أمام «القذافي» بد من الاستعانة بهؤلاء.. والسؤال: لماذا الاستعانة بهم خاصة في ظل وجود قوات البلاد المسلحة؟
هنا يمكن القول بوجود تفسيرات في هذا الشأن:
أولا: أن تكون هذه القوات بمثابة قوة مساندة أو مضاعفة Multiplier للقوات المسلحة الليبية من أجل سرعة قمع الثورة وعدم انتقالها من مدن الشرق خاصة بنغازي» إلى مدن أخرى، بما في ذلك العاصمة طرابلس في الغرب.
ثانيا : ضعف المؤسسة العسكرية ذاتها، وعدم قدرتها على المواجهة، وهو ما حدث في حالات أخرى مشابهة بدءا من زائير مرورًا بإثيوبيا ووصولًا إلى الصومال في الآونة الأخيرة.
ثالثا: وجود حالة من الامتعاض داخل المؤسسة العسكرية بشأن استخدام القوة لقمع الثورة، وبالتالي لم يكن أمام «القذافي» بد من البحث عن بديل؛ لأن هذا الامتعاض قد يؤدي إلى انهيار النظام على اعتبار أن القوات المسلحة هي درع الأمان الأخير له، ومن ثُمَّ فإن تخليها عنه (مثل حالة تونس)، أو حيادها كما حدث في مصر سيؤدي حتما إلى ضرورة تنحيه.
ومن هنا يمكن فهم أسباب استعانة القذافي بهؤلاء «المرتزقة»، مع ملاحظة أن استقدامهم لا يشترط أن يتم بصورة رسمية، بمعنى أنه لا يشترط موافقة دولهم وإنما يمكن أن يتم التعاقد معهم بصورة شخصية، وفي كثير من الأحيان يكون من خلال سماسرة عسكريين مشهورين في هذا الأمر.. وهذا لا ينفي إمكانية قيام بعض قيادات الدول المؤيدة للعقيد «القذافي» بالتعاقد معهم كنوع من المجاملة أو للحصول على امتيازات عينية أو نقدية.
وهنا، يبرز تساؤل آخر عن الآثار المترتبة على ذلك .. بمعنى هل سيؤدي تدخلهم إلى تحقيق الاستقرار له أم سيؤدي إلى حدوث نتائج عكسية من حيث زيادة قوة الثورة؟
بصفة عامة، وفي ضوء الخبرات الإفريقية السابقة في الاستعانة بهؤلاء يمكن القول: إن نجاح هؤلاء «المرتزقة» في دعم الأنظمة الحاكمة يتوقف على عدة أمور، لعل أبرزها مستوى تسليحهم من ناحية، ومدى قوة الطرف الآخر (الخصم) من ناحية ثانية.
وفي حالة ليبيا، نجد أن هؤلاء الجنود لا تتوافر لديهم القدرات العسكرية التي تتوافر للشركات العسكرية الخاصة، وحتى بفرض وجود مثل هذه القدرات، فإنه من الصعب عليهم القضاء على الخصم الشعب الليبي في هذه الحالة)، وربما هذا هو سر قوة الطرف الآخر الذي لا يبلغ عدة آلاف.
كما هي الحال في حركات التمرد العسكري المسلح، كما أن تواجده لا يقتصر على مناطق بعينها، ومن ثم فإن هذه الجموع الغفيرة المنتشرة في كل المناطق بما فيها العاصمة يصعب القضاء عليها سواء من خلال استخدام «المرتزقة» أو حتى الشركات العسكرية الخاصة.
وليس من قبيل المبالغة القول: إن تدخل هؤلاء «المرتزقة ترتب عليه نتائج عكسية على غير مراد «القذافي»، حيث أدى انتشارهم إلى زيادة سخط المؤسسة العسكرية ضده، لا سيما فيما يتعلق بالتفاوت الرهيب في العائد الذي يحصل عليه هذا «المرتزق» يبلغ ألفي دولار يوميا) مقارنة بالعائد الذي يحصل عليه مثيله في المؤسسة العسكرية الليبية، ومن ثم زادت حدة الانشقاقات داخل هذه المؤسسة ،كما أعلن الكثير من القادة والجنود علي حد سواء الانضمام إلى الثورة .
ناهيك عن أن انتشار هؤلاء «المرتزقة» في الشارع أدى إلى حنق بعض القبائل على «القذافي» بسبب الأعراف القبلية الرافضة للاستعانة بالأجنبي لمواجهة أبناء العمومة والوطن.
ومن ناحية أخرى، فإن بروز هؤلاء ساهم في إصرار الشعب الليبي على التمسك بموقفه الثوري المطالب بإسقاط النظام وفقدان الثقة فيه، ورفض فكرة الإصلاحات وأنصاف الحلول التي تعني - وفق المنطق الثوري - قمع كامل لهم.
فلقد تيقن لهم سعي النظام بكل ما أوتي من قوة سواء أكانت هذه القوة داخلية «الجيش» أم حتى خارجية «المرتزقة» الأجانب لسحقهم؛ باعتبارهم مجموعة من الجرذان والمهلوسين المأجورين، ومن ثم فلا بديل عن الصمود .
وهكذا، يبدو أن استعانة «القذافي» بهؤلاء ترتب عليه نتائج عكسية، فلقد انقلب السحر على الساحر، ويبدو أن الساحر «ملك ملوك أفريقيا» لم يستفد من تجارب سابقيه، وليس «سيسيكو» منه ببعيد ...