; الكسب المشروع للمصارف وبيوت التمويل الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان الكسب المشروع للمصارف وبيوت التمويل الإسلامية

الكاتب غريب الجمال

تاريخ النشر الثلاثاء 15-نوفمبر-1977

مشاهدات 99

نشر في العدد 375

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 15-نوفمبر-1977

لا تقتصر عوائد المصرف الإسلامي على الأجر الذي يتحصل عليه من قيامه بأعمال الخدمات المصرفية لصالح عملائه، ولكن تشمل هذه العوائد الربح الذي يستحق له نظير مباشرته للأعمال الاستثمارية بأوضاع وشروط محددة.

ذلك أن الله جلت قدرته جعل جهات المكاسب متشعبة ليكون اختلاف أسبابها علة الائتلاف بها، وتشعب جهاتها توسعة لطلابها كيلا يجتمعوا على سبب واحد، فلا يلتئموا، أو يشتركوا في جهة واحدة، فلا يكتفوا، ثم هداهم سبحانه وتعالى إليها بعقولهم وأرشدهم إليها بطباعهم حتى لا يتكلفوا ائتلافهم في المعايش المختلفة فيعجزوا، ولا يتعاونوا بتقدير مواردهم بالمكاسب المتشعبة فيختلفوا حكمة منه سبحانه وتعالى اطلع بها على عواقب الأمور.

ويستخلص من آراء الفقهاء أن الربح هو ما يتحصل من زيادة مستفادة نتيجة الاتجار، وهذه الزيادة إما أن تتحصل نتيجة تكرار عمليات شراء السلع وبيعها بحالتها المشتراة بها دون تصنيع- كما كان الحال في الغالب قديمًا- وإما أن يتحصل ذلك بطريق المواد وتصنيعها ثم بيعها في صورة أخرى مغايرة لحالها الأول- كما هو الشأن في الإنتاج والصناعة الحديثة، ذلك أن دخول عنصر التصنيع لا يتعارض مع جوهر العمل التجاري القائم أساسًا على مبدأ شراء مادة لبيعها بسعر أعلى من سعر تكلفة شرائها «أو شراء أجزائها» وإعدادها الملائم للبيع.

يقول الفقيه الحنفي الكاساني: إن الربح إنما يستحق «... إما بالمال، وإما بالعمل وإما بالضمان ...» ثم يقول بعد ذلك:

«... أما ثبوت الاستحقاق بالمال فظاهر؛ لأن الربح نماء رأس المال، فيكون لمالكه، ولهذا استحق رب المال الربح في المضاربة، وأما بالعمل، فإن المضارب يستحق الربح بعمله، فكذا الشريك. وأما بالضمان، فإن المال إذا صار مضمونًا على المضارب «يستحق أي المضارب الذي صار ضامنًا» جميع الربح، ويكون ذلك بمقابلة الضمان خراجًا بضمان. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الخراج بالضمان فإذا كان ضمانه عليه كان خراجه له».

وبذلك فإن العمل- باعتباره سببًا من أسباب استحقاق الربح- يقف على قدم المساواة مع رأس المال- سواء كان مملوكًا أو مضمونًا- فإذا اتحدت ملكية المال مع العمل في ذات الشخص- كما لو عمل الإنسان في مال نفسه- فإن الربح يكون خالصًا كله له، نظرًا لاجتماع عنصري الملكية والعمل في جهة واحدة، وأما إذا انفصلت ملكية رأس المال عن العمل- كما في المضاربة مثلًا- فإن الربح يتوزع بين مالك رأس المال والعامل بحسب ما ينفقان عليه من حصة شائعة معلومة.

والخلاصة أن العائد الزائد على رأس المال لا يسمى ربحًا إلا إذا ارتبط بالعمل وكانت هذه الزيادة نتيجة متبادلة يتقلب فيها رأس المال من حال إلى حال.

والربح الذي يتحقق من هذا التقليب هو نوع من نماء المال الناتج عن استخدامه في نشاط استثماري، وفي هذا إظهار للجهد البشري المرتبط بعمل الإنسان في المال.

ويستخلص من ذلك أن الإسلام يعتبر المال الجامد لا يزيد لولا مخالطة العمل له حيث إن النقود لا تلد النقود ومن ثم لم يقرر الإسلام حقًا للنقود في الحصول على أي ربح إلا إذا كان ذلك على وجه المشاركة للعمل في الربح والخسارة.

إن الزيادة الحاصلة إما بشكل يزداد فيه المال نفسه «كما في القرض» أو متمثلة بشكل مبادلة الجنس بجنسه مع الزيادة الظاهرة «في ربا الفضل» أو الزيادة المقدرة بفرق الحلول عن الأجل «في ربا النساء» فهذه الزيادة ربا حرام.

والمصرف الإسلامي يتحصل على أجر نظير ما يؤديه من أعمال الخدمات لصالح عملائه، كما يحصل على أجر أيضًا نظير قيامه- كوكيل وكوسيط- لصالح عملائه بالأعمال الاستثمارية مستخدمًا حصيلة ودائع العملاء- الودائع الاستثمارية- في تمويل المشروعات التجارية والصناعية وغيرها التي يرغب القائمون بها في الحصول على مزيد من الأموال لتشغيلها في تلك المشروعات.

غير أن المصرف الإسلامي له أن يباشر الأعمال الاستثمارية بوصف آخر، إذ يقوم هو مباشرة باستثمار حصيلة ودائع عملائه في أعمال تجارية وصناعية وينشئ للسهر على هذه الأعمال أقسامًا متخصصة داخل جهازه وهيكله العام، وفي هذه الحالة يعتبر مضاربًا وتتحدد علاقته بعملائه- أصحاب الودائع الاستثمارية- على أساس قواعد للمصرف في هذه الحالة نصيبه من المضاربة في الفقه الإسلامي ويستحق الربح.

وفي صورة أخرى يباشر المصرف الإسلامي الأعمال الاستثمارية عن طريق المشاركة بأموال متعددة المصادر، فيكون جزء من هذه الأموال مصدره الأموال المتجمعة من ودائع عملائه يضاف إليها أموال أخرى من قبله أي مملوكة له وقد يضيف إليها أيضًا أموالًا من قبل أصحاب المشروعات الصناعية، والتجارية، والزراعية، وغيرها. وبذلك يكون رأس المال المستثمر في مثل هذه المشروعات مشاركة بين الجميع تحكمها قواعد المشاركات في الفقه الإسلامي.

ويحصل المصرف الإسلامي في هذه المشاركات على نصيبه من الربح طبقًا لشروط الاتفاق القائم بينه وبين عملائه- أصحاب الودائع الاستثمارية- وبين المستثمرين المتمولين.

والأرباح التي يجنيها المصرف الإسلامي على الوجوه المتقدمة هي البديل الإسلامي للفوائد التي تحصل عليها المصارف التجارية والمصارف المتخصصة نظير إقراضها لحصيلة الودائع المتوفرة تحت يدها لأصحاب المشروعات المستثمرين.

وهذه الأرباح كسب طيب مشروع لا تشوبه أية شائبة وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية.

الرابط المختصر :