العنوان مصر: شتاء «العصيان المدني» الساخن!
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 25-ديسمبر-2004
مشاهدات 53
نشر في العدد 1632
نشر في الصفحة 20
السبت 25-ديسمبر-2004
حملة واسعة للمطالبة بتغيير الدستور ورفض التجديد لمبارك وتوريث الحكم
المثقفون المصريون للحزب الحاكم: «كفاية» ... «كفانا ما مر من حكمكم»..... و«كفى ذلًا ومهانة واستبدادًا في مصر»
يشتهر المستشار طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة المصري السابق بأنه مفكر هادئ ذو ثقافة إسلامية وقانونية عالية ولا يميل إلى السياسة أو الصدام مع الحكومة أو الدخول في معارك سياسية، ومع ذلك فوجئ به المثقفون المصريون يكتب مقالًا في صحيفة العربي الناصرية تحت عنوان «أدعوكم إلى العصيان» يؤصل فيه فكريًا ونظريًا لفكرة العصيان المدني السلمي، ويشير إلى أن مصر قد وصلت إلى حالة لم يعد يجدي لإصلاحها سوى العصيان المدني السلمي بحيث يتخلى المصريون عن دور المحكوم.. وأن يفرضوا إرادتهم على السلطة!. ونموذج المستشار البشري مجرد صورة لحالة الاحتقان السياسي والفكري التي تموج في مصر والتي استشرت بشكل كبير في أوساط الأحزاب السياسية والطلاب والمجتمع المدني عمومًا، وزادها نشاطًا قرب انتهاء فترة حكم الرئيس مبارك الرابعة في نهاية ٢٠٠٥م، وقرب انتخابات البرلمان وسط رفض من جانب الحزب الوطني الحاكم لأي إصلاحات ديمقراطية جوهرية، حتى أصبح لا يمر شهر تقريبًا، إلا وتظهر لجنة للمطالبة بالتغيير أو الدفاع عن الديمقراطية أو المطالبة بتغيير الدستور، أو يعقد مؤتمر للمعارضة للدعوة لانتخابات رئاسية حرة وتغيير الدستور وغيره.
فقد عقدت خلال شهري سبتمبر وأكتوبر ٢٠٠٤م الماضيين عدة مؤتمرات سياسية مصرية مهمة تحت لافتة «الإصلاح والتغيير» أبرزها مؤتمر الحزب الوطني الحاكم، ومؤتمر الأحزاب المعارضة المصرية سمي «التوافق الوطني للإصلاح السياسي» ومؤتمر ثالث لـ«الحركة المصرية من أجل التغيير» ورابع للقوى السياسية غير المعترف بها حكوميًا وأبرزها الإخوان وأحزاب أخرى تحت التأسيس، وتم تأسيس «الحركة المصرية من أجل التغيير» وإعلان لجان للدفاع عن الديمقراطية وتغيير الدستور، وشهدت العاصمة المصرية مظاهرة صامتة الأسبوع الماضي أمام دار القضاء العالي تعلن رفض «التمديد أو التوريث»
وزاد من سخونة الأجواء السياسية لهذه المؤتمرات والتحركات السياسية أنها واكبت أحداثا مهمة داخليًا وخارجيًا ساهمت في اشتغال بورصة التكهنات، ومع قرب انتهاء ولاية مبارك الحالية (أكتوبر ٢٠٠٤م) وتصاعد شائعات توريث نجله «جمال» السلطة رغم نفي مبارك ذلك مرارًا، فضلًا عن تركيز أمريكا على الإصلاح في مصر «نيوزويك قالت في عدد ١٦/٦/٢٠٠٤م: إن مصر هي النموذج الأفضل المتاح لنشر عدوى الإصلاح السياسي في العالم العربي».
وزاد من حالة الاحتقان السياسي وتصاعد الدعوات العلنية للإصلاح السياسي والانتخابات رئاسية حرة والسماح بأحزاب لكل القوي السياسية المهمشة، وإلغاء الطوارئ أن نتائج مؤتمري الحزب الوطني الحاكم في سبتمبر ٢٠٠٣م ثم سبتمبر ٢٠٠٤م كشفت عن أن شعار التغيير الذي كان المصريون يتوقعونه ليس سوى مسكنات حيث لم يحدث تغيير حقيقي على العديد من القوانين التي تقيد الحريات.
فقد أصر مؤتمر الحزب الوطني الحاكم على «اللاءات الثلاثة» بشأن رفض تغيير الدستور، ورفض عقد انتخابات حرة للرئاسة والاكتفاء بالاستفتاء الحالي، ورفض إلغاء حالة الطوارئ المطبقة من ٢٣ عامًا متواصلة ما اعتبر عقبات حقيقية أمام التواصل والتفاهم بين الطرفين «الحكومة والمعارضة» رغم سعي الحزب الوطني لطرح إصلاحات جزئية في عدة قوانين سياسية لإرضاء المعارضة وتوفر أجواء قبول أفضل للحرس الجديد.
بل أصبح هناك نوع من التوافق النسبي بين حزب الحكومة وأحزاب المعارضة الرئيسة على استبعاد القوى الإسلامية، خصوصًا جماعة الإخوان، وحصر الاتصال بين الطرفين فقط المعارضة استبعدت الإخوان من تجمعها التوافقي للإصلاح، وجمال مبارك قال في لقاء خاص مع ٤٠٠ شخصية أجنبية عقب مؤتمر الحزب الوطني سبتمبر ٢٠٠٤م، ردًا على سؤال الصحفي ستيفن كوهين عن الإخوان: «إننا ومعظم أحزاب المعارضة نرفض قيام أحزاب على أسس دينية».
وهو ما يعني أن تظل القوة الرئيسة الإسلامية المؤثرة في الشارع المصري «وهي الإخوان» -بشهادة القوى المصرية المختلفة- غير ممثلة فضلًا عن استمرار لجنة الأحزاب في منع قيام أحزاب أخرى «منعت قيام أكثر من ٦٠ حزبًا سياسيًا» ومررت فقط حزب «الغد» الليبرالي.
لجنة الدفاع عن الديمقراطية
ففي مارس الماضي ٢٠٠٤ ظهرت لجنة الدفاع عن الديمقراطية التي تضم مثقفين ومفكرين مصريين، وطرحت مشروعًا للإصلاح السياسي، وقال المتحدث باسم اللجنة حسين عبد الرازق الأمين العام لحزب التجمع اليساري المعارض: إن «اللجنة انتهت في اجتماعها الأخير من إنجاز ورقة تحمل التعديلات الخاصة بمواد الدستور الخاصة برئيس الجمهورية وعددها ٢٤ مادة وتم الاتفاق على طرحها في حلقة نقاشية على نخبة من قادة الأحزاب ورجال القانون للتشاور بشأنها في أقرب اجتماع».
وأشار عبد الرازق إلى أن اللجنة قررت أيضًا إعداد مشروع قانون آخر خاص بالأحزاب يلغي القانون الحالي، ويستبدل به قانونًا آخر جوهره أن قيام الأحزاب يتم بمجرد إخطار الجهة المسؤولة، وأن من لديه اعتراض يلجأ إلى القضاء بما يؤدي إلى إلغاء لجنة شؤون الأحزاب باعتبار وجودها غير قانوني ولكن مقررات وتوصيات هذه اللجنة انتهت إلى لا شيء ولم تعرها الحكومة أو الحزب الحاكم في مصر أي أهمية!
وفي أبريل ٢٠٠٤م وجه عدد من أساتذة القانون الدستوري في مصر الدعوة إلى رئيس الجمهورية والحزب الحاكم من أجل تعديل الدستور قبل الانتخابات القادمة، وذلك للخروج من حالة الجمود السياسي التي تعتري الحياة السياسية في مصر، وقال الدكتور يحيي الجمل، خلال ندوة نظمها حزب الوفد المعارض حول الإصلاح السياسي: إنه لا بديل عن الحرية والديمقراطية وتداول السلطة، وبدون ذلك سوف تستمر حالة الركود السياسي في مصر.
كذلك انتقد أستاذ القانون الدستوري إبراهيم درويش «أحد واضعي دستور مصر العام ١٩٧١ م » قيام النظام السياسي في مصر على شخص واحد، وعدم اعترافه بحق الأحزاب في الوصول للسلطة، كما انتقد اختيار رئيس الجمهورية بنظام الاستفتاء، وأكد أن الاستفتاء بدعة خاطئة وقاعدة سياسية غير سليمة.
الحركة المصرية من أجل التغيير
أيضًا أعلن في سبتمبر ٢٠٠٤م ، عقب انتهاء مؤتمر الحزب الحاكم الذي لم يلب طموحات المعارضة في إصلاح سياسي شامل عن تأسيس «الحركة المصرية من أجل التغيير» والتي تضم في عضويتها ما يزيد على ٦٠٠ من المثقفين المصريين من مختلف الاتجاهات والأحزاب، وأكد عبد الوهاب المسيري أحد أعضائها أن هذه الخطوة من قبل المثقفين جاءت في الوقت المناسب لتؤكد حقيقة مهمة وهي ضرورة أن تنشأ داخل المجتمع المصري مؤسسات وجماعات لترشيد صنع القرار في الدولة وتنشيط المجتمع المدني.
وأوضح أن النخب الحاكمة في مصر تتصور أنها قادرة بمفردها على إدارة الدولة دون الاستعانة بغيرها، ومن ثم فهي تعمل على تكميم المعارضة وتتجاهل مطالبها فيما يخص الإصلاح وفي ذات الوقت تتفاقم مشكلة الفساد في مصر دون إصلاحات حقيقية تحد من هذا الفساد.
وأشار المسيري إلى تجاهل مؤتمر الحزب الوطني الأخير لمطالب قوى المعارضة فيما يتعلق بإلغاء قانون الطوارئ وتعديل الدستور، مؤكدًا أن
الحكومة المصرية ستواجه هذه المرة برأي عام قوي ورافض لهذه الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتدنية ومن ثم كانت البداية من المثقفين من خلال بيان «كفاية» ... وهو بیان مهم أصدره المثقفون المصريون بهدف أن يقولوا للحكومة والحزب الحاكم «كفانا ما مر من حكمكم»
وكان بيان «الحملة الشعبية من أجل التغيير» قد حدد عددًا من المطالب وهي:
- تعديل الدستور بما يسمح بانتخاب رئيس الجمهورية من بين أكثر من مرشح، على ألا تتجاوز فترة رئاسته دورتين، وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية بما يضمن الفصل الحقيقي ما بين السلطات.
- إلغاء حالة الطوارئ، وكافة القوانين المقيدة للحريات والإفراج عن جميع المعتقلين والمسجونين في قضايا الرأي.
- تعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية، بما يكفل الإشراف القضائي الكامل على كافة مراحل الانتخابات.
العصيان المدني السلمي
ويبدو جليًا ضياع دعوات التغيير السلمي، والإصلاح الشامل وعدم الرد الرسمي عليها، بشكل مرضٍ للمعارضين والمثقفين، انتهاء مؤتمر الحزب الوطني الحاكم في سبتمبر ٢٠٠٤ م بنتيجة تؤكد أن هناك سقفًا محددًا للإصلاح لا يعدو أن يكون «مسكنات سياسية» لتخفيف حالة الاحتقان في الشارع المصري، وأن هناك رفضًا لمبدأ تداول السلطة دفعت كثيرين لطرح فكرة «العصيان المدني السلمي».
وقد ظهر هذا في مقالين للمستشار طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة السابق، والمفكر الإسلامي نشر في صحيفة العربي الناصرية حيث يؤكد أن مصر قد وصلت إلى حالة لم يعد يجدي لإصلاحها سوى العصيان المدني، ويقول إن هذه الفكرة تطرح نفسها الآن وكأنها الخيار الوحيد لانتشال مصر من عثرتها الثقيلة لتغيير حكام اغتصبوا السلطة وينوون اغتصابها إلى أبد الآبدين من خلال التوريث بعد أن دمروا كافة مؤسسات المجتمع الرسمية والشعبية، وهم في المقابل لم يحققوا نفعًا للمجتمع، ولم ينجزوا إنجازًا، ولم يحققوا شيئًا يستحق عناء احتمالهم، فالصبر على قمعهم ونحن نسعى إلى التغيير أهون من الصبر على قمعهم ونحن مستسلمون صامتون والطغيان لا يبقى قويًا مدعومًا إلا بقدر ما يكون الناس متفرقين.
ويبدو أن هذه الدعوات للتحرك أثمرت إعلان أحزاب المعارضة المصرية وتجمع الإصلاح عن عزمها القيام بمظاهرة وتجمع سياسي كبير أمام القصر الرئاسي في منطقة عابدين بوسط القاهرة، وهو ما رفضته الحكومة المصرية رفضًا قاطعًا، مما دعا المعارضة للتفكير في عقد المؤتمر في مكان آخر مغلق.
فهل تتحول دعاوى العصيان المدني في مصر إلى دعاوى حقيقية تنفذها قوى المعارضة والمثقفين المصريين، أم تذهب أدارج الرياح؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل