العنوان حتى لا نصل إلى الهاوية.. هل العلمانية بديل جديد عن الدين؟
الكاتب علي القاضي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-مايو-1979
مشاهدات 66
نشر في العدد 444
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 08-مايو-1979
العلمانية- كما يبدو لأول وهلة- منسوبة إلي العلم ولكنها في الحقيقة تعني اللادينية، وهناك أشرطة سينمائية وكتب توضح ذلك، لأنها تدرس العلمانية على أنها بديل عن الدين، ومن العجيب أن هذه الأشرطة تدخل بعض الجامعات الإسلامية عن طريق اليونسكو، فتسهم الجامعات «الإسلامية» بذلك في نشر العلمانية من حيث تدري ولا تدري.
وهذه الظاهرة في الغرب تعتبر ظاهرة طبيعية، لأنها نشأت نتيجة الصراع بين الحكام ورجال الكنيسة من ناحية وبين العلماء من ناحية أخرى، وقد انتهى الصراع في الغرب بعزل الدين عن التأثير في ميادين الحياة، وعرف ذلك هناك باسم (فصل السلطات)، وقد استخدمت العلمانية في الغرب ستاراً لتقديم تفسيرات من صنع البشر لحركة الكون والحياة وموقف الإنسان منها وتأثيرها على قيام المجتمعات وتوجيهها، ومما يدعو إلى الأسف أن الإنجازات المادية في الحضارة الغربية استغلت لتمكين النزعة العلمانية على أساس أنها وجدت الطريق إلى القوة والسيادة.
وقد عمل الغرب الاستعماري على نشر هذه المفاهيم بين أبناء المسلمين، عن طريق تمكين هذه الأفكار من نفوس الطلبة المسلمين الذين يدرسون في الجامعات ، ويعدونهم لتولي مقاليد الأمور في الدول الإسلامية وفي المدارس والجامعات العلمانية المنتشرة في كثير من بلدان العالم الإسلامي، وهم لذلك قد طرحوا شعارات زائفة تمكن لهذه الأفكار الثبات في النفوس، وتبعد الفكر الديني عن التأثير في الحياة مثل (الدين لله والوطن للجميع)، وقد أصبح يؤمن بذلك كثير من رجال الفكر والسياسة والحكم في البلاد الإسلامية، على الأقل من الناحية العملية.. بل لقد قال أحد حكام المسلمين علانية، وهو يظن أنه يفهم الإسلام أكثر من أي عالم ديني: «من أراد الدين فأمامه المساجد ومن أراد السياسة فأمامه القنوات السياسية»!
ومن هنا فإن الأحزاب السياسية في البلاد الإسلامية تقوم- من الناحية الواقعية- على العلمانية قد يتحدث حكامها عن الدين فترة ريثما تستقر الأمور أو قد يتحدثون عن الإسلام على أنه شعائر فقط، أو قد يتحدثون عنه ليحاربوا به بعض المذاهب التي تكون خطرًا عليهم وهكذا..
وإذا جاز هذا في الغرب لما لاقوه من الكنيسة في القرون الماضية من سيطرة وقسوة من جهة، ومن تحالف مع الأقطاع من جهة أخرى، ثم من اتباع التقاليد البعيدة عن النصرانية الحقة، لدرجة أن الذين كانوا يمثلون الدين النصراني هم الرهبان ومن على شاكلتهم، فكانوا يحكمون حكمًا جائرًا لا يجادلهم فيه أحد فإذا جاز هذا في الغرب فإنه لا يجوز في البلاد الإسلامية، لأن شيئًا من ذلك لم يحدث ولا يمكن أن يحدث.
ولم يكن الغربيون في بدء حياتهم ينظرون هذه النظرة، بل إنهم كانوا متحمسين لدينهم، ولكنهم كفروا بكل حقيقة يمثلها هؤلاء، لأنهم وجدوا فيها سدًا منيعًا أمام العلم وأمام حقائق الكون والحياة والإيمان الذي تتعطش إليه قلوبهم وتطمئن به نفوسهم، وبخاصة وإن رجال الدين المسيحي كانت تحيط بهم خرافات وأساطير فأصبح العلماء والشباب ينظرون إلي مجتمع الكنيسة نظرات الاشمئزاز والاحتقار، ويرجعون سبب انحلاله وانحطاطه إلي سيطرة الكنيسة.
أو ليس من العجيب أن يكون إنجلز- الزعيم الشيوعي المعروف- الذي يعتبر من أشد المتمردين على الدين كان في صغره شغوفًا بدينه، ولكنه لما رأى ما رأى من رجال الكنيسة عاد فكفر بالدين كله.
يقول إنجلز في خطاب له إلي أحد أصدقائه: لقد أصبح الدعاء هوايتي منذ وجدت الشكوك طريقها إلي قلبي، وإنني لا أستطيع أن أقبل عقائدكم، قلبي يبكي، عيني تبكي، ولكنني أشعر بأنني لست بطريد من رحمة الله الذي أتمنى رؤيته بكل قلبي.
لقد كان إنجلز يبحث عن حقيقة الدين الفطري التي تحس بها نفسه ويطمئن إليها قلبه، ولكن الجو العام الذي كان يعيشه والأضاليل التي كانت تنسب إلي الدين وفقدان من يستطيع أن يوضح له الدين الحق جعله يكفر بالدين ويحارب كل الأديان التي لا يعرف عنها شيئًا، لقد تاه وضل، لأنه لم يجد من يأخذ بيده إلي الطريق القويم، إلي الدين الفطري.
ومثل إنجلز برتراند رسل الذي كان شديد التدين في بدء حياته، ولكنه حين رأى ما في المجتمع من أباطيل وأهواء تنسب إلي الدين- والذي يمثله الرهبان والدجالون- ولم يجد من يدله على الدين السليم كفر بالدين وإله العقل وخلع عليه القداسة.
والذي حدث في الغرب لم يحدث مثله في الشرق، ذلك لأن الإسلام ليس فيه رجال دين وإنما فيه علماء دين، وعلماء الدين ليست لهم قداسة، ويستطيع أي إنسان أن يناقشهم حتى يقنعهم أو يقتنع بكلامهم، وليس في إمكان علماء الدين أن يحلوا حرامًا ولا أن يحرموا حلالًا، لأن ذلك كله لله عز وجل والقرآن الكريم والسنة النبوية هما مصدر التشريع في الإسلام.
والإسلام ينظر نظرة شاملة إلي الكون والإنسان والحياة، ويرسم الطريق للمسلم ليعمرها وينشر فيها العدل والأمن والاطمئنان، باعتباره خليفة في الأرض، وهو يقوم بكل ذلك لله، وفي سبيل الله ولا يبتغي من وراء ذلك إلا رضوان الله.
وطريق الإسلام هو طريق الاطمئنان القلبي والراحة النفسية، وقد فشلت العلمانية في أن تكون بديلًا عن الدين، ذلك لأنها تنظر إلي الإنسان من زاوية وتهمل بقية الزوايا، ثم إنها من صنع البشر، والبشر غير محيطين بكل شيء، وإذا كان الإنسان قد تقدم في النواحي المادية في الغرب فإنه قد فقد نفسه، وفقد أمنه وطمأنينته وفقد راحته، ولذلك فقد انتشرت الأمراض النفسية والانحرافات المختلفة والانتحار عن طريق الأفراد والجماعات، ومن هنا فإن الإيمان ضرورة فردية كما أنه ضرورة اجتماعية، ولن يستقيم أمر الإنسان ولن تنهض المجتمعات إلا بالرجوع إلى الدين- الدين الحقيقي- دين الإسلام ففي ظله تتربى العواطف النبيلة في النفوس وبه تنشأ بواعث الأمل والحب والعمل الصالح يقول أرنست رينان في تاريخ الأديان: إنه من الممكن أن يضمحل كل شيء نحبه، وإن نبطل حرية استعمال العقل والعلم والصناعة، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين، بل سيبقى حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي الذي يريد أن يحصر الفكرالإنساني في المضايق الدنيئة للحياة الأرضية.
وقد أصبح معروفًا للجميع أن الإسلام دين عام شامل لكل نواحي الحياة الإنسانية يقول المستشرق الإنجليزي هاملتون جب: إن الإسلام لم يكن مجرد عقائد دينية فردية، وإنما استوجب إقامة مجتمع مستقل له أسلوبه المعين في الحكم وله قوانينه ونظمه الخاصة به.
ويقول الأديب الإنجليزي فيتزا جرالد: ليس الإسلام دينًا فحسب، ولكنه نظام سياسي أيضًا، وهكذا نرى إن الإسلام دين لا يمكن أن يكون له بديل في الأرض.. إن الذي أنزله هو خالق البشر، وهو أدرى بما يصلحهم وما يصلح لهم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (سورة الملك: 14)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل