; صحة الأسرة (العدد 1237) | مجلة المجتمع

العنوان صحة الأسرة (العدد 1237)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1997

مشاهدات 58

نشر في العدد 1237

نشر في الصفحة 64

الثلاثاء 04-فبراير-1997

الصيام.. فوائده الصحية والتربوية في حياة المسلم

  • الصوم يفيد مرضى القلب ويقوي الجهاز الهضمي على الامتصاص ويزيده كفاءة ونشاطًا.

تحقيق: أحلام علي

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو علمت أمتي ما في رمضان من الخير لتمنت أن تكون السنة كلها رمضان ». 

هذا الخير يتمثل في رحمة الله سبحانه وتعالى لعباده وإغداقه عليهم بعظيم عفوه ومغفرته.. يتلازم ذلك مع فوائد أخرى جمة تبين لنا أن هذا الدين العظيم عباداته ليست طقوسًا جوفاء تؤدى, بقدر ما هي عبادات روحانية ينبثق عنها فوائد عظيمة، تمتد آثارها الطيبة إلى الجوانب الأخرى من حياة المسلم.

ولقد انبثق عن عبادة الصوم وحدها منهج علاجي يضمن سلامة الأجسام... ومنهج تربوي ينمي الفضائل في النفس، ومنهج اقتصادي يفيد الأمة ككل.

وعن فوائد الصيام الصحية بصفة عامة يقول الدكتور سالم نجم- أستاذ الأمراض الباطنية والكبد والجهاز الهضمي بطب الأزهر «- الصيام يخلق نوعًا من الانضباط.. من خلال الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى- «سمعًا وطاعة» - فالمسلم يتعبد قربى إلى الله، وكما نعلم أن أي تغير نفسي أو عاطفي يصحبه تغير كيميائي في الجسم، وطاعة الله وعبادته سواء كانت صلاة أم صيام أم صدقة وما إلى ذلك من طاعات، تخلق لدى المسلم شعورًا بالرضا، وبالتالي يتولد لدى الجسم نوع من النشاط البيولوجي الحيوي فتنمو الهرمونات وتنمو الخمائر «الإنزيمات» التي بدورها ترفع من كفاءة الجسم الحيوية. 

أيضًا هذا الشهر الكريم يعطي فرصة لأجهزة الجسم بأن تستريح من الأكل المتواصل، والجوع للإنسان لابد منه حيث إن أجهزة الجسم بصفة عامة تحتاج لنوع من التحديات «الحرمان» لكي تنمو وتقوى وتعمل بكفاءة أكثر.

وأذكر هنا مثالًا توضيحيًا...

الشخص الذي يخلد للراحة دومًا يصاب بهشاشة في العظام، إمساك، تقرحات، ضمور في العضلات، ضمور في الوظائف العامة، ضعف في القلب، ضمور في الدورة الدموية، «كل جسمه يصاب بالوهن»، بعكس الشخص الرياضي فإنه يكتسب قوة في بدنه وعضلاته، رغم أنه يجهدها بتمارين قاسية! لماذا؟ لأن عضلاته وأجهزته بصفة عامة يتولد عندها نوع من التحدي لحمل الأثقال والجري وغير ذلك من تمارين رياضية- فتنشط وتقوى..

وهكذا لكي تنمو أجهزة الجسم لابد لنوع من الحرمان «التحدي»، والصيام أحد أنواع الحرمان الذي يقوي الجهاز الهضمي والامتصاص، فتعمل بصورة أكثر نشاطًا وكفاءة بعد ذلك.

وينصح الدكتور سالم نجم المسلمين عامة- ومرضى الجهاز الهضمي خاصة- باتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم عند الإفطار في هذا الشهر الكريم: بأن يفطر المسلم على تمرات حيث إنها تنشط الجسم وتعطيه طاقة وتنشط الكبد خاصة، ثم بعد صلاة المغرب يتناول وجبة خفيفة، ومن الممكن تناول وجبة أخرى خفيفة بعد صلاة العشاء «دون إفراط». وهذه الطريقة الصحيحة تنظم عمل أجهزة الجسم بشكل متوازن دون إجهاد، حيث إن التخفيف من الطعام مفيد لمرضى الجهاز الهضمي... باستثناء بعض الحالات! كأن تكون قرحة المعدة حادة فعندئذ لا يصوم المريض، فالله عز وجل يقول: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ... (سورة البقرة: 184) أما إذا كانت قرحة المعدة «مزمنة» فالصيام لا يضرها، بل يفيد.

الصيام ومرضى الكلى

يقول الدكتور أحمد شقير- أستاذ مساعد أمراض الكلى والمسالك البولية بطب المنصورة واستشاري المسالك البولية بمستشفى جدة الوطني الجديد-: بالنسبة لمرضى الكلى والمسالك البولية، والذين يعانون من وجود حصوات بالمسالك البولية قد يصابون بآلام في الكليتين نتيجة لنقص المياه أثناء الصوم، حيث يتركز البول وتزيد كمية الأملاح الموجودة فيه، مما يؤدي إلى شعور المريض بالآلام..

وبالنسبة لحكم عدم صوم مريض الكلى فهذا يترك للطبيب المتخصص في المسالك البولية، ولكن بصفة عامة هناك احتياطات واجبة- أثناء الصوم- لمرضى حصوات الكلى وهي: 

- يجب كثرة شرب المياه في فترة الإفطار «ما بين المغرب والفجر».

- يجب على المريض ألا يعرض نفسه لأشعة الشمس المباشرة أو القيام بمجهود عنيف يؤدي إلى فقدان كمية كبيرة من سوائل الجسم عن طريق العرق.

- يجب عدم الإكثار من الأطعمة التي تسبب زيادة في الأملاح المختلفة في البول.

وهذه الأطعمة كثيرة جداً وقد يتعذر على الإنسان العادي تجنبها! ولكن يمكن للمريض أن يتناول جميع أنواع الأطعمة، ولكن بكميات قليلة وباعتدال شديد، ويعوض ذلك بكثرة شرب المياه العذبة الخالية من الأملاح.

لذا فإن لهذا الشهر الكريم فائدة صحية عظيمة وحكمة بليغة في تقليل كمية الطعام التي يتناولها المسلم، والتي يدخل في نطاقها الأطعمة المشتملة على الأملاح التي بدورها تسبب حصوات الكلى.

  • شهر رمضان فرصة المدخنين للإقلاع النهائي
  • الصوم يوقظ الضمير وينمي ملكة المراقبة

فوائد الصيام لمرضى القلب

وعن فوائد الصيام لمرضى القلب يحدثنا الدكتور محمد فاتح عرب- الأستاذ المساعد واستشاري أمراض القلب والباطنة بمستشفى الملك عبد العزيز بجدة- فيقول: ثبت علميًّا أن الصيام يخفف من تنبيه الجهاز السمبستاوي العصبي الذي له تأثير كبير في زيادة عدد ضربات القلب وتقبض الأوعية الدموية، وبالتالي ارتفاع الضغط الدموي والإصابة بأمراض نقص التروية القلبية.

فالامتناع عن الطعام في فترة الصيام يريح الجهاز الهضمي، ويريح الجهاز العصبي؛ وبالتالي يخفف العبء القلبي ويريح الجهاز الدوراني؛ ومن ثم يفيد المصابين بأمراض القلب المستقرة علاجيًّا، والمقصود بالمستقرة علاجيًّا هي الحالات المعاوضة «المزمنة» من أمراض القلب «بمعنى أن المريض يأخذ علاجه ووضعه مستقر دون وجود أعراض».

كما أن الصيام يعتبر فرصة عظيمة الفائدة لمرضى الضغط ومرضى القلب، حيث إن المريض يتعود على الأكلات الخفيفة...

وعن كيفية تناول أدوية القلب في شهر الصيام يقول الدكتور محمد فاتح عرب:

بعض أدوية القلب الخاصة بمرض التوتر الشرياني وحالات نقص التروية القلبية، هذه الأدوية يتناول منها المريض حبة بعد الإفطار والثانية عند السحور...

وهناك أدوية ممكن تؤخذ منها حبة واحدة وتغطي ٢٤ ساعة، وبالطبع هذا الأمر يرجع فيه المريض لطبيبه المعالج..

ويضيف الدكتور محمد فاتح: هناك بعض أمراض القلب المصحوبة بإصابة حادة مثل حدوث جلطة حديثة- ارتفاع الضغط الخبيث- إصابة نقص التروية القلبية الحادة..

المريض في هذه الحالات يخضع لإشراف طبي مستمر- ليل نهار- ويأخذ علاجه في ساعات محددة، وهؤلاء المرضى أجاز لهم الشارع عدم الصيام.

ويوجه الدكتور محمد فاتح بعض الإرشادات للناس عامة ولمرضى القلب خاصة فيقول:

- يجب عدم إرهاق القلب عند الإفطار بتناول أنواع متعددة من الطعام في وقت واحد، ويفضل تناول صنف أو صنفين من الطعام الآتي: 

«سلطة خضراء- خضر مسلوقة- شربات- سمك- لحم بقري أو لحم غنم منزوع منه الدهن- صدر دجاجة- فواكه- عصير»... وأن تكون الوجبة خالية من الدهون.

- التخفيف من الملح «ملح الطعام» خاصة عند المصابين بارتفاع التوتر الشرياني وننوه أن الاستهلاك الكثير من ملح الطعام يؤدي إلى ارتفاع الضغط الشرياني. 

- قد يفيد الأكل على دفعات أي يمكن تناول وجبتين خفيفتين من المكونات التي ذكرتها مع مراعاة تناول الدواء في الأوقات المحددة.

- ننصح المدخنين بالاستفادة من هذا الشهر العظيم، حيث إن الإنسان الذي يتوقف عن التدخين لفترة خمس عشرة  أو عشرين ساعة يمكنه أن يتوقف نهائيًا، فالتدخين يضر بشرايين القلب ويؤدي في أغلب الحالات إلى أمراض نقص التروية القلبية، وعند الناس المصابين بالضغط الشرياني يؤدي إلى زيادة تقبض في الأوعية الدموية وارتفاع التوتر الشرياني.

وكما أن الصيام يعد منهجًا علاجيًّا لسلامة الأجسام، فإنه أيضًا منهج تربوي ينمي الفضائل في النفس، وله حكم وأسرار.

أسرار الصيام النفسية

وعن أسرار الصيام يحدثنا فضيلة الشيخ «سيد سابق» قائلًا:يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾(سورة البقرة: 183) بالتأمل في هذه الآية تتبين لنا الحكم السامية من هذه العبادة.

فالله سبحانه فرض الصيام على هذه الأمة كما فرضه على من تقدمها من الأمم، ليعد النفوس ويهينها لكل خير وبر، فالصائم يترك شهواته وأحب الأشياء إليه- مع قدرته عليها- امتثالًا لأمر الله، ومسارعة إلى مرضاته، وهذا من شأنه أن يورث خشية الله وينمي ملكة المراقبة ويوقظ الضمير. 

كما أن الصيام يقوي الإرادة ويعود النفس الصبر والاحتمال، فيستطيع الإنسان مواجهة الحياة ومكافحتها بشجاعة فلا تثنيه صعابها ولا تتغلب عليه أحداثها، وبقدر ما تقوى الإرادة يضعف سلطان العادة، وبذلك تتاح الفرص لهجر الكثير من العادات السيئة مثل: عادة التدخين وتناول المكيفات وغيرها مما يضعف البدن ويمرضه؟ ويذهب بالمال في غير طائل. 

وبإيقاظ الضمير وتقوية الإرادة يعظم الإنسان ويشرف، ويصل إلى الذروة من الفوز والنجاح.

أسراره الخلقية

ويضيف فضيلة الشيخ «سيد سابق»: 

إن للصيام أيضًا أسرارًا خُلقية فهو ليس مجرد إمساك عن المفطرات فقط، وإنما هو هجر جميع المعاصي والسيئات، فلا يحل للصائم أن يتكلم إلا حسنًا، ولا يفعل إلا جميلًا، وإلى ذلك يشير الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله «الصيام جُنَّة» أي وقاية من المنكرات والشرور.. وبهذا يكون الصيام درسًا عمليًّا في أخذ النفس بالفضائل وحملها على الاتصاف بكل ما هو حسن في جميع الحالات.وبذلك تزكو وتطهر ويصبح الإنسان مأمول الخير مأمون الشر، وإذا لم يبلغ الصيام بالإنسان المسلم هذه الغاية من التهذيب فإن صيامه لا وزن له عند الله، وأنه لا حظ له من صيامه إلا الجوع والعطش.

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: « ربَّ صائمٍ ليسَ لَه من صيامِه إلَّا الجوعُ »(ابن ماجه:1380).. ويقول أيضًا: « مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ »(البخاري:1903).

حكمة الصيام الاجتماعية

وعن حكمة الصيام الاجتماعية وفوائده العظيمة، وآثاره الطيبة على الأمة الإسلامية جمعاء يشير فضيلة الشيخ: «سيد سابق» إلى ذلك بقوله:

الصيام فيه معنى المساواة بين الأغنياء والفقراء في الحرمان، وترك التمتع بالشهوات، وهذا من شأنه أن يرفع من نفس الفقير إذ يجد الغني مثله في القيام بهذه الفريضة، كما أنه يفجر ينابيع الرحمة والعطف في قلوب الأغنياء ويبعثهم على مواساة الذين ضاقت بهم سبل العيش فتتآلف القلوب، وتذهب الأحقاد ويتعاون الفقراء والأغنياء على النهوض بالمجتمع وتوفير الطمأنينة له، ولقد كان يوسف عليه السلام أمينًا على خزائن الأرض وكان يكثر من الصيام وسئل عن ذلك فقال:

أخاف أن أشبع فأنسى الجائع.. 

هذه هي آثار الصيام وحكمه في النفس والخلق والمجتمع، وهي آثار بعيدة المدى إذ إنها تعد الفرد المهذب والمجتمع الفاضل وتصل بالأمة إلى غايتها من الرفعة والسمو.

الرابط المختصر :