العنوان أوبك والمفترق الصعب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1981
مشاهدات 61
نشر في العدد 540
نشر في الصفحة 11
الثلاثاء 25-أغسطس-1981
- المؤتمر يضع أوبك بين خيار الاعتدال أو انفراط العقد!
- فشل المؤتمر بسبب إصرار السعودية وإيران.
- زعماء الصناعة يقولون: الوفرة الحالية في سوق النفط ظاهرة عابرة!
- اليماني يعترف: أغرقنا السوق لخفض الأسعار تمهيدًا لتوحيدها!
- بسبب البيع بسعر أدنى من أسعار أوبك السعودية يفوتها ربح
قدره ۲۰ مليار دولار.
- دور السعودية السياسي يتعاظم.. فهل كان ذلك وراء سياستها لقيادة
أوبك؟
انتهت اجتماعات وزراء نفط الأوبك بعد
اجتماعات استغرقت خمسة أيام اتسمت بالتوتر وحرب التصريحات إلى لا شيء بشأن تحديد
هيكل لتوحيد أسعار النفط الخام.
وبذلك تكون أوبك- بعد تردي سوق النفط
منذ عامين- قد وقفت على مفترق صعب.. فإما أن يمضي كل بلد عضو في طريقه ليحدد
أسعارًا خاصة، وكأن أوبك ليس لها وجود، وإما أن تبقى أوبك ولكن تتأثر قراراتها، بل
وتتحدد طبقا لآراء البلدان التي توصف بالاعتدال، وإذا كان انفراط عقد الأوبك أو
ضعف فاعلية قراراتها أمر يسر الحاسدين في الدول الرأسمالية المستهلكة للنفط ولا
يتمناه المنتجون لمأساوية نتائجه، فهل «الاعتدال» الذي أصبح «البديل المطروح»
حاليًا يحقق مصالح المنتجين والمستهلكين معًا حقًا؟
السعودية تقود الاعتدال!
ومسيرة «الاعتدال» الذي تتزعمه
السعودية ممثلة في وزير بترولها أحمد زكي اليماني بدأ بشكل معلن وواضح منذ مؤتمر
كراكاس في ديسمبر ۱۹۷۹ وما تلاه من مؤتمرات في الجزائر والطائف وجنيف وغيرها.
وفي حين كانت تلتقي السعودية
والإمارات على خط «الاعتدال» فيما قبل، لحقت بها الآن الكويت وقطر وفنزويلا
والعراق الذي كان يصنف سابقًا في الصقور وفي مؤتمر جنيف الأخير حصل تبدل في مواقف
بعض الدول يعتبر انتصارًا لرأي السعودية بالرغم من الفشل الذي انتهى إليه المؤتمر.
ففي حين أعلنت فنزويلا على لسان وزير بترولها همبرتو كالديرون ونيجيريا على لسان
وزير بترولها أنهما لن يوافقا على تخفيض أسعار بترولهما عن ٣٦ دولارًا للبرميل في
بداية المؤتمر، عادا ليطرحا حلًا وسطًا مع العراق هو ٣٥ دولارًا، بل إن نيجيريا
التي تعتبر من أكثر الدول تضررًا بخفض الأسعار أعلنت في نهاية المؤتمر أنها ستحذو
حذو السعودية فيما يتعلق بالأسعار.
الإصرار بين طرفين فقط
لقد كان واضحًا وكما جاء في تصريح
كالديرون "إن رفض السعودية لرفع أسعارها إلى ٣٥ دولارًا للبرميل الواحد، ورفض
إيران في الوقت نفسه تخفيض سعر بترولها إلى ٣٦ دولارًا للبرميل الواحد، جعل
إمكانية الوصول إلى سعر موحد بناء على ٣٥ دولارًا عملية مستحيلة".
وهذا يعني أن الإصرار على الرأي حصل
بين طرفين اثنين هما السعودية وإيران، وهذا ما يدلك أن الواقع السياسي لدول الأوبك
ألقى بظله على قرارات المؤتمر، وباعتبار أن المؤتمر لم يتوصل إلى اتفاق موحد، فإن
الأسعار ستبقى على ما هي عليه منذ مؤتمر بالي بإندونيسيا أي أن السعودية ستستمر
ببيع بترولها بسعر ٣٢ دولارًا للبرميل والدول الأخرى ٣٦ دولارًا للبرميل.
وإذا ظل الإنتاج السعودي على ما هو
عليه 10.3 مليون برميل يوميًا في ظل التخمة النفطية في السوق العالمية فإن
الأسعار ستهبط بالتأكيد مما يضطر بعض المنتجين إلى خفض إنتاجهم، وهذا يعني أن أكثر
الدول تضررًا ستكون نيجيريا والجزائر وإيران ثم ليبيا والعراق.
وإذا ظلت أحوال السوق على ما هي عليه
فإن رأي السعودية سينتصر في النهاية وتذعن له جميع الدول الأعضاء في أوبك ربما في
مؤتمر أوبك في ديسمبر القادم.
سياسة إغراق السوق
وترى السعودية أنه لابد من التوصل
إلى توحيد أسعار النفط في جميع دول أوبك وربط عملية رفع الأسعار بنسب التضخم في
الدول المستهلكة حفاظًا على مصالح الطرفين، ولما لم تقتنع معظم دول أوبك بهذا
الرأي تبنت السعودية باعتراف وزير بترولها أحمد زكي يماني أنها اعتمدت سياسة إغراق
سوق النفط لخلق فائض نفطي وصل إلى معدل ۲-٣ مليون برميل
يوميًا في سبيل إجبار المنتجين على خفض أسعارهم طبقًا لقانون العرض والطلب. وقد
ترتب على هذه السياسة أضرار أصابت المنتجين ولعل أشدها ما أصاب نيجيريا التي اضطرت
إلى خفض الإنتاج بنسبة ٢٠% عن العام الماضي، مع العلم أنها بحاجة لكل عائداتها
النفطية. وكذلك إندونيسيا. أما الجزائر فإن احتياطها قليل وسينضب ربما مع نهاية
هذا القرن لذلك يحاول الجزائريون أن يبيعوه بأعلى الأسعار.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ألم
يكن بالإمكان توحيد الأسعار عند حد معين والاتفاق على سياسة لتحديد الإنتاج تبقى
على الحد المتفق من الأسعار بحيث لا تتضرر الدول التي تحتاج لعائدات بترولها للصرف
على برامجها التنموية؟!
والجواب نعم، عند كثير من الدول
الأعضاء، أما الجناح المعتدل الذي تتزعمه السعودية فيرى أن خفض الأسعار وتجميدها
حتى نهاية عام ۱۹۸۲ أمر لا مفر منه، تنشيطًا للاقتصاد العالمي الذي أصابه الركود وتنشيطًا
للطلب على النفط الذي بدأ يتقلص منذ عام ١٩٧٩.
فالتخمة على حد قولهم ليس سببها
الأول هو معدل الإنتاج السعودي، بل هو زيادة المخزون في الدول المستهلكة وانخفاض
الطلب فيها بنسبة ٧٫٥ % لكن زعماء الصناعة في الغرب وفي مقدمتهم وزير الطاقة
الأميركي السابق جيمس سليزنجر يقولون إن الوفرة الحالية في سوق النفط ظاهرة عابرة
سببها ذعر شركات النفط وإقبالها على شراء النفط بسبب تفجر الوضع في إيران وارتفاع
الأسعار وستنتهي هذه الظاهرة قبل أقل من عامين.
وهم وإن كانوا يغفلون أثر الإنتاج
السعودي المرتفع إلا أنهم يعترفون أنها ظاهرة عابرة سرعان ما تنتهي فهل يصح
الاحتجاج بهذه الظاهرة العابرة لخفض الأسعار وفرض هدنة مع الاقتصاد الغربي.
خسارة عظيمة
إن الاستجابة لهذه الظاهرة العابرة
المصطنعة ليس وراءها حجة مقنعة ولا تقضي بها المصلحة، بل يترتب عليها خسارة فادحة
بالإضافة إلى الأضرار التي نوهنا بها سابقًا.
فبالنسبة لخزينة السعودية فاتتها
أرباح هائلة منذ أقدمت على عدم التقيد بأسعار أوبك منذ فبراير ۱۹۷۹ تقدر بحوالي (۲۰) عشرين مليار
دولار أمريكي أي ما يوازي المداخيل النفطية لعام ۱۹۸۰ لبلدين منتجين في حجم
إندونيسيا والجزائر، وكما تقول مجلة البترول والغاز العربي "فالسعودية تكون
بذلك وكأنها صدرت ما يوازي ۸۸٥ مليون برميل في النفط الخام بدون مقابل مالي، أي
ما يساوي الاحتياطيات الثابتة للكونغو والكاميرون مجتمعين، وبما أن الموضوع هنا هو
موضوع مورد طبيعي غير متجدد فإن الخسارة هنا هي خسارة غير قابلة للاسترداد أو
للتعويض".
وفيما لو اعتمدت السعودية سعر ٢٦
دولارًا للبرميل هذا العام لأمكنها تخفيض إنتاجها بنحو 1.1 مليون برميل يوميًا (أي
ما يساوي إنتاج العراق وسلطنة عمان) بدون أن تنقص عائداتها النفطية!
ولم يقتصر فوات الربح هذا على
السعودية فحسب، بل تعداه إلى دول أخرى وخاصة الإمارات. وقد بلغ فوات الربح بالنسبة
لدولة الإمارات منذ عام ۷۹ ما يزيد على ۲۰۰ مليون دولار.
وإذا علمنا أن الشركات الأميركية
تشتري حوالي٧٠% من الإنتاج السعودي فإن فوات الربح البالغ ٢٠ مليار دولار يكون قد
ذهب إلى خزينتها!
دوافع سياسية
على أن هناك تحليلا كشفت عنه صحيفة
فوكلسكرانت الهولندية حيث تقول إن نجاح المؤتمر يعطي المملكة العربية السعودية
النفوذ اللازم لمواجهة الدول الغربية، وبصورة خاصة الولايات المتحدة الأميركية
فيما يتعلق بالنزاع العربي الإسرائيلي وبمعنى أدق المشكلة الفلسطينية.
وقالت إنه نتيجة لذلك فستجد الولايات
المتحدة نفسها مرغمة على الاستماع إلى الصوت السعودي خاصة وأن الحكومة السعودية
تدرك أن قسطًا كبيرًا من هيبتها وقوتها الدولية تعتمد على دورها الريادي داخل
منظمة أوبك. وقد ترافقت هذه السياسة النفطية في سياسة زيادة التأثير السعودي في
السياسة العربية من خلال الأزمة اللبنانية ومشروع فهد لحل أزمة الشرق الأوسط، مما
يوحي بأنه ربما العامل السياسي هو الذي أملى على السعودية هذه السياسة.
وعلى أية حال وعندما يتعلق الأمر
بأهم منظمة تدافع عن مصالح المنتجين للنفط فإنه ينبغي التفكير مليًا لئلا يصل
الأمر إلى حد انفراط عقدها وتضرر مصالح أعضائها.
بوادر أمل
وإذا تمكن جميع أعضاء أوبك من التخلص
من التعصب للرأي وتحققت الأخبار التي أفادت بأن السعودية ستخفض من إنتاجها في
الشهر القادم فإن بصيصًا من أمل يبقى ينتظر الأوبك ووحدة أوبك في مؤتمرها القادم.
فهل يتناسى الجميع خلافاتهم ويعملوا
بما فيه خير الدول الإسلامية ونماء اقتصادها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل