العنوان ليبيا بعد الثورة.. فشل الدولة وإدارة التوحش
الكاتب نزار كريكش
تاريخ النشر السبت 01-أغسطس-2015
مشاهدات 50
نشر في العدد 2086
نشر في الصفحة 44
السبت 01-أغسطس-2015
إستراتيجية "داعش" والشروط اللازمة لاختيار الدول التي يتواجد فيها التنظيم تشمل الموقع الجغرافي وضعف الحكومة المركزية ووجود مد إسلامي وطبيعة الناس وانتشار السلاح
تكوين الدولة في ليبيا بُني على فكرة فوضوية قوامها ارتباط النظام بشخص "القذافي"
الفشل في إدارة الدولة ينشئ حالة من التوحش ستسعى أطراف لاستغلالها في مستوى سياسي انقلابي من قوى تسعى للسلطة وأخرى تتمدد في مثل هذه الفوضى
الحل في ليبيا أن يكون هناك مشروع لبناء الدولة يحفظ السلام ليس على طريقة الأمم المتحدة وإنما يتخطى "ليون" ومقترحاته ويكون الدستور هو الحل للإشكالات القانونية القائمة
شهدت ليبيا في الفترة الأخيرة حدثاً له دلالة عميقة في سياق المشهد الليبي والمشهد العالمي، وهو تسجيل أول هزيمة حقيقية لتنظيم "داعش" في تاريخ هذا التنظيم المريب، فقد استطاع المقاتلون والمدنيون من مدينة درنة الليبية هزيمة التنظيم في غضون ثلاثة أيام، كان فيها التنظيم بمؤسساته المهترئة خارج المدينة كعصابة تحاول أن ترد ثأرها بعد أن كانت دولة تسعى للسيطرة.
هذا الحدث الذي لم يحظَ باهتمام وسائل الإعلام العربية والعالمية، كان له تأثير في المشهد الليبي ومسار الحوار الذي ترعاه الأمم المتحدة.. دعنا نشرح ذلك على الصعيد المحلي، ثم نعود للسياق الدولي لظاهرة الإرهاب في عالم ما بعد الحداثة.
ولعل السؤال الذي يجب أن نجيب عنه قبل الخوض في مآلات هذا الحدث هو: متى خرج تنظيم الدولة المعروف بـ "داعش" في المشهد الليبي؟ هنا لابد من الرجوع إلى الكيفية التي خرج بها التنظيم في كل من العراق وسورية، ولكيلا نخوض في تفصيل ما حدث في العراق وسورية، فإن ما كتب عن إدارة التوحش يمكنه أن يعطينا إطاراً لتفسير ظهوره في ليبيا.
أمارات التوحش
يقول أبوبكر ناجي في كتابه "إدارة التوحش"، وهو الكتاب الذي ترجم لعدة لغات ويتحدث فيه الكاتب المجهول الهوية سوى الاسم المذكور عن إستراتيجية "داعش" والشروط اللازمة (العامة) لاختيار الدول التي يتواجد فيها التنظيم، وتشمل الموقع الجغرافي، وضعف الحكومة المركزية، ووجود مد إسلامي، وطبيعة الناس، وانتشار السلاح، ويختصر ذلك بوضوح فيقول: مرحلة الشوكة والنكاية والإنهاك عن طريق مجموعات وخلايا منفصلة في كل مناطق العالم الإسلامي - الرئيسة وغير الرئيسة - حتى تحدث فوضى وتوحش في مناطق عديدة بالدول الرئيسة، بينما لم تحدث الفوضى في مناطق باقي الدول لقوة الأنظمة فيها وقوة مركزيتها، ثم ترتقي مناطق الفوضى والتوحش إلى مرحلة إدارة التوحش، بينما تستمر باقي مناطق ودول العالم الإسلامي بجناحين؛ جناح الدعم اللوجستي (المال، محطات انتقال، إيواء عناصر، الإعلام... إلخ) لمناطق التوحش المداراة (هكذا كتبت ولعلها المدارة من الإدارة)، بواسطتنا وجناح النكاية والإنهاك للأنظمة.
دخلت ليبيا بعد ثورة السابع عشر من فبراير مرحلة انتقالية وفق الإعلان الدستوري الذي وضعه المجلس الانتقالي، لكن هذا الإعلان وضع بافتراض خاطئ يهمل حقيقة أن تكوين الدولة في ليبيا بُني على فكرة فوضوية قوامها ارتباط النظام بشخص "القذافي"، وهكذا احتفى الإعلان الدستوري بالديمقراطية، ولم يكن أحد من الساسة يدرك عمق الانهيار الذي أصيبت به مؤسسات الدولة في عصر "القذافي"؛ الأمر الذي تعزز وتجلى بالثورة، هذا الأمر عثر المسار الانتقالي، فإن ما يعرف بقدرات الدولة Building Capacity وهو العلاقة بين مسؤوليات الدولة وقدراتها المؤسساتية هذه العلاقة شكلت حملاً جعل تقرير الدولة الفاشلة يحذر من فشل الدولة سواء في قضايا النازحين أو المهجرين أو انتشار العنف المسلح.
مدينة درنة كانت نموذجاً لهذا الفشل، فهي مدينة من أهم المدن في تاريخ ليبيا، تشكل عمق الشرق الليبي في مدنيته بعد بنغازي، كما أن موقعها الجغرافي بين البحر والجبل وضواحيها بوديانها وسهولها وغياب مؤسسات الدولة كالشرطة وشرطة المرور ونحوه جعل درنة أقرب لنشأة "تنظيم الدولة"، وظهرت أمارات التوحش في درنة بشكل واضح، حاول ثوار المدينة ممثلين في بعض الكتائب ومن بينها كتيبة "أبو سليم" المساهمة في عودة هذه المؤسسات، وكانت هذه الكتيبة تحوي العديد من الإسلاميين أو المحافظين، واستطاعت أن تظهر كسند للمدينة خاصة في حماية انتخابات المؤتمر الوطني العام عام 2012م، ووافقت الكتيبة على انضمام أفرادها للجنة الأمنية المكلفة من الدولة لحماية المدينة، لكن هذا الاعتدال لم يرق لبعض الحركات المتطرفة التي باتت تفتي بردة من انضموا أو أعلنوا انضمامهم للجنة الأمنية، وبدأ البحث عن كيان يضم هؤلاء المخالفين للانضمام للجنة الأمنية والموافقة على المسار الانتقالي، كوّن بعض المقاتلين كتيبة جديدة اسمها "البتار"، ربما كانت هي النواة لـ "تنظيم الدولة"، خاصة وأن كثيراً من الشخصيات المهمة التي كانت في كتيبة "أبو سليم" هي ممن وجدوا في "تنظيم الدولة".
درنة بالظروف التي ذكرت مناسبة لـ "تنظيم الدولة"، لذا كان البحث عن حالة من التوحش ليقوم التنظيم بإدارتها وإعلان دولته، هذه الحالة جاءت بعد إعلان "عملية الكرامة" عام 2014م، فقد وفّر حفتر بضعفه المعرفي طمعه في البروز على المشهد مهما كانت الأسباب تلك البيئة التي يمكن أن تعزز الحرب والتطرف، فمنها الحاجة لقضية، وكانت محاربة "عملية الكرامة" التي بدت بوجه بئيس وكالح في بنغازي عبر الحرق والسطو والتدمير الذي لا يعبر إلا عن التوحش المطلوب.
إدارة التوحش
تطور الأمر بعد ذلك بمحاولة السيطرة على مؤسسات المدينة، فقاموا بإنشاء ديوان للحسبة، وقامت سيارات الحسبة بالسير في الشوارع، والأمر بإقفال المحال أثناء الصلاة، كما حاولوا أن يتدخلوا في المؤسسات التعليمية، وأنشؤوا القضاء الخاص بهم، إلى أن تم إعلان الدولة، ويقال: إن الوالي كان يمني الجنسية، وهو الذي تم القبض عليه فيما بعد، منذ مطلع العام 2015م ظهر "تنظيم الدولة" في سرت وبشكل مفاجئ، وقبل قتل العديد من العمال المصريين في ليبيا، وانتشر الخبر في كافة وسائل الإعلام، وقامت القوات المصرية بالرد بضرب منزل لعائلة من درنة قتل جراءها أطفال أبرياء.
هذا الظهور المفاجئ جعل الشكوك تحوم حول ماهية التنظيم في سرت، فالمعروف أن مهبط رأس "القذافي" في قرية جهنم في سرت، وأنه قُتل في سرت، وأن سرت لم تتوافر فيها هذه الشروط التي يمتد التنظيم وفقها، بل كانت من المدن التي استقرت نوعاً ما خاصة بعد محاولة الدولة الاهتمام بها نظراً للدمار الذي طال بعض مناطقها؛ لذا كان السيناريو العراقي يلوح في أذهان المراقبين من الارتباط بين التنظيم في سرت وأتباع نظام "القذافي" من أجل العودة للمشهد الليبي.
هذا الأمر هو عينه ما يقال في العراق والشام من ارتباط بين الاستبداد والإرهاب، والأمر غير مستبعد، لكن ليس عبر سيناريو تآمري يرسم المخطط من أوله إلى آخره، بل الأمر كما هو في المشهد الليبي التقاء المصالح، وتقاطعات البحث عن السلطة، واقتران المال بالحروب، والغنى والثروة في حال غياب القانون والدولة، الأمر لم يمضِ كما اشتهى هؤلاء وهؤلاء، فقد حدث أن انتفضت كتيبة "أبو سليم" بقوتها وعدتها التي تفوق "تنظيم الدولة" ومن ورائهم أهل مدنية درنة على هذا التنظيم بعد أن فجعت المدينة بفلذات أكبادها كالشيخ ناصر العكر، والثائر سالم دربي، وفرج الحوتي، هذا الأمر أربك المشهد، خاصة وأن النجاح جاء بطريقة سريعة، وشكلت نموذجاً لم يعد يقنع الرأي العام بأن ماعانته بنغازي منذ عام كان حرباً على الإرهاب، وأن طرقاً أخرى قد تكون أقل تكلفة يمكن أن تقضي على الإرهاب، وأن "داعش" لا يحاربها إلا "مجلس شورى مجاهدين درنة" (كتبيبة أبو سليم) وقوات "فجر ليبيا" في طرابلس.
نماذج للمواجهة
ويمكن بناء على المشهد الليبي أن نضع ثلاثة نماذج لمحاربة "تنظيم الدولة":
النموذج الأول: ويمثله المؤتمر الوطني والحكومات المتعاقبة خاصة حكومة علي زيدان؛ وهو الخوف من المواجهة وعدم القدرة على عمل مؤسسي علمي منظم يواجه التطرف بحسم وبمنطق الدولة؛ الأمر الذي أفسح المجال أمام أصحاب الأفق الضيق لاكتساب أوراق رابحة عبر الإعلام والطرق الملتوية للفوز في معركة كسر العظم بين الأيديولوجيات المختلفة.
النموذج الثاني: حفتر و"عملية الكرامة": نموذج الدخول في المعركة بدون وعي بمآلات الأمور، وتقديس القوة، ويحاول أن يصل لأي مكسب سياسي من خلال النظر للواقع بمنظار ضيق يسمح له بممارسة السلطوية مهما كان الثمن من توطين للعنف ونسف للعمران وإدخال البلد في حالة من الحرب الأهلية.
النموذج الثالث وهو درنة: عدو واضح جرمه، رجال أشداء قادرون على المواجهة، عشق لدرنة وسوانيها ومبانيها وعدم الرغبة في إفسادها، تكاتف مجتمعي، المفاجأة التي أطاحت بالتنظيم من كبريائه، والإعلام الذي لم يلتقط أنفاسه ليرسم سياسة تحريرية تصور الأمر في سياق الانقسام السياسي في ليبيا، أعني أن الحرب كانت حرباً بين المدينة وثوارها من جانب، وظلمة يريدون اغتصاب دينها ومدنيتها من جانب آخر، وليست حرباً بين عملية الكرامة وبرلمان طبرق، وفجر ليبيا والمؤتمر الوطني، لكن سرعان ما وجد الخط التحريري الذي يستفيد منه برلمان طبرق وهو القول: إن مجلس شورى ثوار مدينة درنة تابع لـ "القاعدة"، وسرعان ما صارت هذه الإضافة مسلمة للصحف المحلية والعالمية وهو ارتباط التنظيم بـ "القاعدة"، وهذا بالطبع يعني أن الحرب على الإرهاب (الأقل خطراً) يجب أن تستمر، وأن تبرير استمرار حصار مدنية درنة قائم.
هذا الأمر خطأ تاريخي؛ لأن أغلب من انضموا للتنظيم كانوا ممن قاتلوا في العراق أو من المنحرفين، وأن أغلبهم كما سبق تركوا كتيبة "أبو سليم" لعدم موافقتهم على مسارها الداعم للعملية الانتخابية والعملية السياسية في البلد، علاوة على أن أغلب الإسلاميين السابقين من ليبيا ليسوا على علاقة جيدة بـ "تنظيم القاعدة"، المؤتمر من جانبه دعم مجلس شورى المجاهدين بدرنة، واستمر في خطه باعتبار أن التنظيم ما هو إلا أداة من أدوات الثورة المضادة، ومازال التنظيم يستوطن منطقة الفتائح الجبلية، ومازالت قوات "عملية الكرامة" تحاول أحياناً أن تدخل للمدينة من مدخلها الشرقي أو أن تقوم بضرب الجانبين بالطائرات إعلاناً باستمرار المسار السابق؛ وهو استعمال القوة لتثبيت سلطات البرلمان في طبرق، وتثبيت خليفة حفتر قائداً عاماً للجيش الليبي مها كانت نتائج الحوار في الصخيرات.
عملية السلام خلل بنيوي
يتعاظم التوحش وإدارته في ظل غياب الدولة ومؤسساتها، هذا ما حدث، وفي مثل هذه الأحوال يمكننا تصور تحالفات بين أطراف مختلفة للغلبة على الخصم؛ أي أن ظاهرة العنف والصراع السياسي على السلطة ظاهرة مطردة في الحالة الليبية تماماً كما صورها "صموئيل هنتجتون" في العقد السادس من القرن العشرين، تعثر بناء الدولة والبعثة الأممية التي تسعى للسلام في ليبيا مازالت ترتكب نفس الخطايا التاريخية التي حدثت في تاريخ الحروب الأهلية؛ وهو إستراتيجية بناء السلام دون بناء الدولة.
الأمر الذي يؤكد أن بناء الدولة أمر قد يأخذ فترة طويلة، وأن عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة كغيرها كانت تنظر للأمر من خلال البحث عن القيم الديمقراطية التي اهتدت بها مسودة "ليون" كما ذكر في مسودته المقدمة لليبيين، لكن عملية بناء الدولة هي عنيفة بالضرورة، وهناك حرب دائرة تعبر عن هذا التكوين، لذا فالتوفيق بين مسار عنيف طبيعي لتكوين دولة لم تقم يوماً في ليبيا، وبين عملية بناء السلام تعاني من إشكاليتين:
- الترويج العالمي للديمقراطية نتج عنه أنظمة مشوهة لا هي ديمقراطية ولا أوتوقراطية مستبدة - أنوكراسي anocracy- هذه الأنظمة تكون تحت تهديد الصراعات المسلحة، تحت الحرب المعلنة، ومن دونها صراعات أقل حدة، ودولة فشلة؛ الأمر الذي يجعل عملية بناء الدولة ليس هو الأصل، في مثل هذه المباحثات كما حدث في نيجيريا بعد نهاية الحكم العسكري عام 1999م، وليبيريا بعد اتفاقية عام 1979م، والبوسنة والهرسك بعد اتفاقية "دايتون" عام 1995م الذي مازال محل جدل إلى الآن.
- الاستقرار يجب أن يتم من خلال حل التشققات التي تحدث داخل الدولة، والسبب أن الموارد التي تستخدم في عملية إحلال السلام توضع في بناء قدرات الدولة وتأهيل مؤسساتها، وتترك الأسباب الحقيقية للصراع دون حل والدولة أساساً هشة.
لذا فوجود مسار داخلي للحوار هو أمر مهم، ليس لأن يكون الحوار ليبياً ليبياً أو غير ذلك من العبارات العاطفية، بل من أجل بناء الدولة، فكل التجارب التاريخية بيَّنت أن عدم وجود سياق دستوري يضمن بناء الدولة ووجود أنماط ديمقراطية في دول مفككة قد ينشئ حالة من عدم الاستقرار، كما أن وجود صراع أيديولوجي في غياب الدولة سيجعل من الوسطاء السياسيين وهم مؤدلجون في الغالب يميلون طبيعة أو سياسة لطرف دون طرف؛ الأمر الذي قد يزيد من حدة الصراع وينقله لمستويات خطيرة تهدم كل قدرات الدولة.
هكذا يبدو الفشل في إدارة الدولة حيث ينشئ حالة من التوحش، ستسعى أطراف أخرى لاستغلالها في مستوى سياسي انقلابي من قوى تسعى للسلطة وأخرى تتمدد في مثل هذه الفوضي وتسعى لإدارة التوحش، بالطبع هناك مشهد دولي متمثل في القوى العظمي قد يؤخر إدارة الدولة أو يسعى لاستمرار حالة التوحش لإحداث توازنات تؤول لمصالحه، لكن الوضع في ليبيا ليس بالتعقيد الذي تشهده الحالة السورية والحالة العراقية، فأسباب الحرب القائمة بين الإخوة هي أسباب سياسية، وإحصائياً هذه الحروب لم يمتد أمدها لأكثر من أربع سنوات في أسوأ الأحوال، وكذلك الموقع الجغرافي لليبيا ليس من مناطق التصدع الحضاري التي يمتد فيها الصراع لآماد طويلة كسورية أو أفغانستان، لكن التحول الذي تشهده المنطقة والعالم هو ما يجعل تصور الوضع الذي ستؤول إليه المنطقة جزءاً من المشهد الليبي.
استمرار المسارات الموازية في المصالحة بين الليبيين كما حصل في الغرب الليبي والدعم الذي شهدته مدينة درنة من طبرق وبعض المدن في حبها ضد "داعش"، والرقابة المؤسسية والمدنية على أداء الحكومات، والتأكيد على عدم الانجرار وراء قضايا كتوقيع العقود الآجلة أو طلب التدخل الدولي من قبل أي من الحكومتين (بما في ذلك إلغاء قرار الاستعانة بالأصدقاء في حرب الإخوة التي قام بها البرلمان في طبرق)، فهذه الأمور يجب أن نكون منها على حذر، وأن يتم الترتيب لها من الآن.
الكثير ممكن أن يفعله الليبيون حتى وإن وقعت المسودة والكثير يمكن أن نفعله إذا لم يقبل بها المؤتمر، ويبقى السؤال: ما الذي نفعله في هذه الحالة أو تلك لا أن نكون في دائرة تصنيف جديدة تزيد من التشققات داخل المجتمع هذا مع وهذا ضد ومن ليس ضد المسودة فهو ضد الوطن؟ أقول: كل ذلك لن يجدي، الذي يجدي هو أن يكون لليبيين مشروع لبناء الدولة يحفظ السلام، وليس مشروع للسلام على طريقة الأمم المتحدة، وهو مشروع يتخطى "ليون" ومقترحاته، وأن الدستور هو الحل للإشكالات القانونية التي نعيشها، وضربنا مثالاً باتفاقية "دايتون"، وأن مثل هذه الاتفاقات قد لا تكون مجدية ما لم تتم في إطار دستوري؛ الأمر الذي يجعل حكم المحكمة الدستورية قد يكون أداة رقابية، ويمكن تفعيلها في أوضاع أكثر استقراراً إذا أحسن الليبيون إدارة الصراع.
ما لم يدرك الجميع خطورة الموقف، ويقف الجميع في صف واحد وبإستراتيجية واحدة هي ضرورة بناء الدولة؛ هذا يعني أننا لا نعتبر المسودة نهاية الطريق بل هي البداية.
طريقة تقديم حفتر للجمهور جعلت صورة الدكتاتور (الطاغوت) تبدو متناسقة مع العقلية القياسية لمتطرفي "داعش".. طريقة حديثه، لباسه العسكري، محاربته المباشرة لكل التيارات الإسلامية، كل ذلك جعل الحرب الدائرة هي حرب ضد رمزية الطاغوت والدكتاتور، وكان لابد من البحث عن شريك خارجي، والشريك الجاهز بالأموال هو "تنظيم الدولة" طبعاً، وكانت بداية المبايعة العلنية للتنظيم في أغسطس 2014م.