; جنوب إفريقيا بين سخط البيض وطموحات السود | مجلة المجتمع

العنوان جنوب إفريقيا بين سخط البيض وطموحات السود

الكاتب بدر حسن شافعي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1998

مشاهدات 92

نشر في العدد 1330

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 15-ديسمبر-1998

حين أذيع تقرير الحقيقة والمصارحة، الذي أعدته لجنة محايدة وتم الإفصاح عنه في نهاية اكتوبر الماضي، أثار الأمر جدلًا واسعًا داخل جنوب إفريقيا، وبخاصة بعد اتهامه للسود -أيضًا- بشأن ممارسة أعمال العنف ضد البيض إبان الحكم العنصري في البلاد.

ولقد كان هذا التقرير بمثابة مفاجأة كبيرة الحزب المؤتمر الوطني الحاكم الذي سعى في نضاله إلى إبراز أن السود كانوا المتضررين في مواجهة البيض، وربما كان ذلك هو سبب نجاح الحزب بعد فترة كفاح زادت على ١٥ عامًا في الوصول إلى الحكم في إبريل عام ١٩٩٤م، ليصبح مانديلا أول رئيس أسود للبلاد.

ولقد حدث انقسام واضح في الآراء بشأن هذا التقرير داخل الحزب الحاكم، فبالرغم من أن مانديلا أشاد باللجنة وجهودها الدؤوبة للعمل للوصول للحقيقة وقبوله بالتقرير -على الرغم من وجود بعض النواقص به- إلا أن نائبه في رئاسة البلاد وخليفته القادم تابو مبيكي لم يؤيد هذه اللجنة، واتهمها بالتحيز لصالح البيض، وبخاصة أنها من وجهة نظره تعمل على المساواة بين حركة التحرير الوطني ونظام الفصل العنصري.

وأيًّا ما كان الوضع بالنسبة لمصداقية التقرير وموقف المؤتمر منه، فلا شك في أن تداعياته السياسية كبيرة، وستبرز بوضوح في نتيجة الانتخابات القادمة العام المقبل التي من المتوقع ألا تساهم في تحقيق اللحمة بين الجانبين (السود والبيض) بل ستؤدي إلى تمسك كل طرف بموقفه. وربما ينقلنا هذا إلى تقييم فترة مانديلا وما حققه من نتائج، وما أخفق في تحقيقه، هذه الإخفاقات ستكون بمثابة تحديات حقيقية للرئيس القادم الذي من المتوقع أن يكون نائبه ورئيس حزب المؤتمر الحالي تابو مبيكي.

أولًا: الأوضاع السياسية: حرص مانديلا منذ توليه السلطة عام ١٩٩٤م على تطبيق الشعار الذي رفعه وهو أمة واحدة وثقافات متعددة، بمعنى وجود قاسم مشترك بين الثقافات المتعددة الموجودة في البلاد السود - البيض - الملونين مع احتفاظ كل ثقافة بعاداتها وتقاليدها الخاصة. ولكن بالرغم من ذلك فإن مانديلا قد حرص بشكل خاص على تحسين الأوضاع الخاصة بالسود الذين يشكلون الأغلبية في البلاد (٦٧% من إجمالي السكان) فكان هذا بالطبع على حساب البيض، ومن ثم فقد صار مانديلا متهمًا من الجانبين، البيض يتهمونه بأنه منحاز ضدهم، والسود يتهمونه بأنه يسير بخطوات بطيئة في طريق تصحيح المسار وتعديل الأوضاع السيئة التي كانت سائدة إبان الحكم العنصري.

ولا يزال السود غير قانعين بما تحقق لهم ويطلبون المزيد برغم أن حكومة مانديلا نجحت على سبيل المثال في إعداد 1,2 مليون منزل ووحدة سكنية للسود بالمرافق الصحية منذ عام ١٩٩٤م كما صار ٦% من السود اليوم يصنفون ضمن فئة الأغنياء مقابل ۲% فقط عام ۱۹۹۰م، وأصبح السود يسيطرون على ٩% من الشركات الموجودة في سوق المال بجوهانسبرج بعدما كان لا يوجد لديهم شركة واحدة عام ١٩٩١م.

وبالنسبة للبيض فإنهم يرون أن الحكومة تسحب منهم البساط شيئًا فشيئًا، ومن ثم فهم يعارضون أي خطة لنقل الملكية منهم إلى السود وربما سعوا في ذلك إلى تحريض الدول الأوروبية (المستعمر الأجنبي عمومًا) إلى التخلي عن دعم المشروعات القومية في البلاد والتي تحترم مصلحة السود فقط، وربما نجحوا في ذلك، فقد أعلن مانديلا أوائل هذا العام أن خطته لإقامة مليون وحدة سكنية وتسليمها العام القادم لن تكتمل بسبب مشكلة التمويل.

ثانيًا: التحديات الاقتصادية، وربما ينقلنا ذلك إلى الحديث عن التحديات الاقتصادية؛ إذ إن المعروف أن عمليات الإصلاح الهيكلي -في أي دولة عمومًا- تحتاج إلى وقت طويل لكي تؤتي ثمارها، خاصة إذا كان الاقتصاد في السابق موجهًا لتحقيق التنمية الاقتصادية لفئة قليلة (البيض الذين يشكلون ۱۳% من إجمالي السكان).

ومن هنا يمكن فهم أسباب تردي الأوضاع الاقتصادية في ذلك البلد العملاق؛ إذ لم يزد معدل النمو الاقتصادي على ٢% فقط بالرغم من أن المستهدف ٦%، وقد انخفضت قيمة العملة الوطنية بمقدار 10% نهاية العام الماضي، وفي الوقت ذاته بلغت نسبة العجز في الموازنة ٤%، ومعدل التضخم ويخشى المراقبون من ازدياد نسبة البطالة في البلاد خلال العامين القادمين، خاصة في قطاع مناجم الذهب، وهناك مخاوف من تسريح العمال بهذه المناجم التي تستوعب أكثر من ٣٠٠ ألف عامل.

ثالثًا: التحديات الاجتماعية: ربما تنبع هذه التحديات من تنامي الانتماء العرقي على حساب الانتماء للدولة أو الوطن؛ الأمر الذي ساهم في زيادة حدة الخلافات، والتي انعكست بصورة ملموسة على زيادة معدلات العنف بين الجماعات المختلفة من ناحية أو داخل كل جماعة من ناحية أخرى، وقد لجأ مانديلا إلى تشكيل لجنة «الحقيقة والمصالحة» لحسم هذه القضية وإزالة الخلافات القائمة بين الجوانب المختلفة، ولقد زادت معدلات الجريمة والعنف في جنوب إفريقيا بصورة كبيرة منذ العام الماضي، فبلغ متوسط عدد القتلى خلال الشهور الأولى من عام ۱۹۹۷ نحو ٦٥ قتيلاً يوميًّا، هذه النسبة تمثل سبعة أضعاف معدلات الجريمة في الولايات المتحدة، ساعد على ارتفاع هذا المعدل ثلاثة عوامل:

  1. وجود عناصر متشددة في الجناح العسكري لحزب المؤتمر، هذه العناصر تعاني اليوم من البطالة، ومن ثم فهي تعمل على استغلال ما لديها من خبرات في تنفيذ عمليات قتل المزارعين البيض.

  2. عصابات الجريمة المنظمة التي دخلت جنوب إفريقيا بعد رفع العزلة عنها، وجاء أفرادها من روسيا والصين، وكولومبيا، ونيجيريا، للعمل في مجال تهريب الألماس وتجارة المخدرات والسلاح.

  3. الضعف والتقصير الأمني الواضحان في جهاز الشرطة، وربما يعود ذلك إلى تأخر الحكومة في دفع رواتب هؤلاء، والأمر نفسه ينطبق على الجهاز القضائي الذي يعاني من بطء خطوات التقاضي ومن ثم عدم وجود الردع الكافي للمتهمين، وقد أدى هذا التقصير الأمني إلى زيادة عدد الهاربين من السجون، حيث بلغ عدد هؤلاء ٣٤ ألف سجين خلال السنوات الأربع الماضية.

ومن هنا نخلص إلى القول إن الطريق لن يكون مفروشًا بالورود أمام الرئيس الأسود القادم، بل إن الانتخابات التشريعية القادمة لن تكون سهلة هي الأخرى بعد الفضائح التي تكشفت مؤخرًا، علاوة على ذلك فإن الرئيس القادم مبيكي يعاني من وجود انقسام حقيقي داخل حزب المؤتمر، وبخاصة أن عمليات الترشيح في الانتخابات القادمة ستكون من قبل الحزب وليس من قبل القواعد الشعبية؛ الأمر الذي يدفع إلى القول إن مبيكي سيكون من أنصار التغيير والإتيان بالوجوه الشابة بسبب فساد الرموز الحالية، ولا شك في أن هذه الرموز ستقاوم بشدة موجة التغيير هذه، ومن ثم فإن الرئيس القادم سيعاني من مقاومة البيض من ناحية، ومقاومة معارضيه داخل الحزب الحاكم من ناحية ثانية، وعليه الصمود في النهاية أمام كلا الجانبين من أجل استكمال مشوار رفيقه وصديقه مانديلا.

الرابط المختصر :