; برنامج «الإصلاح» الأمريكي يحتاج إلى «إصلاح»! | مجلة المجتمع

العنوان برنامج «الإصلاح» الأمريكي يحتاج إلى «إصلاح»!

الكاتب جلال الورغي

تاريخ النشر السبت 27-أغسطس-2005

مشاهدات 53

نشر في العدد 1666

نشر في الصفحة 42

السبت 27-أغسطس-2005

بدأت في جني ثمار نصف قرن من التحيز للكيان الصهيوني
فضيحة أبو غريب بينت حجم الارتباك الذي تتخبط فيه الإدارة الأمريكية 
الوضع العراقي أضاف عبئًا جديدًا غير متوقع على كاهل الإدارة الأمريكية
تبين للرأي العام العالمي كيف نجحت أمريكا في رسم خطة الحرب وكم فشلت في الخروج منها
رجالات الحرب خططوا لكل شيء وأبدعوا في خداع العالم بوجود أسلحة دمار شامل بالعراق 

لقد أصبح العالم في حاجة لذلك التمييز الدقيق بين مفاهيم الهجوم الاستباقي والردع منعًا لكثير من الحروب لأن تعرض الولايات المتحدة الأمريكية، الإمبراطورية الجديدة، لذلك الهجوم، طمس هذه المفاهيم ولم يعد التمييز بينها ذا جدوى خصوصًا بعد أن صورت الإدارة الأمريكية، من موقع هيمنتها الدولي، هجوم 11 سبتمبر عليها بأنه هجوم على العالم الحر بأسره.
نجحت الولايات المتحدة في تسويق هذا الخطاب إلى حد كبير وأعلن العالم دولًا ومنظمات دولية، ليس فقط التضامن مع الولايات المتحدة وإنما الاصطفاف إلى جانبها في الحرب الكونية على الإرهاب، كثير من الدول كان مقتنعًا بأن الهجوم لم يكن مقصودًا منه غير الولايات المتحدة، جنيًا لثمار نصف قرن من السياسات المتحيزة والظالمة في الشرق الأوسط، لا سيما دفاعها المستميت عن الدولة العبرية حليفتها الاستراتيجية في المنطقة.
ويعتقد المؤرخ الأمريكي المختص في تاريخ الحرب الباردة وصاحب كتاب «استراتيجية الاحتواء» جون لويس غاديس أن هذه الأحداث كشفت عن نوعية جديدة من التهديد المدمر للأمن القومي الأمريكي يصعب معه السيطرة عليه ولم يبق لها خيار غير استراتيجية الضربات الوقائية لمنع تعريض أمنها القومي إلى أخطار حقيقية.
ويؤكد غاديس أن هذا الخيار لا محيد عنه بغض النظر عن الفريق الذي يحكم في البيت الأبيض، ويقول المؤرخ المذكور: إن المرشح الديمقراطي الأمريكي جون كيري لو وصل للبيت الأبيض فلن تكون سياسته مختلفة، خصوصًا أنه اعترف خلال حملته الانتخابية بأن الضربات الاستباقية خيار غير مستبعد لديه، في حال وصوله إلى البيت الأبيض.
ويخلص المؤرخ الأمريكي إلى التأكيد على أن هذه الاستراتيجية الكبرى التي رسمتها إدارة بوش، ستتواصل في ظل الوضع الدولي الحالي Here to stay. بل ومن المستبعد أن يتخلى عنها حتى الرئيس الذي سيخلف بوش في البيت الأبيض في العام ۲۰۰۸ م.

مركز السياسة
الواضح أن الشرق الأوسط أصبح أحد أهم اهتمامات الولايات المتحدة الأمريكية في هذه المرحلة سواء من خلال استمرار حضورها العسكري الكثيف في المنطقة أو من خلال متابعتها لتعهداتها التي أطلقتها في برنامجها الإصلاحي وتغيير وجه المنطقة بما يحمي مصالحها وتحويل الشرق الأوسط «المنظور له كمصدر للإرهاب» ملعبًا، عليه تخوض حربها ضد ما تسميه الإرهاب، غير أنه من الواضح أيضًا أن موجة العداء والكراهية للولايات المتحدة لن تتراجع بل ستتصاعد، لأن الشعوب في العالم العربي تدرك جيدًا أن ما تتحدث عنه الولايات المتحدة من إصلاحات ظاهره فيه الديمقراطية وباطنه من قبله مزيد من الهيمنة والاستسلام، وأن مشروع الإصلاح الأمريكي لا يزيد في جوهره عن نقل مصالحها من أيدي قيادات هرمت وضعفت وفقدت الشرعية، إلى أجيال جديدة من القيادات أكثر حماسًا في الولاء لها، وأكثر قبولًا لدى شعوبها، رغبًا ورهبًا.
تواجه الولايات المتحدة الأمريكية اليوم مجموعة من التحديات في منطقة الشرق الأوسط الملتهبة، تراكمت وأثر بعضها في بعض. ويمثل البعض منها عقدة لا يمكن أن تحلها الإدارة الأمريكية إلا بتغيير كامل في رؤيتها الاستراتيجية في المنطقة، وهو أمر يبدو اليوم غير وارد في ظل موازين القوة الحالية. فإضافة إلى المقاومة العراقية المتصاعدة وتنامي ما تسميه الولايات المتحدة الإرهاب، فإن استمرار الصراع العربي الإسرائيلي، وتزايد المخاوف من إعلان إيران نفسها قوة نووية، كلها تحديات يبدو أنها تثير مخاوف الإدارة الأمريكية. وإذا كانت الولايات المتحدة تختار في السابق التعاطي مع بعض هذه القضايا بين خيار تكتيكي، يحل المشكل حينًا ويقتصر على إدارته حينًا آخر، فإن هذه الاستراتيجية غير واردة اليوم، لأنها تتعرض لبعض التحديات على غرار الوضع في العراق، وتصاعد المقاومة فيها لا يتحمل الحلول المبتورة، وقد استخلصت الإدارة الأمريكية دروسًا من هجمات سبتمبر جعلها تقتنع أنه ما دام الصراع العربي الإسرائيلي قائمًا فإن مصالحها هي نفسها ستبقى عرضة للخطر وخصوصًا أنها تعتبر نفسها حليفًا استراتيجيًا للكيان الصهيوني، والمسؤولة عن أمنها.

الصراع مع الصهاينة
ويمثل الصراع العربي -الصهيوني أحد أكبر القضايا تفجرًا ومثار اهتمام العالم. وهي المشكلة الأساسية التي طبعت التاريخ المعاصر لمنطقة الشرق الأوسط. ومهما حاول النظام الدولي والقوى العالمية، خفض اهتمامها بالصراع الدائر في هذه المنطقة، فإن عوامل عديدة تعيدها بسرعة إلى قلب الأحداث في العالم، فهي محل اهتمام جميع الأديان، وجميع القوى التحررية، وفي نفس الوقت جميع القوى الطامعة في الهيمنة والسيطرة على أهم منطقة عالمية في مستوى الثروات، فضلًا عن موقعها كملتقى للقارات. وزاد من الاهتمام بهذه المنطقة قيام الكيان الصهيوني في قلبها، وهو حدث لا يزال رغم مرور أكثر من نصف قرن، الحدث الأكبر في المنطقة، وتلعب الولايات المتحدة الأمريكية دورًا محوريًا في المنطقة خصوصًا تدخلها المباشر في الصراع إدارة وضغطًا من أجل التفاوض، وعلى الرغم من الثقل الذي تمثله الولايات المتحدة، فإنها عجزت حسب الكثير من المحللين عن التحكم في الصراع، والوصول به إلى حل نهائي غير أن هناك رأيًا آخر يعتقد أن الولايات المتحدة مقتنعة ومنذ نصف قرن بسياستها تجاه هذا الصراع والقائم أصلًا لا على حل الصراع وإنما على إدارته والتحكم فيه تصعيدًا وتهدئة.
الواضح أن هجمات سبتمبر فرضت على الولايات المتحدة إعادة النظر في سياساتها السابقة تجاه الشرق الأوسط، وأنها تواجه اليوم تحدى التوصل إلى السياسة الأسلم في حماية مصالحها في تلك المنطقة، وقد يكون من السابق لأوانه اليوم اعتبار الولايات المتحدة حسمت أمرها في تبني استراتيجية محددة تجاه الشرق الأوسط.
ويسوق تيار متنفذ بقوة في الإدارة الأمريكية تعطي دلالات إيجابية لفكرة الانسحاب من غزة، وتسليمها للفلسطينيين مقابل الحصول على مزيد من الضمانات لأمن الدولة العبرية، وتطلب الإدارة الأمريكية اليوم من حكومة شارون وتضغط على السلطة الفلسطينية للمضي في هذا الاتجاه. غير أن الكثير من الخبراء وصانعي القرار خصوصًا في الولايات المتحدة يعتقدون أنه ليس هناك حل نهائي للصراع، وإنما المطلوب هو إدارة هذا الصراع، والاحتفاظ به في حدوده الدنيا، دون أن يصل إلى حالة من التفجر أو الانفلات وهي رؤية عبرت عنها بقوة وزيرة الخارجية الأمريكية الحالية كوندليزا رايس في مقال لها نشر في العام ۲۰۰۰ في الدورية المختصة بالشؤون الخارجية مجلة فورين أفارز.
والحقيقة أن هذه الرؤية تسلم أن التدخل الأمريكي في النزاع لا يمكن إلا أن يكون إلى جانب الدولة العبرية وفي نفس الوقت يواجه هذا التحيز بإصرار العالم العربي على عدم التنازل الكامل للكيان الصهيوني، ومن ثم فعلى الولايات المتحدة أن تهتم أساسًا بحماية وتأمين مصالحها القومية، وكلما فعلت ذلك ومضت فيه إلى نهايته، سيتوسع نفوذها وتسود قيمها، ويتحقق من وراء ذلك السلم والاستقرار، ويتفوق النموذج الليبرالي.
فالحقيقة أن غزة لا يمكن أن تتحول بمقدراتها الحالية، إلى دولة للشعب الفلسطيني، ليس فقط لأنها جزء صغير يفتقد لأي موارد طبيعية معقولة، وإنما أيضًا لأن الشعب الفلسطيني لا يقبل بأن تتقلص أحلامه بعد نصف قرن من التضحيات إلى القبول على قطعة من الأرض «غزة» شكلت باستمرار عبثًا على الدولة العبرية.

المقاومة والمأزق
يمثل صعود المقاومة وتماسكها في العراق واحدًا من التحديات المعقدة التي تواجه الولايات المتحدة الأمريكية، ويكمن تعقيد هذا التحدي في أن الإدارة الأمريكية وصانعي القرار فيها، خصوصًا رجالات الحرب خططوا لكل شيء. في غزو العراق، وأبدعوا في خداع العالم بوجود أسلحة دمار شامل في العراق، غير أنهم فوجئوا وصدموا بنهوض مقاومة شرسة لم يقرؤوا لها أي حساب في خططهم.
وقد وقعوا بسبب ذلك في الكثير من الأخطاء القاتلة، بدأت بفضيحة أبو غريب التي بينت حجم الارتباك الذي تتخبط فيه الإدارة الأمريكية، وتبين للرأي العام العالمي كيف نجحت الولايات المتحدة في رسم خطة إعلان الحرب وكم فشلت في رسم خطة للخروج منها وإحلال السلام. وعلى الرغم من التعتيم على الخسائر الأمريكية الحقيقية التي تكبدها جنودها في العراق، إلا أن الإحصائيات الرسمية على عدم صدقيتها تبين شراسة المقاومة وفداحة الخسائر التي تكبدتها -وتشير المعلومات حتى اليوم إلى أن عدد الجرحي في صفوف الأمريكيين يزيد على 15 ألفًا، في حين تجاوز عدد القتلى عتبة ١٦٠٠ جندي أمريكي، ولا تشمل هذه الإحصائية الخسائر الأمريكية من الجنود المرتزقة، إلا أن نفس هذه الإحصاءات تقر بأن ٦٧% من الجنود الأمريكيين المصابين يعجزون عادة على العودة لعملهم، في حين يعاني الكثير منهم من إصابات بليغة تتراوح بين فقدان البصر، وفقدان القدرة على السير نتيجة الألغام.
ولم يكن غريبًا بعد بروز كل هذه التحديات أن تعترف الإدارة الأمريكية بخطئها عندما أقدمت على حل الجيش والأمن العراقيين مما أدى إلى انهيار الأوضاع الأمنية، وباتت السيطرة عليه أشبه بالمستحيل، بل لأول مرة في العراق تظهر حالة من الانفلات الأمني لم يعد ممكنًا السيطرة عليها بأي شكل من الأشكال، في ظل استمرار الاحتلال.
وعدم الاستقرار الذي طبع الوضع العراقي، أفشل مشروع الإدارة الأمريكية في بلورة صورة العراق النموذجية التي يريدها بوش، وأضاف عبئًا جديدًا غير متوقع على كاهل الإدارة الأمريكية التي بدل تقليص رقعة انتشار ما تسميه بالإرهاب، وسعتها من حيث لا تدري وتحول العراق نفسه إلى معقل من معاقل الحرب على الولايات المتحدة. وعجزها عن فرض الأمن دفعها للتصرف في كثير من الأحيان بتوتر، وبمنطق ردود الفعل والانتقام التي لا تعكس إطلاقًا ادعاءها بأنها الإمبراطورية التي تحمي أمن العالم. ويعلق المؤرخ اليساري البريطاني المعروف أريك. هوبزباوم، على تصرفات الانتقام التي تمارسها الولايات المتحدة بأنها إمبراطورية ليس لها من أخلاق الإمبراطوريات إلا حجمها وإمكانياتها، وذلك في معرض انتقاداته لمنطق الانتقام وردود الفعل التي صدرت عن الولايات المتحدة الأمريكية عقب أحداث الحادي عشر من أيلول «سبتمبر» ٢٠٠١م.

تقزيم الصعود!
ليس الوضع في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأقل تعقيدًا اليوم بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية. والواضح أن إيران مصرة على حقها في امتلاك قدرات نووية لحماية أمنها القومي، وهي ماضية في هذا المسار بوتيرة متسارعة، بل في سباق مع الزمن هذا التوجه يشكل مصدر قلق حقيقي للولايات المتحدة، التي ازدادت مخاوفها بقوة، خصوصًا بعد سقوط العراق. وبقدر ما تحاول الإدارة الأمريكية تقديم حوافز ومطامنة الجمهورية الإسلامية بضمان أمنها، فإن هذه الأخيرة، لا تبدو مقتنعة بتلك التطمينات في ظل الدعم الأمريكي المطلق للدولة العبرية الذي يقلق الإدارة الأمريكية أكثر أن جهات عديدة داخل إيران مقتنعة بحق بلدها في امتلاك أسلحة غير تقليدية. ولا يقتصر الأمر كما يزعم البعض على رجالات الدين الذين يسيطرون اليوم على مؤسسات الدولة.
وعلى الرغم من محاولة الإدارة الأمريكية فرض عزلة دولية على إيران، وتبرير مواقف عدوانية ضدها، فإن هذه الأخيرة ما زالت بسبب ارتباطها بعلاقات مصالح مع روسيا، ومع غيرها تفلت من حالة الحصار، بل وتضع نفسها في كثير من الأحيان في وضع هجومي. ولا يخفى أن إيران تحاول الاستفادة من الوضع الصعب الذي تورطت فيه الإدارة الأمريكية في العراق، ويعتقد الكثيرون أن الجمهورية الإسلامية في إيران، وضعت نفسها في وضع حرج، لما تعاملت بحيادية في الحرب الأمريكية على العراق، واعتبرت نفسها غير معنية بل وتمنت سقوط النظام، وجرى حتى حديث يشير إلى تسهيل مهام قوات الاحتلال انتقامًا من النظام العراقي السابق.
من المفارقات أن تطلق الولايات المتحدة مبادرة إصلاح الشرق الأوسط، وتشدد على أن تلك المبادرة قائمة على نشر قيم الحرية والديمقراطية، في الوقت الذي ترتكب فيه هذه الإدارة أبشع الممارسات والفظاعات في سجن أبو غريب وجوانتانامو، وعدم احترام ثقافات وخصوصية الشعوب، وصل حد تدنيس القرآن الكريم، لقد كشفت السياسة الأمريكية «المريضة» أن الثقافة الأمريكية نفسها، في حاجة إلى إصلاح، وذاكرة العالم ليست قصيرة، لدرجة يمكن أن تنسى معها ما جرى للهنود الحمر من إبادة، ومحو لإرثهم الثقافي.
لا أحد يجادل اليوم في أن الولايات المتحدة أصبحت جزءًا من مشكلة الشرق الأوسط، وليست جزءًا من حله، لا سيما إذا نظرنا إلى سياساتها في المنطقة لأكثر من نصف قرن.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

298

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1113

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان